تأتي القمة الأفريقية الفرنسية “أفريقيا إلى الأمام” في عاصمة كينيا نيروبي، لتضع ملف إصلاح النظام المالي العالمي في قلب النقاشات الإفريقية–الدولية، وسط تصاعد القناعة لدى قادة القارة بأن البنية الحالية لتقييم المخاطر وتوزيع التمويل الدولي لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي والسياسي لإفريقيا.
فبينما تتحمل دول القارة تكاليف اقتراض مرتفعة نتيجة تصنيفات ائتمانية تعتبرها “غير منصفة”، تتحرك القمة نحو إعادة صياغة آليات تسعير المخاطر، بما يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية أوسع وأكثر عدالة.
وتسعى الدول الإفريقية، بدعم من شركاء دوليين، إلى الدفع باتجاه نظام مالي عالمي أكثر توازنًا، يخفف من كلفة التمويل ويعزز فرص التنمية وخلق الوظائف، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإنشاء أدوات تصنيف ائتماني إفريقية بديلة تعيد رسم صورة المخاطر في القارة بعيدًا عن القوالب التقليدية.
إفريقيا تسعى لإعادة تعريف “مخاطر الاستثمار
قال وزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي إن القادة الأفارقة سيستخدمون القمة التي تستمر يومين مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لإطلاق دفعة جديدة تهدف إلى إعادة التفكير في كيفية تسعير المخاطر داخل القارة، بما يساهم في فتح تدفقات الاستثمار نحو قطاعات اقتصادية رئيسية.
وأضاف أن إفريقيا لطالما اعتُبرت منطقة عالية المخاطر، ما جعل الحكومات والشركات تواجه معدلات فائدة مرتفعة عند الاقتراض، مؤكدًا أن هذا الوضع يحتاج إلى مراجعة شاملة في الأسواق المالية العالمية، وفقا لما صرح به لموقع وكالة رويترز.
مشاركة دولية واسعة في قمة “أفريقيا إلى الأمام
تُعقد القمة بمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، وبحضور وفود من أكثر من 30 دولة إفريقية، إلى جانب قادة دول على رأسهم مصر، بوتسوانا وكوت ديفوار ونيجيريا والسنغال وزامبيا.
ويستضيف القمة الرئيس الكيني وليام روتو، بمشاركة الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي يرأس هذا العام اجتماعات مجموعة السبع بصفته الرئيس الدوري للمجموعة، حيث يسعى لتعزيز آليات تمويل القارة الإفريقية.
وتُعد هذه القمة الأولى التي تستضيفها فرنسا أو شركاؤها في دولة إفريقية ناطقة بالإنجليزية، ما يعكس تحولًا في نمط الشراكات التقليدية.
الجدل حول "تصنيف المخاطر" في إفريقيا
أوضح مودافادي أن مخاطر النزاعات غالبًا ما كانت تُستخدم كذريعة لتصنيف إفريقيا بشكل سلبي، ما أدى إلى رفع تكلفة الاقتراض وتقليل فرص الاستثمار.
وأضاف أن العالم يشهد نزاعات في مناطق أخرى، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة لكيفية قياس المخاطر في إفريقيا دون معايير مزدوجة.
ويؤكد القادة الأفارقة منذ سنوات أن وكالات التصنيف الائتماني العالمية، مثل S&P Global Ratings وMoody’s وFitch، تبالغ في تقدير مخاطر القارة، وهو ما تنفيه هذه المؤسسات، مؤكدة أن تقييماتها تعتمد على معايير موحدة وشفافة عالميًا.
اتجاه لإطلاق وكالة تصنيف ائتماني إفريقية
وفى سياق متصل، يدعم الاتحاد الإفريقي خطة لإنشاء وكالة تصنيف ائتماني قارية، يرى مؤيدوها أنها ستوفر تقييمًا أكثر واقعية للاقتصادات الإفريقية، وتقلل من الاعتماد على المؤسسات الدولية التقليدية.
ووصف وزير الخارجية الكيني هذه المبادرة بأنها “حاسمة” لمستقبل التمويل في القارة.
مؤسسات مالية دولية على طاولة الحوار
شهدت القمة مشاركة مؤسسات مالية دولية وإقليمية، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الإفريقي للتنمية، في خطوة تهدف إلى دعم إصلاح آليات التمويل.
وأكد مودافادي أن هذا الحوار من شأنه إنتاج أدوات تمويل أفضل، تساعد على خلق فرص عمل داخل القارة بدلًا من تصدير رأس المال إلى الخارج.
وتعكس قمة نيروبي تحركًا إفريقيًا متزايدًا نحو إعادة صياغة موقع القارة داخل النظام المالي العالمي، ليس فقط من خلال جذب الاستثمارات، بل أيضًا عبر محاولة تغيير الطريقة التي يُقاس بها "المخاطر" في خطوة قد تعيد رسم خريطة التمويل والتنمية في القارة خلال السنوات المقبلة.