من عباءة حسن البنا إلى رايات داعش والقاعدة..كيف تحولت أفكار جماعة الإخوان إلى البذرة الأخطر للتنظيمات المتطرفة؟..القصة الكاملة لتنظيم بدأ بالدعوة وانتهى بإنتاج أخطر البيئات الحاضنة للعنف والتطرف بالشرق الأوسط

الإثنين، 11 مايو 2026 02:00 م
من عباءة حسن البنا إلى رايات داعش والقاعدة..كيف تحولت أفكار جماعة الإخوان إلى البذرة الأخطر للتنظيمات المتطرفة؟..القصة الكاملة لتنظيم بدأ بالدعوة وانتهى بإنتاج أخطر البيئات الحاضنة للعنف والتطرف بالشرق الأوسط الاخوان

كتبت إسراء بدر

على مدار عقود طويلة، حاولت جماعة الإخوان الإرهابية أن تقدم نفسها باعتبارها "الجماعة الأم" للحركات الإسلامية المعتدلة، وأن تروج لصورة تنظيم دعوي يسعى للإصلاح عبر السياسة والعمل المجتمعي، لكن مع كل موجة عنف شهدتها المنطقة، كانت الأسئلة تعود من جديد، كيف خرجت كل هذه التنظيمات المتطرفة من رحم البيئة الفكرية نفسها؟ ولماذا تتكرر المفاهيم ذاتها، حتى وإن اختلفت الأسماء والشعارات؟

 

فبين جماعة رفعت شعار "الإسلام هو الحل"، وتنظيمات حملت السلاح ورفعت رايات الدم، تبدو الخيوط الفكرية أكثر وضوحًا مما تحاول الجماعة دائمًا إنكاره. فالكثير من الأفكار التي تبنتها التنظيمات الأكثر تطرفًا لم تولد فجأة، بل تشكلت تدريجيًا داخل مناخ طويل قائم على السمع والطاعة، وتقسيم المجتمع، واحتكار الحقيقة الدينية، وتصوير الصراع السياسي باعتباره معركة بين الإيمان والعداء للإسلام.

 

التنظيم الذي خلط الدعوة بالسياسة

منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا عام 1928، لم يكن المشروع مجرد دعوة دينية تقليدية، بل تنظيمًا سياسيًا مغلقًا يمتلك هيكلًا شديد الانضباط، يقوم على الولاء الكامل للقيادة، ويزرع في أتباعه فكرة أن الجماعة فوق الجميع، وأن الانتماء للتنظيم جزء من الانتماء للدين نفسه.

هذا الخلط بين الدعوي والسياسي خلق مع الوقت بيئة خصبة للتطرف، لأن أي خلاف سياسي مع الجماعة كان يتحول تلقائيًا في خطابها إلى صراع مع الإسلام، وهو ما فتح الباب أمام خطاب أكثر تشددًا يعتبر الخصوم أعداء للدين لا مجرد معارضين سياسيين.

 

من التنظيم الخاص إلى ثقافة العنف

ومع تأسيس "التنظيم الخاص"، الجناح السري المسلح داخل الجماعة، دخلت الإخوان مرحلة جديدة تجاوزت العمل السياسي التقليدي إلى منطق القوة والعنف. ولم يعد السلاح مجرد وسيلة دفاع كما حاولت الجماعة الترويج، بل تحول إلى أداة ضغط وصراع سياسي، ظهرت نتائجها في سلسلة من الاغتيالات وأعمال العنف التي شهدتها مصر في الأربعينيات.

اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي لم يكن مجرد حادث سياسي عابر، بل لحظة كشفت كيف يمكن لتنظيم يرفع شعارات دينية أن يبرر العنف حين يشعر أن مشروعه مهدد. ومن هنا بدأت أخطر نقطة في مسار الجماعة، وهي تحويل الصراع السياسي إلى معركة عقائدية.

 

سيد قطب.. البوابة الفكرية للتطرف

ورغم أن الجماعة حاولت لاحقًا تقديم نفسها بصورة أكثر اعتدالًا، فإن أفكار سيد قطب ظلت تمثل نقطة التحول الأخطر في تاريخ الإسلام السياسي الحديث.

فكتابات قطب، خاصة المتعلقة بالحاكمية والجاهلية، تحولت لاحقًا إلى مرجع أساسي لعدد كبير من التنظيمات المتطرفة، التي رأت في المجتمع "مجتمعًا جاهليًا" وفي الأنظمة السياسية كيانات خارجة عن الإسلام يجب مواجهتها بالقوة.

ومن رحم هذه الأفكار، خرجت تنظيمات أكثر تشددًا مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، اللذان أعادا إنتاج كثير من مفاهيم الإسلام السياسي بصورة أكثر دموية وعنفًا.

ورغم محاولات الإخوان المستمرة للفصل بينها وبين هذه التنظيمات، فإن كثيرًا من الباحثين والمنشقين عن الجماعة أكدوا أن الفارق كان في "درجة العنف" وليس في الجذور الفكرية الأساسية القائمة على احتكار الحقيقة وتقسيم العالم إلى معسكرين، معسكر الجماعة ومعسكر الأعداء.

 

الجماعة التي أنجبت الانقسام

الأزمة الكبرى في فكر الجماعة لم تكن فقط في العنف، بل في فكرة الاستعلاء التنظيمي، حيث يجري دائمًا تصوير أعضاء التنظيم باعتبارهم أصحاب المشروع الصحيح، مقابل مجتمع يحتاج إلى إعادة تشكيل وتصحيح.

هذا النوع من التفكير خلق بيئة نفسية خصبة لإنتاج التطرف، لأن التنظيم حين يقنع أتباعه أنهم وحدهم يمثلون الحق، يصبح الانتقال من العزلة الفكرية إلى العنف أمرًا ممكنًا لدى بعض العناصر الأكثر تشددًا.

ولهذا، لم يكن غريبًا أن تخرج من عباءة الإخوان على مدار العقود جماعات وتنظيمات أكثر تطرفًا، بعضها دخل في مواجهات مسلحة مباشرة، وبعضها تبنى الإرهاب العابر للحدود، بينما ظلت الجماعة الأم تحاول التبرؤ من النتائج رغم أن البذور الفكرية خرجت من داخل خطابها نفسه.

 

من السلاح إلى الفوضى الإلكترونية

ومع تغير الزمن، تغيرت الأدوات، لكن الفكرة بقيت واحدة. فبعد سقوط حكم الجماعة في مصر، انتقلت معارك الإخوان من الشارع إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تحولت اللجان الإلكترونية إلى سلاح رئيسي في نشر الشائعات والتحريض وضرب الثقة في مؤسسات الدولة.

والمثير للانتباه أن كثيرًا من هذه الحملات بات يتقاطع مع خطاب الحسابات الإسرائيلية الناطقة بالعربية، التي تستهدف بدورها نشر الفوضى والتشكيك داخل المجتمعات العربية. وفي أكثر من مناسبة، ظهرت حالة من الترويج المتبادل والتقاطع الواضح بين بعض المنصات الإخوانية وخطاب شخصيات إسرائيلية مثل إيدي كوهين، في مشهد يعكس كيف يمكن أن تلتقي المصالح عند هدف واحد وهو إنهاك الدولة الوطنية وإرباك الرأي العام العربي.

 

العالم يراجع الصورة

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت دول غربية عديدة إعادة النظر في طريقة التعامل مع الجماعة، بعدما أدركت أن التنظيم الذي يقدم نفسه باعتباره إسلامًا سياسيًا معتدلًا يملك تاريخًا طويلًا من التنظيمات السرية، والتحريض، وإنتاج البيئات الفكرية الحاضنة للتطرف.

وشهدت دول أوروبية نقاشات واسعة حول خطر جماعات الإسلام السياسي، فيما صدرت تحذيرات من مؤسسات أمنية وبرلمانية غربية بشأن محاولات اختراق المجتمعات تحت غطاء العمل الدعوي أو الحقوقي. كما أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب فتح الملف مجددًا، عبر الربط بين جماعات الإسلام السياسي والبيئات التي خرجت منها التنظيمات المتطرفة لاحقًا.

 

جماعة لم تتوقف عن إنتاج الأزمات

ولهذا، لم يعد كثيرون ينظرون إلى الإخوان باعتبارها مجرد جماعة سياسية تختلف مع الدولة، بل باعتبارها التنظيم الذي فتح الباب أمام أخطر موجات التطرف في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر إنتاج البيئة الفكرية التي خرجت منها جماعات العنف لاحقًا.

فالتاريخ الطويل للجماعة، بما يحمله من تنظيمات سرية، وتحالفات غامضة، وخطابات تحريضية، وصدامات دامية، جعل كثيرين يرون أن الإخوان لم يكونوا مجرد جماعة سياسية، بل مصنعًا ضخمًا لإعادة تدوير الأزمات والانقسام والتطرف تحت لافتة الدين والشعارات البراقة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة