تتجه الأنظار، الاثنين، إلى العاصمة الكينية نيروبي مع انطلاق القمة الأفريقية - الفرنسية “أفريقيا إلى الأمام” التي يشارك فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر وكينيا مرحلة جديدة من التقارب السياسي والاقتصادي، مدفوعة برغبة مشتركة في تعزيز التكامل داخل القارة الأفريقية، وتوسيع التعاون التجاري والاستثماري، إلى جانب تنسيق المواقف بشأن قضايا الأمن الإقليمي ومياه النيل والطاقة والبنية التحتية.
وتأتي مشاركة الرئيس السيسي في القمة وسط تحركات مصرية مكثفة لتعزيز حضورها داخل شرق أفريقيا، باعتبار كينيا إحدى القوى الاقتصادية الرئيسية في تجمع “الكوميسا” والسوق الأفريقية المشتركة، فضلاً عن كونها بوابة استراتيجية إلى أسواق شرق ووسط أفريقيا.
590 مليون دولار.. التبادل التجاري يواصل النمو في 2025
تكشف أحدث بيانات التجارة الدولية الصادرة عن قواعد بيانات التجارة العالمية أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وكينيا واصلت نموها خلال 2025، وسط توسع تدريجي في حركة الصادرات المصرية إلى السوق الكينية، وزيادة الاعتماد على اتفاقيات التجارة الأفريقية المشتركة.
وبحسب البيانات المحدثة، بلغت الصادرات المصرية إلى كينيا نحو 330.6 مليون دولار خلال 2025، مقارنة بحوالي 307 ملايين دولار في 2024، مدفوعة بارتفاع صادرات الحديد والصلب والأجهزة الكهربائية والمنتجات الصناعية والغذائية.
وتشير تقديرات تجارية مستندة إلى بيانات “كومتريد” واتجاهات التبادل بين البلدين إلى أن إجمالي حجم التبادل التجاري بين القاهرة ونيروبي اقترب من 590 مليون دولار خلال 2025، مع استمرار كينيا كأحد أهم الشركاء التجاريين لمصر داخل شرق أفريقيا وتجمع “الكوميسا”.
الحديد والأجهزة الكهربائية تقود الصادرات المصرية
وتضمنت أبرز الصادرات المصرية إلى كينيا خلال 2025:الحديد والصلب بقيمة تجاوزت 43 مليون دولار، الأجهزة والمعدات الكهربائية بنحو 34 مليون دولار، الورق ومنتجاته بأكثر من 33 مليون دولار، السكر والصناعات الغذائية، الآلات والمعدات الصناعية،
ومنتجات البلاستيك والكيماويات.
في المقابل، تواصل مصر استيراد الشاي والقهوة والمنتجات الزراعية والنباتات العطرية من كينيا، التي تُعد من أكبر منتجي الشاي في أفريقيا، وهو ما يجعل الميزان التجاري بين البلدين أقرب إلى نموذج “التكامل الاقتصادي” أكثر من المنافسة المباشرة.
شرق أفريقيا.. بوابة مصر إلى العمق الأفريقي
يرى مراقبون أن كينيا تمثل بالنسبة لمصر مركزاً محورياً داخل شرق أفريقيا، ليس فقط بسبب ثقلها الاقتصادي، وإنما أيضاً باعتبارها عقدة لوجستية تربط دول الإقليم بالمحيط الهندي والأسواق العالمية.
وفي المقابل، تسعى الشركات المصرية إلى التوسع داخل السوق الكينية عبر قطاعات:
البنية التحتية، الصناعات الدوائية، مواد البناء، الاتصالات، والخدمات المصرفية.
كما تعمل القاهرة على تعزيز نفاذ صادراتها إلى الأسواق الأفريقية عبر اتفاقيات التجارة الحرة، مستفيدة من عضويتها في “الكوميسا” واتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه أهمية التكامل الإقليمي داخل القارة، خاصة مع التحولات الاقتصادية العالمية والضغوط التي تواجه الاقتصادات الأفريقية نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
قضايا المياه والأمن.. ملفات لا تغيب
ورغم تنامي التعاون الاقتصادي، تبقى الملفات السياسية والأمنية حاضرة بقوة في العلاقات الثنائية، وعلى رأسها قضية الأمن المائي والتطورات المرتبطة بحوض النيل.
وتحرص القاهرة خلال السنوات الأخيرة على توسيع دائرة التفاهمات مع دول شرق أفريقيا، عبر آليات التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، في محاولة لبناء شراكات طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة والتنمية.
كما يتقاطع الدوران المصري والكيني في ملفات مكافحة الإرهاب، وتأمين البحر الأحمر، ودعم الاستقرار في القرن الأفريقي، وهي قضايا أصبحت أكثر إلحاحاً مع تصاعد التوترات الإقليمية والتحديات الأمنية في المنطقة.
"إفريقيا إلى الأمام".. قمة الاقتصاد والنفوذ
تحمل قمة “إفريقيا إلى الأمام” التي تنطلق في نيروبي أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تركز على ملفات: التصنيع الأخضر، التحول الطاقي، إصلاح النظام المالي العالمي، وتعزيز الاستثمار داخل القارة الأفريقية.
وتأتي مشاركة الرئيس السيسي في القمة ضمن تحركات مصرية أوسع لتعزيز الشراكات الأفريقية، خاصة في ظل سعي القاهرة إلى زيادة تجارتها البينية مع دول القارة، وتقوية حضورها داخل التكتلات الاقتصادية الإقليمية.
ويرى محللون أن العلاقات المصرية الكينية مرشحة لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع الاستثمارات، وتزايد الاهتمام بتطوير الممرات التجارية وسلاسل الإمداد داخل أفريقيا، بما يعكس تحوّل القارة إلى ساحة تنافس اقتصادي واستراتيجي متصاعد بين القوى الإقليمية والدولية.