عاد ملف عزل رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا إلى صدارة المشهد السياسي مجددًا، بعد حكم أصدرته المحكمة الدستورية بجنوب افريقيا أعاد إحياء إجراءات المساءلة البرلمانية المرتبطة بقضية مزرعة “فالا فالا”، القضية التي ظلت تلاحق الرئيس منذ عام 2022 وتهدد مستقبله السياسي داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم.
ورغم أن رامافوزا لا يزال يتمتع بدعم معتبر داخل الائتلاف الحاكم، فإن المعارضة تعتبر أن التطورات الأخيرة تمثل “فرصة حقيقية” لإعادة فتح ملف المساءلة وربما الدفع نحو عزله، في وقت تواجه فيه حكومة الوحدة الوطنية ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة قبل الانتخابات المحلية المقبلة.
ما هي قضية “فالا فالا”؟
تعود جذور الأزمة إلى عام 2020، عندما تعرضت مزرعة “فالا فالا” الخاصة بالرئيس في إقليم ليمبوبو لعملية سرقة، قبل أن تنفجر القضية سياسيًا بعد كشف مسئول الاستخبارات السابق آرثر فريزر تفاصيل الواقعة عام 2022.
وبحسب الاتهامات، فإن مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية كانت مخبأة داخل أثاث بالمزرعة، فيما تحدثت تقارير عن سرقة نحو 580 ألف دولار، بينما زعمت أطراف معارضة أن المبلغ الحقيقي ربما تجاوز 4 ملايين دولار.
وقال رامافوزا وقتها إن الأموال كانت عائدات بيع جاموس لأحد المشترين الأجانب، نافيًا ارتكاب أي مخالفة قانونية أو التستر على الجريمة.
إلا أن القضية أثارت تساؤلات واسعة بشأن مصدر الأموال وطريقة حفظها وما إذا كانت قد أُبلغت للسلطات الضريبية والمالية بصورة قانونية.
كيف بدأت إجراءات العزل؟
في أواخر 2022، خلصت لجنة مستقلة شكّلها البرلمان الجنوب أفريقي إلى وجود مؤشرات أولية على احتمال ارتكاب الرئيس مخالفات تستوجب التحقيق البرلماني.
لكن البرلمان، الذي كان يهيمن عليه حزب المؤتمر الوطني الأفريقي آنذاك، صوّت ضد إحالة التقرير إلى لجنة العزل البرلمانية، وهو ما اعتبرته المعارضة محاولة لحماية الرئيس سياسيًا.
لاحقًا، تقدمت أحزاب معارضة، أبرزها حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية المعارض وأحزاب معارضة أخرى، بطعون أمام المحكمة الدستورية، مطالبة بإلغاء تصويت البرلمان وإعادة تفعيل مسار العزل.
حكم المحكمة الدستورية.. نقطة تحول
في 8 مايو 2026، أصدرت المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا حكمًا اعتبر أن البرلمان تصرف بشكل “غير دستوري” عندما عرقل مسار التحقيق البرلماني ضد رامافوزا.
وأمرت المحكمة بإحالة تقرير اللجنة المستقلة مباشرة إلى لجنة العزل البرلمانية، ما يعني عمليًا إعادة فتح القضية رسميًا داخل البرلمان بعد سنوات من تجميدها.
ووصف مراقبون الحكم بأنه أحد أهم القرارات القضائية في البلاد خلال السنوات الأخيرة، لأنه أعاد التأكيد على مبدأ خضوع الرئيس للمساءلة الدستورية، حتى في ظل الحماية السياسية التي يوفرها الحزب الحاكم.
موقف المعارضة.. تصعيد وضغط متواصل
استقبلت أحزاب المعارضة القرار القضائي باعتباره “انتصارًا للدستور”، وطالبت ببدء إجراءات العزل فورًا.
وقال زعيم حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية، جوليوس ماليما، إن حزبه سيواصل الضغط لإجبار الرئيس على “المثول أمام البرلمان والمحاسبة”، متهمًا حزب المؤتمر الوطني باستخدام أغلبيته سابقًا لحماية رامافوزا من التحقيق.
كما دعا حزب التحول الأفريقي إلى تفعيل المادة 89 من الدستور الجنوب أفريقي الخاصة بعزل الرئيس، مستندًا إلى تقارير جديدة صادرة عن هيئة التحقيق المستقلة في سلوك الشرطة، قال إنها تعزز الشبهات المتعلقة بالقضية.
هل يملك خصوم رامافوزا الأصوات الكافية؟
رغم التصعيد السياسي، يرى محللون أن عزل رامافوزا لا يزال معقدًا من الناحية البرلمانية، إذ يتطلب الأمر موافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية.
ورغم أن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي فقد أغلبيته المطلقة بعد انتخابات 2024، فإنه لا يزال يمتلك كتلة مؤثرة داخل البرلمان، إضافة إلى استمرار دعم بعض شركائه في حكومة الوحدة الوطنية.
وأعلن التحالف الديمقراطي، الشريك الرئيسي في الائتلاف الحكومي، أنه سيشارك في لجنة التحقيق البرلمانية “من دون إصدار أحكام مسبقة”، في إشارة إلى أن لا يدعم إسقاط الرئيس لكنه يؤيد استمرار المسار الدستوري.
رد رامافوزا.. احترام القضاء ونفي المخالفات
من جهته، أكد رامافوزا احترامه الكامل لقرار المحكمة الدستورية، مشددًا على التزامه بالتعاون مع جميع الإجراءات القانونية والدستورية.
وقالت الرئاسة الجنوب أفريقية إن الرئيس “ليس فوق القانون”، وإنه سبق أن تعاون مع مختلف التحقيقات المتعلقة بالقضية.
كما يشير أنصار الرئيس إلى أن عدة مؤسسات رسمية، بينها النيابة العامة وهيئات رقابية ومالية، لم توجه إليه اتهامات جنائية مباشرة، فيما قررت النيابة عام 2024 عدم ملاحقته قضائيًا لعدم كفاية الأدلة.
تداعيات سياسية على مستقبل الحكم
أعادت القضية فتح الانقسامات داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وسط مخاوف من أن تؤثر الأزمة على استقرار حكومة الوحدة الوطنية وعلى أجندة الإصلاح الاقتصادي التي يقودها رامافوزا.
ويرى محللون أن استمرار الضغوط السياسية قد يضعف موقع الرئيس داخل الحزب، حتى إذا تمكن من النجاة برلمانيًا من العزل، خاصة مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بالاقتصاد والبطالة وأزمات الطاقة.
وفي المقابل، يعتبر مؤيدو رامافوزا أن استهدافه سياسي بالأساس، وأن خصومه يسعون لاستغلال القضية لإضعاف التيار الإصلاحي داخل الحزب الحاكم قبل أي استحقاقات انتخابية مقبلة.
وبينما تستعد لجنة العزل البرلمانية لبدء عملها خلال الفترة المقبلة، يبقى المشهد السياسي في جنوب أفريقيا مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء الأزمة داخل المؤسسات الدستورية، أو تحولها إلى واحدة من أخطر المواجهات السياسية التي عرفتها البلاد منذ نهاية حقبة الفصل العنصري.