هل تتخيل عزيزي القارئ أن اليوم الطبيعى في إسرائيل يعتمد على طلعات جوية ضد إيران أو جنوب لبنان، ثم العودة لانتظار صواريخ إيران؟، أو هل تتوقع أن إيران تركز يومها في ضرب الصواريخ ثم العودة للاعداد للموجة التالية؟، الحقيقة أن هذا كلام غير صحيح إطلاقا، فتفكير المؤسسات والدول يجعلها تعمل في كل اتجاه بهدف حصار الطرف الآخر، ففي الوقت الذى تقوم فيه إسرائيل باستنزاف الولايات المتحدة الأمريكية ودولا أخرى في جلب المساعدات اللانهائية، حتى لو لم تستخدمها، مستغلة حالة المظلومية المتجددة غربيا معها في ملئ مخازنها، والمخازن الجديدة أيضا، حتى يكون لديهم وفر في الأسلحة والذخيرة إذا رحل ترامب في أي وقت، ومن المتوقع أن إسرائيل تحاول فتح اتصالات دائمة بهدف تجفيف منابع الدعم للإيرانيين، ومتوقع جدا أنها تحاول في ذلك مع الصين وروسيا، في الجهة المقابلة أيضا من المؤكد أن إيران تقوم بمناورات استخبارية، وتجرى تواصلا خلف الغرف المغلقة، بهدف تأمين احتياجاتها العسكرية بشكل مستمر، وتطوير أدواتها للمواجهات المقبلة، ومواجهة التداخل الإسرائيلي في الصين وروسيا وغيرها!، وبالتالي فنحن أمام معارك أخرى خارج الميدان، وخارج جغرافية الدول ذات الاتصال بالحرب، وكل طرف فيهما يحاول كسب أكبر دعم ممكن، لتنفيذ تصوره في تلك الحرب.
وانطلاقا من نفس السياق، يبقى السؤال ماذا سيفعل ترامب في حال انتهاء المدة دون اتفاق جوهرى؟، الواقع يقول أنه في حال التوصل لمؤشرات واضحة، فسيقوم ترامب بمد المهلة يوما بعد يوم، ولو تم رفض مطالبه من إيران، وهى مطالب جوهرها الأساسى استسلام وفق وجهة النظر الإيرانية، ولن يوافقوا عليها، وحينها سيقوم ترامب بموجات مشتركة مع إسرائيل، وبالاتفاق مع دول أهخرى في محاولة للقيام بضربات ضد إيران بأكملها في موجات متتالية قد تتعدى الألف طلعة في ساعات معدودة، مستهدفا كسر الدولة نهائيا، خاصة أنه صرح أمس الاثنين بأن هناك إيرانيين يخاطبوه بضرور قصف بلادهم، وأنهم سيتحملون القصف مقابل كسر دولتهم" أو النظام كما قال"، وبالتالي فالسيناريو الثانى المأساوى، وهو سيناريو يعمل فيه ترامب تحت شعار " عليا وعلى أعدائى، وعلى أصدقائى أيضا"، لأن الضرر الكبير الذى سيقع، سيكون ضد كيان الاحتلال في المقام الأول، وضد الدول العربية الشقيقة أيضا، وترامب غير منشغل إطلاقا بالأضرار التي تقع على تلك الدول باستثناء إسرائيل، بل هو يحاول كسب أي أموال، واستعاضة كل ما صرفه، حتى لو جاء ذلك على حساب دول تتعرض للضرر بسبب مافعله في 28 فبراير، والتي نفذها مجبورا من نتنياهو.
يمكننى أيضا و بكل ثقة التأكيد على أن استهداف الدول العربية أمر مرفوض من الجميع بما فيهم إيران نفسها، ولا تتعجب في ذلك، فإيران رغم أنها دولة توسعية ولها مشروعها الذى أضر بالدول العربية، وهذا أمر معلن ولا يمكن نكرانه، لكنها في تلك الحرب وما قبلها حاولت كسب الشعوب والحكومات العربية في صفها، إلا أنها غرقت في خطأ كبير حينما استهدفت الدول العربية ومقدرات الشعوب، رغم تصورها بأنها تضرب المصالح الأمريكية، لكن المصالح الأمريكية أمر، ومقدرات الشعوب العربية الشقيقة أمر آخر، وقد اعتذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أكثر من مرة على ذلك، ووسط كل هذا الرفض من الجميع، فإن هناك اتجاها خبيثا للغاية، وهو الاتجاه الوحيد الذى يدعم ضرب الدول العربية، وهي إسرائيل، لأن نتنياهو يرغب بكل قوة أن تكون معركته هى معركة الجميع، محاولا الكسب من كافة الاتجاهات، وحتى لا تكون حربه بمفرده بمنطقه الإجرامى، وللحقيقة أن الدول العربية حتى هذه اللحظة، قامت بإدارة الأمر بتصور عظيم وحكيم للغاية، واعتمدت ضبط النفس في الدفاع عن مصالحها، وهى أمور يجب أن تنسب لقادتها ومؤسساتها بشكل واضح ومباشر، ولا يمكن بأي حال من الأحوال دعم أي اتجاه آخر، غير الاتجاه التي ترى فيه تلك الدول مصالحها وأمنها القومى، ووسائل حمايته.
وهناك سؤال آخر أيضا يسأله الجميع، وهو في حال تنفيذ ترامب لمخططه الجهنمي، فماهو الضرر المباشر الذى سيقع على المنطقة، والحقيقة أن الضربة في شكلها العام ستكون ضد إيران، لكن رد الفعل هو الذى سيحرق الجميع، فالإيرانيين حتى هذه اللحظة، وبالوصف الميدانى مهرة في امتصاص الضربات، ولديهم قدرات متعاظمة و ضخمة فى التضحية، وهى صفات تجعلهم يتعاملون بمنطق ثأري وانتقامى في كل تصرفاتهم، وقد شجعهم طول المعركة، على الثقة الكبيرة، كما أن سقوط الطائرات، وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، جعلتهم أكثر ثقة، وأكثر شجاعة، رغم أن ترامب ظن أنه زرع في قلوبهم الخوف، إلا أن هذا سياق لم يتحقق، وهو أمر يمكن رصده في تصريحات وأفعال الإيرانيين ، وبالتالي قسوة الضربة الأمريكية، سيقابلها قسوة أشد من المتبقين في النظام الإيراني، بالإضافة للعدد المهول من المتطوعين في إيران، والذي تعدى عددهم أكثر من 10 مليون إيرانى، وذلك مسار مرعب لأي قوة عسكرية في العالم.
وبالتالي نحن أمام 24 ساعة في غاية الأهمية للعالم، ولمنطقة الشرق الأوسط، وكل مستقبل العالم سيعتمد على ما سيفعله ترامب، وما هو الرد الإيراني العسكرى عليه!!.