مع تصاعد التوترات في إيران واستمرار الحرب في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 40% من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى أوروبا، بدأت الدول الأوروبية تتخذ خطوات عاجلة لضمان استقرار أسواق الطاقة وتأمين احتياجات المستهلكين والصناعات الحيوية، وتأتي هذه التحركات وسط مخاوف من ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وتراجع الإمدادات، ما قد يفاقم التضخم ويهدد الانتعاش الاقتصادي في القارة.
خطط ترشيد الطاقة
وفى ألمانيا ، أعادت الحكومة تفعيل خطط الترشيد التي كانت قد وضعتها خلال أزمات سابقة، بما في ذلك تخفيض استهلاك الطاقة في المبانى العامة وتشجيع المواطنين والصناعات على تقليل الاستهلاك. كما تدرس فرنسا تطبيق خفض مؤقت للإضاءة في الأماكن العامة وإرشادات لتقليل استهلاك الطاقة في القطاعات التجارية والصناعية، في محاولة للتخفيف من الضغط على شبكات الكهرباء.
خفض استهلاك الوقود
فى إيطاليا، يركز النقاش على خفض استهلاك الوقود وتحفيز استخدام مصادر الطاقة البديلة، بينما فرضت إسبانيا قيودًا إضافية على استهلاك الكهرباء والغاز، مع تحديد سقوف لأسعار الوقود لتجنب صدمات السوق المفاجئة، هذه الإجراءات الوطنية تأتي بالتوازي مع تنسيق أوروبي أوسع يهدف إلى مواجهة أزمة محتملة في الإمدادات والتقلبات الحادة في أسعار الطاقة، حسبما قالت صحيفة الكورييرى ديلا سيرا الإيطالية.
من جانبها، شددت إسبانيا القيود على استهلاك الطاقة، من خلال فرض حدود على استخدام التكييف والتدفئة في الأماكن العامة، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن بين استمرار النشاط الاقتصادي وتقليل الطلب على الطاقة، حسبما قالت صحيفة الباييس الإسبانية.
مجموعة السبع تبحث تدابير ضرورية
تتابع مجموعة السبع الوضع عن كثب، مؤكدين استعدادهم لاتخاذ "أي تدابير ضرورية" لضمان استقرار أسواق الطاقة، بما في ذلك الإفراج عن الاحتياطيات النفطية أو التنسيق لتخفيف التذبذبات في الأسعار.
ووفقًا للخبراء، فإن ارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات تتجاوز 115 دولارًا للبرميل يعيد إلى الأذهان أزمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، بينما تهدد اضطرابات الغاز الطبيعي بإعادة سيناريو أزمة 2022 التي فقد فيها الاتحاد الأوروبي حوالي 45% من وارداته الروسية فجأة.
أوروبا تعود للفحم
وتعمل المفوضية الأوروبية على تقييم شامل لمخزون الطاقة والإمدادات عبر القارة، كما دعت إلى تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة وإنشاء اتحاد للطاقة الأوروبي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى.
وأكد المفوض دان يورجنسن على ضرورة تحديث شبكات الكهرباء والبنى التحتية للطاقة لضمان تدفقات مستمرة للطاقة المتجددة وتجنب اختناقات محتملة، مع التركيز على تطوير الربط البيني بين الدول الأوروبية لتعزيز أمن الطاقة الجماعى.
في الوقت نفسه، بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل تنفيذ إجراءات وطنية عاجلة، فقد أعلنت بولندا فرض سقف على أسعار الوقود، في خطوة مماثلة لما فعلته المجر وكرواتيا في الأشهر الماضية. وتشير التحليلات إلى أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية المستهلكين وتجنب موجات تضخم حادة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للنفط والغاز.
وفي إطار القطاع الخاص، تعمل شركات الطاقة على إعادة تقييم خطط الإمدادات وتحديد مصادر بديلة للنفط والغاز، مع توقع ارتفاع تكاليف التشغيل والتوزيع، كما يعكف المطورون والمستثمرون على دراسة زيادة استثمارات الطاقة المتجددة، بما في ذلك مشاريع الرياح والطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى المستورد وتعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
ويشير الخبراء إلى أن التدابير الحالية قد تكون كافية لتجنب أزمة فورية، لكن أي تصعيد عسكري طويل الأمد في إيران قد يؤدي إلى اضطراب كامل في سلسلة الإمدادات العالمية، مع بقاء سلع حيوية مثل الأسمدة والوقود محاصرة أو محدودة، ما يؤثر على الاقتصاد الأوروبى بأكمله.
تؤكد هذه التطورات أن أوروبا تقف أمام اختبار حقيقي لأمن الطاقة، حيث يجمع التحليل بين الضغوط الداخلية والخارجية، وضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وطنية وإقليمية، إلى جانب تحفيز الانتقال إلى الطاقة المتجددة لتحقيق استقلال أكبر واستقرار طويل المدى في أسواق الطاقة.