على مدار عقود، لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية مجرد تنظيم سياسي أو دعوي كما حاولت دائمًا أن تُقدّم نفسها، بل عملت بهدوء وصبر على بناء شبكة اقتصادية موازية ضخمة، تمتد عبر جمعيات وشركات واستثمارات وتحويلات مالية وواجهات تجارية معقدة، هدفها الأساسي ضمان بقاء التنظيم واستمرار نفوذه حتى في أصعب الظروف.
فالجماعة أدركت مبكرًا أن المال ليس مجرد وسيلة دعم، بل هو العمود الفقري لأي تنظيم يسعى للتمدد والسيطرة والاستمرار. لذلك، لم تعتمد الإخوان فقط على التبرعات أو الاشتراكات التنظيمية، وإنما بنت مع الوقت ما يشبه "اقتصادًا موازيًا" يتحرك في الظل، بعيدًا عن أعين الرقابة، ويمنح التنظيم قدرة هائلة على التمويل والحشد وإعادة التموضع كلما تعرض لهزة سياسية أو أمنية.
الاقتصاد داخل الجماعة.. تنظيم يقوم على التمويل قبل السياسة
منذ السنوات الأولى لتأسيس الجماعة الإرهابية على يد حسن البنا، ظهر بوضوح اهتمام التنظيم ببناء قاعدة اقتصادية مستقلة، ففي رسائل البنا وخطابات الجماعة المبكرة، كان الحديث حاضرًا حول "التمكين الاقتصادي" وخلق دوائر نفوذ مالية وتجارية تساعد التنظيم على التوسع بعيدًا عن سيطرة الدولة.
ومع الوقت، تحولت تلك الأفكار إلى شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية التي تنوعت بين التجارة، والمقاولات، والمدارس الخاصة، والمستشفيات، والجمعيات الخيرية، وشركات الاستيراد والتصدير، إلى جانب استثمارات خارجية معقدة امتدت إلى عدة دول.
الجماعة لم تكن تنظر لتلك الكيانات باعتبارها مشروعات اقتصادية طبيعية فقط، بل باعتبارها أدوات لحماية التنظيم وتوفير مصادر تمويل دائمة يمكن استخدامها وقت الأزمات والصدامات السياسية.
الجمعيات الخيرية.. الواجهة الأكثر حساسية
واحدة من أخطر الأدوات التي استخدمتها الجماعة كانت الجمعيات الخيرية والأنشطة الاجتماعية. فعبر سنوات طويلة، نجحت الإخوان في التغلغل داخل قطاعات واسعة من المجتمع من خلال تقديم مساعدات وخدمات إنسانية، لكن تلك الأنشطة لم تكن منفصلة عن المشروع التنظيمي.
فالكثير من هذه الجمعيات لعب دورًا مزدوجًا؛ واجهة اجتماعية من ناحية، وأداة للاستقطاب وبناء الولاءات وتجميع التمويلات من ناحية أخرى.
واعتمدت الجماعة على خطاب ديني وعاطفي مكّنها من جمع تبرعات ضخمة من الداخل والخارج، تحت شعارات دعم الفقراء أو كفالة الأيتام أو الأعمال الخيرية، بينما كانت أجزاء من تلك الأموال تُستخدم في دعم أنشطة التنظيم وتحركاته السياسية والإعلامية.
شركات واستثمارات تعمل في الظل
ومع اتساع نفوذ الجماعة، دخلت الإخوان بقوة إلى عالم الشركات والاستثمارات الخاصة، سواء بشكل مباشر أو عبر رجال أعمال محسوبين على التنظيم، وتشير تقارير وتحقيقات متعددة على مدار سنوات إلى أن الجماعة اعتمدت على شبكات اقتصادية متداخلة يصعب تتبعها بسهولة، تشمل شركات بأسماء غير مرتبطة رسميًا بالتنظيم، واستثمارات خارجية، وشراكات تجارية معقدة، ما منحها قدرة على تحريك الأموال وإعادة تدويرها بعيدًا عن الرقابة المباشرة.
كما استفادت الجماعة من وجود عناصر وقيادات في الخارج لتأسيس شبكات تمويل واستثمار خارج الحدود، بما ساعد التنظيم على الحفاظ على مصادر دخل حتى بعد الضربات الأمنية التي تعرض لها داخل مصر.
التنظيم الدولي.. شبكة المال العابرة للحدود
الحديث عن اقتصاد الإخوان لا يمكن فصله عن فكرة التنظيم الدولي، الذي لعب دورًا مهمًا في إدارة وتنسيق حركة الأموال والدعم بين أفرع الجماعة في عدة دول، فبعض الكيانات الاقتصادية والاستثمارية المرتبطة بعناصر محسوبة على الإخوان تحولت مع الوقت إلى ما يشبه شبكة تمويل دولية، تستفيد من التبرعات والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية العابرة للحدود.
هذه الشبكات منحت الجماعة مرونة كبيرة في نقل الأموال، وإعادة التموضع المالي، والالتفاف على الأزمات، وهو ما يفسر جزئيًا قدرة التنظيم على البقاء ماليًا رغم سنوات من الملاحقات والضربات الأمنية.
لماذا صمدت الجماعة ماليًا رغم الضربات؟
ورغم الضربات الأمنية المتلاحقة والإجراءات الرقابية التي استهدفت شبكات التمويل التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، فإن التنظيم نجح لسنوات في الحفاظ على جزء معتبر من قوته الاقتصادية، ليس لأنه يمتلك مشروعًا اقتصاديًا حقيقيًا، وإنما لأنه بنى منذ البداية شبكة مالية معقدة تقوم على السرية والتشابك والقدرة على التخفي وإعادة التموضع.
فالجماعة لم تعتمد على كيان مالي واضح يمكن تفكيكه بسهولة، بل أنشأت عبر عقود طويلة منظومة اقتصادية متداخلة يصعب تتبعها بالكامل، تقوم على توزيع الاستثمارات والأموال بين أفراد وواجهات وشركات وكيانات متعددة، بعضها لا يحمل أي صفة رسمية تربطه بالتنظيم بشكل مباشر، بينما يعمل فعليًا لخدمة أهدافه وتحركاته.
كما استفادت الجماعة من وجود شبكات دعم وتمويل خارجية عابرة للحدود، سمحت لها بالحصول على مصادر دخل وتحويلات مالية من الخارج، وهو ما منحها قدرة على الصمود وإعادة ترتيب أوراقها كلما تعرضت لضربات في الداخل. ولم يكن الأمر مجرد دعم مالي تقليدي، بل شبكة ممتدة من العلاقات والاستثمارات والواجهات الاقتصادية التي تحركت لسنوات في مناطق رمادية يصعب كشفها بالكامل.
واعتمدت الجماعة كذلك على توظيف الأنشطة الخيرية والاجتماعية كغطاء لجمع الأموال وبناء الولاءات داخل المجتمع، مستغلة الشعارات الدينية والإنسانية لاستقطاب التبرعات وتوسيع نفوذها الشعبي، بينما كانت أجزاء من تلك الأموال تُعاد توجيهها لخدمة التنظيم وتحركاته السياسية والإعلامية.
وساعدت الطبيعة السرية للجماعة، القائمة على الهيكل المغلق والولاء التنظيمي والدوائر غير المعلنة، في تعقيد مهمة تتبع الأموال أو الوصول الكامل إلى شبكات التمويل المرتبطة بها، وهو ما جعل التنظيم قادرًا على إعادة تدوير موارده ونقل أصوله والتحرك اقتصاديًا حتى في أصعب الفترات التي واجه فيها حصارًا أمنيًا وسياسيًا واسعًا.
المال كوسيلة للنفوذ لا للتنمية
ورغم الخطاب الذي حاولت الجماعة تسويقه لسنوات عن "النهضة" و"الإصلاح"، فإن بناء هذا الاقتصاد الموازي لم يكن هدفه تنمية المجتمع بقدر ما كان وسيلة لترسيخ النفوذ التنظيمي وضمان بقاء الجماعة واستمرار قدرتها على الحركة والتأثير، فالمال بالنسبة للإخوان لم يكن مجرد مورد اقتصادي، بل أداة للسيطرة، والاستقطاب، والحشد، وإعادة إنتاج التنظيم حتى بعد سقوطه سياسيًا وشعبيًا.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن تبقى المعركة مع الجماعة مرتبطة دائمًا بتفكيك شبكاتها الاقتصادية، باعتبار أن التنظيم الذي يمتلك المال يمتلك القدرة على إعادة بناء نفسه مهما تلقى من ضربات.