ماكرون وإعادة تموضع فرنسا بإفريقيا.. بين إرث الساحل وصعود شراكات جديدة.. إيمانويل: لا يمكن تحميل الاستعمار وحده مسئولية أزمات القارة.. باريس تبحث عن نفوذ بديلة.. وتحول استراتيجى نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية

الثلاثاء، 12 مايو 2026 01:00 ص
ماكرون وإعادة تموضع فرنسا بإفريقيا.. بين إرث الساحل وصعود شراكات جديدة.. إيمانويل: لا يمكن تحميل الاستعمار وحده مسئولية أزمات القارة.. باريس تبحث عن نفوذ بديلة.. وتحول استراتيجى نحو أفريقيا الناطقة بالإنجليزية إيمانويل ماكرون - الرئيس الفرنسي

كتبت ريهام عبد الله

تدخل العلاقات الفرنسية–الإفريقية مرحلة إعادة تشكيل عميقة، في ظل تراجع النفوذ التقليدي لباريس في منطقة الساحل، وتصاعد التنافس الدولي على موارد القارة.

وفي هذا السياق، يبرز خطاب الرئيس الفرنسي  ايمانويل ماكرون في قمة كينيا بوصفه محاولة لإعادة تعريف الدور الفرنسي داخل إفريقيا، بعيدًا عن الإرث الاستعماري من جهة، وبعيدًا عن الانكفاء الجغرافي على الفضاء الفرانكفوني من جهة أخرى

القمة الأفريقية الفرنسية التي تستضيفها العاصمة الكينية نيروبي ليست مجرد حدث اقتصادي عابر، بل تبدو أكثر  كمنصة سياسية لإعادة صياغة موقع فرنسا في قارة تتغير موازينها بسرعة، وتبحث عن شركاء جدد خارج الأطر التقليدية.

 

خطاب جديد لإفريقيا

في مقابلة مع مجلتي “جون أفريك” و"ذا أفريكا ريبورت" عاد ماكرون إلى ملف الاستعمار، مؤكدًا أنه أدانه منذ وصوله إلى الحكم عام 2017، لكنه في الوقت ذاته رفض اختزال أزمات القارة في الإرث الاستعماري فقط.

وقال ماكرون إن "العقود السبعة التي تلت الاستقلال لا يمكن إعفاؤها من المسئولية"، في إشارة مباشرة إلى أن التحديات الحالية مرتبطة أيضًا بالأنظمة السياسية والاقتصادية الإفريقية نفسها.

هذا الخطاب يعكس تحولًا واضحًا في الخطاب الفرنسي: من الاعتراف التاريخي بالاستعمار إلى تحميل النخب الإفريقية جزءًا أكبر من مسئولية التعثر التنموي.

 

ماكرون يدافع عن أوروبا

دافع ماكرون عن الدور الأوروبي في القارة، مؤكدًا أن أوروبا ليست "مفترس هذا القرن", بل شريك قائم على التعددية وسيادة القانون والتجارة المفتوحة.

في المقابل، وجه انتقادات حادة للصين، متهمًا إياها باتباع "منطق استغلالي" في التعامل مع الموارد الإفريقية، خصوصًا المعادن الاستراتيجية، عبر تصدير المواد الخام وإعادة تصنيعها داخل الصين بما يخلق تبعية اقتصادية طويلة الأمد.

وقد يعكس هذا الطرح بوضوح تصاعد المنافسة الجيوسياسية في إفريقيا، حيث تتحول القارة إلى ساحة تنافس بين النماذج الغربية والصينية في الاستثمار والنفوذ.

 

إصلاح النظام المالي الدولي

طرح ماكرون رؤية تقوم على “استراتيجية استقلالية مشتركة” بين أوروبا وإفريقيا، تقوم أساسًا على إصلاح النظام المالي العالمي. ودعا إلى إنشاء ضمانات مالية دولية جديدة من شأنها جذب استثمارات القطاع الخاص إلى إفريقيا، وهو مطلب طالما طرحته الدول الإفريقية، لكنه لم يترجم بعد إلى آليات تنفيذية فعالة. هذا التوجه يعكس محاولة فرنسية لإعادة التموضع من القوة العسكرية التقليدية إلى القوة المالية والاقتصادية.

 

الساحل الإفريقي… من التدخل العسكري إلى الانسحاب المنظم

شهدت السنوات الأخيرة انهيار الوجود العسكري الفرنسي في دول الساحل، بعد سلسلة تغيير فى الأنظمة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين 2020 و2023، أدت إلى إنهاء التعاون العسكري مع باريس.

وأكد ماكرون أن فرنسا احترمت قرارات تلك الدول، قائلاً:عندما  لم يعد وجودنا مرغوبًا به، غادرنا، لم يكن ذلك إذلالًا بل قرارًا منطقيًا".

وكان الوجود العسكري الفرنسي قد بُني رسميًا على طلب حكومات محلية لمواجهة التنظيمات المسلحة، لكن تراجع الشرعية السياسية لتلك الحكومات أعاد صياغة قواعد اللعبة بالكامل.

 

إفريقيا الناطقة بالإنجليزية

في ظل تراجع النفوذ الفرنسي في الفضاء الفرانكفوني، بدأت باريس في توسيع تحركاتها نحو إفريقيا الناطقة بالإنجليزية، خاصة في دول مثل كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا.

هذا التحول لا يعني تخليًا كاملًا عن الفضاء الفرانكفوني، لكنه يعكس انتقالًا من “العمق التاريخي” إلى “التنوع الجغرافي”، في محاولة لتعويض الخسائر السياسية في الساحل عبر بناء شراكات اقتصادية أوسع.

ويُقرأ هذا التوجه على أنه اعتراف ضمني بأن النموذج التقليدي للنفوذ الفرنسي في إفريقيا لم يعد قابلًا للاستمرار بالشكل السابق.

 

هل انتهت “الأفروفرانكفونية”؟

رغم التغيرات العميقة، لا يمكن القول إن ما يُعرف بسياسة “الأفروفرانكفونية” قد انتهى بالكامل، لكنها لم تعد الإطار المهيمن للسياسة الفرنسية في إفريقيا.

فبدلًا من الاعتماد على الروابط اللغوية والتاريخية، تتجه باريس نحو مقاربة أكثر براجماتية تقوم على المصالح الاقتصادية، وتعدد الشركاء، وتقليل الاعتماد على المناطق التقليدية للنفوذ.

بمعنى آخر، لم تختفِ الفرانكفونية، لكنها فقدت مركزيتها في الاستراتيجية الفرنسية الجديدة.

وتكشف ملامح الخطاب والسياسة الفرنسية الجديدة تجاه إفريقيا عن مرحلة انتقالية معقدة: من إرث استعماري ثقيل ونفوذ تقليدي في الساحل، إلى محاولة بناء شراكات متعددة الاتجاهات تشمل إفريقيا الناطقة بالإنجليزية، وتقوم على الاقتصاد بدلًا من النفوذ العسكري .




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة