يشهد إقليم النيل الأزرق ومناطق واسعة من دارفور تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، في ظل استمرار المواجهات بين الجيش السوداني وحلفائه من جهة، وقوات الدعم السريع المتحالفة مع الحركة الشعبية – شمال بقيادة جوزيف توكا من جهة أخرى، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة وتدهور متزايد في الأوضاع الإنسانية والأمنية بالمناطق الحدودية جنوب شرقي وغربي السودان.
ففي الوقت الذي أعلن فيه الجيش السوداني استعادة بلدة الكيلي الاستراتيجية بإقليم النيل الأزرق، تتواصل الاشتباكات في مناطق أخرى بالإقليم، وسط تحذيرات من هجمات جديدة في دارفور، ومخاوف متزايدة من اتساع رقعة الصراع وتأثيره المباشر على المدنيين والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
استعادة الكيلي.. تقدم ميداني للجيش
أعلن الجيش السوداني، السبت، استعادة السيطرة على بلدة الكيلي الواقعة قرب الحدود الإثيوبية، بعد معارك عنيفة خاضتها قوات الفرقة الرابعة مشاة مدعومة بقوات مساندة ضد تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية.
وقالت قيادة الفرقة الرابعة إن العمليات العسكرية أسفرت عن “تحرير المنطقة” وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة، فيما فرّ من تبقى منهم من محيط البلدة.
وشهدت مدينة الدمازين احتفالات شعبية عقب إعلان استعادة الكيلي، حيث خرج مئات المواطنين في مسيرات مؤيدة للجيش، بينما أكدت القيادة العسكرية استمرار العمليات بهدف “تطهير مناطق المسؤولية وتأمين الحدود”.
وتحظى الكيلي بأهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من الحدود الإثيوبية، وكانت قوات الدعم السريع قد سيطرت عليها في أواخر أبريل الماضي بعد مواجهات عنيفة مع الجيش.
نزوح جماعي وتدهور إنساني
في المقابل، أعلنت السلطات المحلية بمحافظة الكُرمك نزوح أكثر من 30 ألف شخص من قريتي دوكان وكرن كرن، عقب سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية على البلدتين الأسبوع الماضي.
وقال محافظ الكُرمك عبد العاطي محمد إن الهجمات المسلحة رافقتها أعمال نهب واسعة وتدمير لمخزون المنتجات الزراعية، إلى جانب تخريب المراكز الصحية ومصادر المياه، ما فاقم الأوضاع الإنسانية في المنطقة.
وأضاف أن التصعيد العسكري يأتي في وقت يستعد فيه السكان للموسم الزراعي مع اقتراب هطول الأمطار، محذرًا من تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي وسبل المعيشة في الإقليم.
وتشهد جبهة النيل الأزرق تصعيدًا مستمرًا منذ فبراير الماضي، مكّن تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية من السيطرة على مدينة الكُرمك وعدد من البلدات الحدودية، في وقت دفع فيه الجيش السوداني بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة، شملت قوات تابعة لـ”درع السودان” بقيادة أبو عاقلة كيكل.
مخاوف من توسع المواجهات في دارفور
وفي غرب البلاد، حذّرت المقاومة الشعبية من تحركات عسكرية وصفتها بـ”الواسعة” لقوات الدعم السريع استعدادًا لهجوم محتمل على منطقة الطينة الحدودية عبر ثلاثة محاور رئيسية.
وقال المتحدث باسم المقاومة الشعبية، أبوبكر أحمد إمام، إن قواتهم رصدت تعزيزات وتحركات مكثفة في مناطق بير مرقي وأبوليحا وكلبس، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تهدد بفرض واقع أمني جديد وزيادة حالة التوتر وسط السكان.
وأكد إمام أن قوات المقاومة رفعت حالة الاستعداد القصوى، بالتنسيق مع القوى الوطنية وأبناء المنطقة، مشددًا على أن حماية المدنيين والدفاع عن المناطق الحدودية يمثلان أولوية في ظل تصاعد التهديدات الأمنية.
كما دعا إلى توحيد الصف الوطني وتكثيف التدخلات الإنسانية لدعم النازحين والمتضررين، إلى جانب توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين تمهيدًا لمحاسبة المسؤولين عنها.
اتهامات متبادلة وتصعيد إقليمي
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتبادل فيه الأطراف السودانية والإقليمية الاتهامات بشأن دعم العمليات العسكرية. إذ تتهم الخرطوم إثيوبيا بتقديم دعم لوجستي لتحالف الحركة الشعبية والدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أديس أبابا مرارًا.
كما أعلنت الحكومة السودانية، الأسبوع الماضي، امتلاكها أدلة موثقة تشير إلى انطلاق طائرات مسيّرة من قاعدة بحر دار الجوية لتنفيذ هجمات استهدفت مواقع مدنية وعسكرية في عدد من الولايات السودانية، بينها النيل الأزرق والخرطوم والجزيرة وشمال كردفان.
ومع استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة الاشتباكات، تتزايد المخاوف من دخول مناطق جديدة في دائرة المواجهات، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد النازحين في ظل تراجع الخدمات الأساسية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.