إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي.. كندا وأوروبا يخرجان من عباءة الهيمنة الأمريكية.. الصين والهند والبرازيل تهدد سطو واشنطن.. منطقة تجارة حرة بـ670 مليون مستهلك واستيراد 49 ألف سيارة كهربائية تنهى نظام أحادية القطب

الإثنين، 06 أبريل 2026 12:42 م
إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي.. كندا وأوروبا يخرجان من عباءة الهيمنة الأمريكية.. الصين والهند والبرازيل تهدد سطو واشنطن.. منطقة تجارة حرة بـ670 مليون مستهلك واستيراد 49 ألف سيارة كهربائية تنهى نظام أحادية القطب

كتب أحمد عرفة أنفوجراف / أحمد جمال مرسي

<< تنوع الشراكات التجارية العالمية يقلل الاعتماد على الأسواق الأمريكية التقليدية

<< الاقتصادات الناشئة تعزز حضورها في التجارة الدولية

<< التحولات التجارية الجديدة تعزز التوجه نحو نظام اقتصادي عالمي متعدد الأقطاب

<< مختص بشئون أمريكا اللاتينية: الدول الأوروبية لم تعد تستطع الثقة بالاقتصاد الأمريكي

<< خبير بريطاني: العالم سيشهد التكتلات الحمائية الإقليمية وستُستبعد منها الولايات المتحدة تدريجيا

<< عضو بالحزب الجمهوري الأمريكي: أوروبا وكندا لن ينفصلان عن واشنطن

<< استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات الطاقة النظيفة تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي

<< محلل سياسي أردني: الغرب الأطلسي لم يعد كتلة صماء ولم يتحول إلى فضاء مفكك

<< محلل سياسي صيني: تحسن ملحوظ في العلاقات بين بكين وعدد من الدول الأوروبية

<< خبير سياسي مغربي: الأقطاب الصاعدة تنطلق من لغة المصالح المشتركة والبراغماتية السياسية

 

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة تحولات جوهرية تعيد رسم خريطة النفوذ والتوازنات الاستراتيجية على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، فبعد عقود من الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة على مفاصل السياسة والاقتصاد العالميين، بدأت ملامح نظام أكثر تعددية في التشكل، مدفوعا بتغيرات عميقة في بنية الاقتصاد العالمي، وصعود قوى ناشئة تمتلك أدوات تأثير متنامية، إلى جانب إعادة تموضع تقليدية لحلفاء واشنطن أنفسهم في ضوء حسابات المصالح الوطنية المتغيرة.

برزت تحركات لافتة من عدد من دول الاتحاد الأوروبي وكندا باتجاه تنويع شراكاتها الاستراتيجية والاقتصادية، عبر إبرام اتفاقيات تعاون وتبادل تجاري واستثماري مع قوى كبرى مثل الصين والبرازيل، هذه الخطوات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد ترتيبات اقتصادية عابرة، بل تعكس توجها أعمق نحو تقليل الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة، وبحثا عن هوامش أوسع من الاستقلالية في صنع القرار السياسي والاقتصادي.

كان التحالف عبر الأطلسي لعقود ركيزة أساسية في النظام الدولي الذي قادته واشنطن، إلا أن التحديات المتراكمة  من الحروب التجارية إلى الخلافات حول قضايا المناخ والطاقة والدفاع، مرورا بإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي الأمريكي، دفعت العديد من العواصم الغربية إلى إعادة تقييم طبيعة علاقتها بالقوة المهيمنة، ومع تنامي الدور الاقتصادي للصين، وصعود البرازيل كلاعب إقليمي ودولي فاعل في إطار تكتلات الجنوب العالمي، باتت الخيارات أمام الدول الأوروبية وكندا أكثر تنوعا، وأقل ارتباطا بمحور واحد.

كما أن التحولات في سلاسل الإمداد العالمية، والأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم - من جائحة كورونا إلى اضطرابات الطاقة والغذاء - كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على شريك واحد، وأبرزت أهمية بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، ومن هنا، يمكن فهم الاتفاقيات الجديدة بوصفها جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع المخاطر وتعزيز القدرة التفاوضية لتلك الدول في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.

ما يجري اليوم لا يمثل قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس بداية انتقال تدريجي من نظام أحادي القطبية إلى مشهد دولي أكثر تعقيدا وتعددا، تتقاطع فيه المصالح وتتداخل التحالفات وفق منطق براغماتي تحكمه اعتبارات الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا، بل إنها لحظة إعادة تموضع تاريخية، تفتح الباب أمام أسئلة كبرى حول مستقبل القيادة العالمية، وحدود النفوذ الأمريكي، وطبيعة التوازنات التي ستشكل ملامح النظام الدولي في العقود المقبلة.

في بداية عام 2026، شهد العالم سلسلة تحولات مهمة في السياسة التجارية والاقتصادية الدولية، تعكس تحركات من دول كبرى لإعادة رسم قواعد التجارة العالمية بعيدًا عن المركزية التقليدية للنظام المالي الغربي، وعلى رأسه السيطرة الأمريكية عبر الدولار ونظام البنوك الأمريكية ونظام التحويل المالي الدولي "سويفت".

في فبراير 2026 أعلنت الصين أنها ستخفض أو تلغي تعريفات جمركية إضافية على عدد من السلع المستوردة من كندا اعتبارا من 1 مارس حتى 31 ديسمبر 2026، وكانت أهم نقاط الاتفاق تعليق تعريفات إضافية كانت تُفرض على بعض البضائع، بما في ذلك زيت بذور اللفت والبازلاء ومنتجات بحرية كندية، جاء ذلك نتيجة مفاوضات ثنائية بين بكين وأوتاوا بهدف تهدئة توترات تجارية واستعادة التعاون الاقتصادي، وعكس رغبة الطرفين في تعزيز النمو التجاري الثنائي ومعالجة النزاعات الجمركية بشكل توافقي.

وأشاد رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، قبلها وبالتحديد في 16 يناير بـشراكة استراتيجية جديدة مع الصين أثناء إجرائه محادثات في بكين مع الرئيس شي جين بينج ، حيث تعتبر أول زيارة يقوم بها زعيم كندي منذ ثماني سنوات، وقال حينها: "معا يمكننا البناء على أفضل ما كانت عليه هذه العلاقة في الماضي لخلق علاقة جديدة تتكيف مع الحقائق العالمية الجديدة".

كما أعلن أن كندا والصين توصلتا إلى اتفاق تجاري مبدئي يهدف إلى خفض الرسوم الجمركية، بما في ذلك التزام باستيراد 49 ألف سيارة كهربائية من الصين بأسعار تعريفية تفضيلية، موضحا أن المشاركة والتعاون سيشكلان أساس شراكتنا الاستراتيجية الجديدة، والزراعة والطاقة والتمويل توفر فرصا لتحقيق التقدم الفوري.

وانخرطت كل من كندا والصين في سنوات من المشاحنات الدبلوماسية بعد اعتقالات انتقامية لمواطني كل منهما وسلسلة من النزاعات التجارية المتبادلة، إلا أن رئيس وزراء كندا الذي جاء بعد جاستن ترودو، سعى إلى إعادة ضبط العلاقات كجزء من جهد أوسع لتقليل اعتماد أوتاوا على الولايات المتحدة، شريكها الاقتصادي الرئيسي، بعد أن رفع الرئيس دونالد ترامب الرسوم الجمركية على البضائع الكندية بشكل حاد.

أبرز بنود الاتفاق بين كندا والصين
أبرز بنود الاتفاق بين كندا والصين

يحسب صحيفة الجارديان البريطانية، جاءت زيارة كارني نتيجة حسابات دبلوماسية دقيقة، على توتر الحرب التجارية بين كندا والولايات المتحدة والحاجة المُلحة لتوسيع الصادرات لتعويض الضغط الاقتصادي المتزايد من جارتها وأكبر شريك تجاري لها، خاصة أن الزيارة شهدت توقيع الجانبين اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النظيفة والوقود الأحفوري، مما أدى إلى إعادة فتح المحادثات على المستوى الوزاري التي أفادت التقارير أنها كانت مجمدة لما يقرب من عقد من الزمان.

ومهد هذا الاتفاق الطريق أمام كندا لاستيراد المزيد من تكنولوجيا الطاقة النظيفة من الصين، وعزز احتمالية زيادة صادرات كندا من الوقود الأحفوري إلى السوق الصينية، وذلك في إطار مساعي كارني لمضاعفة الصادرات غير الأمريكية، خاصة أنه في عام 2024، لم تتجاوز نسبة صادرات كندا من النفط الخام إلى الصين 2%.

جانب من تقرير الجارديان
جانب من تقرير الجارديان

جاءت هذه الخطوة بعدما تضررت كندا - وهي الحليف القوي للولايات المتحدة - بشدة جراء الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها ترامب على الصلب والألومنيوم والمركبات والأخشاب، وفي أكتوبر الماضي، أكد كارني أن على كندا مضاعفة صادراتها من خارج واشنطن بحلول عام 2035.

رغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية أكبر أسواق كندا بفارق شاسع، إذ تستحوذ على نحو 75% من وارداتها من السلع الكندية في عام 2024، وفقا للإحصاءات الحكومية، وفي حين أكدت أوتاوا أن الصين ثاني أكبر أسواق كندا، إلا أنها تتخلف عنها بفارق كبير، إذ لا تتجاوز وارداتها من الصادرات الكندية 4% في عام 2024.

ويقول عمرو حسين، الخبير في الشئون الدولية، إن توقيع اتفاق شراكة بين كندا والصين خلال الشهور الماضية يحمل دلالات استراتيجية عميقة، خاصة إذا ما وضعناه في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، موضحا أن الأمر لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اتفاق اقتصادي عابر، بل مؤشرا على إعادة تموضع بعض حلفاء واشنطن التقليديين في ضوء المتغيرات الدولية.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن كندا تعد من أقرب الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، سواء عبر اتفاقيات الدفاع المشترك، أو من خلال عضوية حلف الناتو، أو عبر التكامل الاقتصادي العميق بين البلدين، وانفتاحها المتزايد على الصين يعكس إدراكا براجماتيا لدى أوتاوا بأن المصالح الاقتصادية لم تعد حكرا على محور واحد، وأن تنويع الشراكات أصبح ضرورة استراتيجية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.

"الصين خلال العقد الأخير انتهجت سياسة توسع اقتصادي هادئة لكنها فعالة، قائمة على جذب الشركاء عبر أدوات الاستثمار، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والبنية التحتية"، هكذا يصف عمرو حسين سياسة بكين الجديدة، مشيرا إلى أن التنين الصيني لا يسعى بالضرورة إلى انتزاع الحلفاء عسكريا من واشنطن، بقدر ما يعمل على خلق شبكة مصالح متشابكة تجعل من الصعب على هذه الدول الاصطفاف الكامل خلف سياسات أمريكية تصادمية تجاهها.

ويؤكد أن ما يحدث لا يعني بالضرورة أن كندا تنقلب على الولايات المتحدة، بل يعكس حالة من التوازن الدقيق بين الالتزام الأمني بواشنطن والانفتاح الاقتصادي على بكين، خاصة أن الدول الكبرى والمتوسطة باتت تدرك أن المنافسة الأمريكية الصينية قد تطول، ومن غير الحكمة رهن مستقبلها الاقتصادي بطرف واحد.

وفيما يتعلق بتأثير ذلك على الإدارة الأمريكية، يوضح أن واشنطن تنظر بقلق متزايد إلى أي تقارب بين حلفائها والصين، خاصة في القطاعات الحساسة مثل التكنولوجيا والطاقة والمعادن النادرة، مضيفا أن هذا القلق قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى تشديد الضغوط السياسية والاقتصادية على حلفائها، أو إلى إعادة صياغة تحالفاتها التجارية بطريقة أكثر جاذبية لمنع تسربهم نحو بكين.

رسم بياني يوضح مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني
رسم بياني يوضح مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني

أما عن دور سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دفع حلفاء واشنطن إلى الاتجاه نحو بكين، فيقول إن سياسة "أمريكا أولا" وما رافقها من فرض رسوم جمركية، وخلافات تجارية مع الحلفاء، وإعادة التفاوض على اتفاقيات كبرى مثل "نافتا"، خلقت حالة من التوتر وعدم اليقين لدى بعض الشركاء التقليديين، وهذه السياسات دفعت عددًا من الدول إلى البحث عن بدائل وأسواق جديدة تحسبا لأي تقلبات في الموقف الأمريكي.

مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني
مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني

ويشير إلى أن الحرب التجارية التي أطلقها ترامب ضد الصين كان هدفها احتواء الصعود الصيني، لكنها في المقابل دفعت بكين إلى تكثيف جهودها لتعميق علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا وكندا ودول آسيا وأفريقيا، لافتا إلى أن سياسات الضغط القصوى ساهمت ولو بشكل غير مباشر في تسريع توجه بعض الحلفاء نحو تنويع علاقاتهم بعيدا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.

مقارنة بين اقتصاد واشنطن وبكين
مقارنة بين اقتصاد واشنطن وبكين

ويؤكد أن المشهد الدولي يتغير بوتيرة متسارعة، والولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر عالميا، لكنها لم تعد اللاعب الأوحد القادر على فرض خياراته على الجميع، موضحا أن ما نشهده ليس انتقالا جماعيا لحلفاء أمريكا إلى المعسكر الصيني، بل بروز نمط جديد من التحالفات المرنة التي تقوم على المصالح لا الأيديولوجيا، وفي ظل هذا الواقع، ستجد الإدارات الأمريكية المتعاقبة نفسها مضطرة إلى الموازنة بين احتواء الصين والحفاظ على تماسك تحالفاتها التقليدية، وهو تحد استراتيجي سيحدد شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة.

وتوصلت الصين وكندا إلى اتفاق واسع النطاق لخفض الحواجز التجارية، يشمل خفض الرسوم الجمركية على بذور اللفت "الكانولا" الكندية والسيارات الكهربائية الصينية، فيما يسعى البلدان إلى تحسين العلاقات وتنويع التجارة بعيدا عن الولايات المتحدة، وتسمح أوتاوا بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى سوقها برسوم جمركية تبلغ نحو 6%، مقارنة بمعدل 100% حاليا.

مقارنة بين الناتج المحلى والصادرات والواردات بين الولايات المتحدة والصين
مقارنة بين الناتج المحلى والصادرات والواردات بين الولايات المتحدة والصين

تقارب أوروبي برازيلي

كما شهدت نهاية عام 2025 وبداية 2026 خطوات ملموسة من دول البريكس نحو تخفيض الاعتماد على الدولار الأمريكي والبنوك الأمريكية في تسوية التجارة الدولية، وخاصة تجارة النفط، حيث طبقت البرازيل عمليات تجارة نفطية وتسويات تجارية بعملات محلية عبر آليات بديلة أتاحتها منصة BRICS Pay، ولم تُجر هذه المعاملات عبر البنوك الأمريكية أو نظام "سويفت" التقليدي، وتعد هذه الخطوة تحول غير مسبوق في المعاملات البترولية الدولية، وخطوة عملية نحو تقليل اعتماد الاقتصادات الكبرى على الدولار الأمريكي، ونقلت وكالة رويترز في 17 يناير  الماضي عن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا تأكيده أن تحالف ميركوسور والاتحاد الأوروبي سيصنعان التاريخ بإنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم.

تحولات النظام العالمي

ويؤكد الدكتور حسان الزين، الخبير المختص بشؤون أمريكا اللاتينية، أن النظام العالمي يشهد تغيرات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، تتمحور حول تراجع السيطرة الأمريكية التقليدية على أوروبا وأمريكا اللاتينية، وسط توجه الدول الكبرى لتبني سياسات أكثر تعددية ومرونة.

ويقول الزين في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من العاصمة البرازيلية ساوباولو إن الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية والعالم كله بدأ يخرج عن السيطرة الأمريكية من الناحية الاقتصادية، والتجربة الكندية واضحة في هذا الصدد، وتصريحات المسؤولين الكنديين تعكس بجلاء أن هذه التجربة هي الأكثر بروزا حتى الآن، بجانب التجربة البريطانية، والعلاقات البريطانية الصينية بدأت تتشكل في هذا الإطار بطريقة أو بأخرى، ما يعكس اتجاها لدى الأوروبيين نحو تنويع المسارات وعدم الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة.

ويوضح أن هذا التحرك ينبع من شعور الدول الأوروبية بأنها لم تعد تستطيع الثقة بالاقتصاد الأمريكي بالكامل، واصفا ذلك بأنه نوع من الاستقلالية أو رد على ما وصفه الأوروبيون بـ"الاستعباد الاقتصادي"، والتعامل الأوروبي مع قضية جرينلاند كان مؤشرا واضحا على رغبة أوروبا في تحدي النفوذ الأمريكي، بينما تصر واشنطن على اعتبار أوروبا جزءا من مصالحها الاستراتيجية فقط.

وحول أمريكا اللاتينية، يؤكد "الزين" أن الوضع يختلف، خاصة في الأنظمة المناهضة للسياسة الأمريكية، خاصة أن البرازيل تتبنى نهج تعددي الأطراف، بما يعكس اختلاف الديناميكيات في القارة مقارنة بأوروبا، متابعا: "نحن أمام نظام مالي واقتصادي وسياسي عالمي جديد بدأ يتشكل، خاصة في ظل التوترات الإقليمية مثل الحرب ضد إيران."

ويشير إلى أن هذا التحول انعكس أيضا على سياسات الطاقة العالمية، والهنديون بدأوا يشترون النفط من روسيا لتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة، التي تسعى للتحكم في مخزونات النفط العالمية، وهو ما ظهر بوضوح في فنزويلا، لافتا إلى أن النظام العالمي لم يعد أحادي السيطرة كما في العقود الماضية، وأوروبا وأمريكا اللاتينية وبقية القوى الاقتصادية الكبرى تعمل على تنويع شراكاتها المالية والسياسية، بما يعيد رسم خريطة النفوذ الدولي، ويحد من الاعتماد الكلي على الدولار الأمريكي ونظام الـ"سويفت" التقليدي.

تهديدات ترامب ونظام البازوكا الكبيرة

تأتى تلك التحالفات الأخيرة والتقارب الكندي الأوروبي مع الصين والبرازيل مع التوتر الأمريكي مع دول القارة العجوز بشأن عدة ملفات كان على رأسها أزمة جزيرة جرينلاند، بعدما أثار تهديد دونالد ترامب بفرض تعريفات استيراد أمريكية عقابية على ثماني دول أوروبية تعارض طموحاته في الجزيرة مخاوف من اندلاع حرب تجارية عبر الأطلسي شاملة.

وهدد ترامب بتطبيق تعريفة جمركية بنسبة 10٪ على جميع البضائع المشحونة إلى الولايات المتحدة من الدنمارك والنرويج والسويد والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا اعتبارا من 1 فبراير  الماضي ما لم تسمح له هذه الدول بالاستيلاء على جرينلاند، مما دفع قادة الاتحاد الأوروبي للتهديد بنشر أداة مكافحة الإكراه التابعة للكتلة والمعروفة على نطاق واسع باسم "البازوكا الكبيرة" والتي تم تصميمها لمنح دول القارة العجوز أدوات أكثر قوة للرد على التنمر السياسي والابتزاز التجاري من دولة أخرى.

ووفقا لما ذكرته مجلة نيوزويك الأمريكية، دخلت اتفاقية مكافحة الاحتكار حيز التنفيذ عام 2023، وكانت مستوحاة في الأصل من معاملة الصين لليتوانيا، حيث واجهت شركاتها سيلا من الإجراءات الورقية وحظر الاستيراد من بكين بعد أن عززت الدولة البلطيقية علاقاتها مع تايوان، ووضع الاتحاد الأوروبي آلية الردع هذه استجابة لمثل هذه المواقف، لكنه لم يتخيل قط أنها قد تطبق على الولايات المتحدة.

تقرير لنيوزويك حول الحرب الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا
تقرير لنيوزويك حول الحرب الاقتصادية بين أوروبا وأمريكا

وتتيح هذه الآلية للاتحاد الأوروبي فرض عقوبات تجارية شاملة، مثل استبعاد شركات الدولة المعتدية من سوقه الداخلية، وفرض ضوابط على الصادرات، أو إنهاء حماية الملكية الفكرية. وتهدف التدابير المضادة إلى أن تكون متناسبة مع الضرر الاقتصادي المُلحق، مع تقليل الأضرار التي تلحق بأوروبا إلى أدنى حد.

ويمكن للاتحاد الأوروبي بحسب الاتفاقية، استهداف أي شيء بدءا من شركات التكنولوجيا والعملات الرقمية الأمريكية، وصولا إلى شركات تصنيع الطائرات أو المنتجات الزراعية. لكن المستهلكين الأوروبيين قد يرفضون التكاليف الإضافية أو القيود المفروضة على الشركات الأمريكية.

ويؤكد نيكولاس ويليامز الخبير البريطاني، والمسؤول السابق في الناتو ووزارة الدفاع البريطانية، أن جميع حلفاء الولايات المتحدة يعملون تدريجيا وبهدوء، على تقليل اعتمادهم عليها، موضحا أن هذا لم يكن نتيجة قرار مدروس من الحكومات، بل في المقام الأول نتيجة لتعريفات ترامب الجمركية التي تسببت في حالة من عدم اليقين وتكاليف إضافية غير ضرورية في التعاملات التجارية مع الولايات المتحدة.

ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن هناك توجه نحو تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، حيث إنه على سبيل المثال، يعزز الأوروبيون صناعاتهم الدفاعية ويدعمونها، ويفضلون المعدات الأوروبية على الأمريكية، وعلى المدى المتوسط إلى الطويل، سيظهر ميل نحو التكتلات الحمائية الإقليمية، التي ستُستبعد منها الولايات المتحدة تدريجيا، وهذا لن يفيد الصين إلا على المدى المتوسط إلى الطويل.

فرنسا تتزعم التحركات

وحثت فرنسا، التي لطالما كانت أكبر داعم لقاذفة الصواريخ، حلفاءها الأوروبيين على النظر في استخدامها إذا مضى ترامب قدما في فرض تعريفات جمركية على جرينلاند، ووافق وزير المالية الألماني، لارس كلينجبايل، على اقتراحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بأن على الاتحاد الأوروبي النظر في استخدام هذه التدابير، لكن المستشار الألماني فريدريش ميرز اتخذ نبرة أكثر تصالحية من نائبه، مشيرا إلى اعتماد ألمانيا الأكبر على الصادرات، والتجربة أثبتت أن الرئيس الأمريكي منفتح على الإقناع.

تقرير الجارديان
تقرير الجارديان

وترددت الدول التي تولي أهمية بالغة للتجارة الحرة، مثل أيرلندا وهولندا، أو تلك التي يقودها سياسيون تربطهم علاقة وثيقة بترامب، مثل إيطاليا، في النظر في اتخاذ مثل هذه الإجراءات، أما الآن، فتركز معظم الدول الأعضاء على الحوار مع الولايات المتحدة، فيما أظهر اجتماع أزمة لكبار دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي عدم وجود أغلبية لاستخدام آلية مكافحة الاحتكار في الوقت الراهن.

وتشهد الفترة الراهنة تحولا ملموسا في اتجاهات السياسات الاقتصادية والتجارية لبعض الدول الكبرى، حيث بدأت كل من كندا وعدد من الدول الأوروبية في تعزيز علاقاتها مع الصين والبرازيل، متجهة بعيدا عن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة، ويأتي هذا التحول في سياق جملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي دفعت هذه الدول لإعادة النظر في تحالفاتها التجارية، من بينها التوترات التجارية المستمرة مع واشنطن، والضغوط المتعلقة بالسياسات الجمركية والرسوم على السلع الأساسية، بالإضافة إلى سعيها لضمان استقرار سلاسل الإمداد الخاصة بالطاقة والموارد الغذائية وسط حالة عدم اليقين الإقليمي والدولي.

وتقدم الصين وبرازيل، بدائل اقتصادية جذابة، سواء من خلال توفير شروط تجارية أكثر مرونة، أو عبر الابتكار في نظم التمويل والتجارة الدولية، بما يسمح لبعض الدول بالتحايل على القيود التقليدية المرتبطة بالاعتماد على الدولار الأمريكي والبنوك الأمريكية، ويعد هذا التوجه جزءا من استراتيجية أوسع تسعى فيها الدول الصاعدة لتقليل سيطرة الاقتصاد الأمريكي على الأسواق العالمية، وتعزيز شراكات متعددة الأطراف تحقق مصالح اقتصادية متبادلة وتخفف المخاطر الناتجة عن الأزمات الدولية.

كما أن التحول نحو الصين والبرازيل يكتسب أهمية إضافية في ظل الأزمات الإقليمية المتصاعدة التي تؤثر على أسواق الطاقة والغذاء، حيث توفر هذه الدول مصادر مستقرة وموثوقة للمواد الخام والسلع الاستراتيجية، وهو ما يمثل ضمانة حقيقية لدول كندا وأوروبا في مواجهة أي تقلبات أو انقطاعات محتملة، ويؤكد هذا التحول أن العالم يشهد مرحلة جديدة من تنويع العلاقات الاقتصادية والتجارية بعيدا عن الأحادية الأمريكية، بما يعكس تحولات عميقة في النظام الدولي وولادة أقطاب اقتصادية متعددة.

وتؤكد إيرينا تسوكرمان عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، أن بعض الدول الأوروبية وكندا لا يسعيان إلى الانفصال عن الولايات المتحدة، بل إلى تقليل المخاطر، لأنه على مدى عقود، كانت واشنطن شريكها الأمني الرئيسي وأكبر شريك اقتصادي لها، مما أدى إلى استقرارها، ولكنه خلق أيضا تبعية لها، واليوم، تتطلع الحكومات في أوتاوا وبرلين وباريس وغيرها من العواصم إلى مزيد من المرونة، ولخيارات أوسع في التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد، حتى لا يؤثر أي خلاف سياسي أو تغيير في السياسات في واشنطن على اقتصادها برمته.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التحركات الكندية والأوروبية الأخيرة تظهر هذا الأمر بوضوح، فانخراطهما مع البرازيل والصين، بما في ذلك استئناف التجارة الزراعية كصادرات الكانولا والمناقشات حول التعاون في مجال الطاقة النظيفة، يهدف إلى استقرار قطاعات حيوية من اقتصادها، حيث يعتمد المزارعون الكنديون اعتمادا كبيرا على المشترين الأجانب، وعندما أدت التوترات السياسية في الماضي إلى تعطيل الوصول إلى السوق الصينية، شعرت مقاطعات بأكملها بالضغط.

وتشير إلى أن استعادة هذا الوصول يوفر استقرارا في الدخل ويطمئن سكان المناطق الريفية، وفي الوقت نفسه، يمنح التعاون في مجال التكنولوجيا النظيفة الشركات الكندية أسواقا أوسع وإمكانية الوصول إلى نطاق تصنيعي لا تستطيع تحقيقه بمفردها محليا، مؤكدة أن هذا لا يعني أن كندا تتخلى عن الولايات المتحدة، فواشنطن لا تزال أكبر شريك تجاري لكندا بفارق كبير، ويرتبط اقتصادا البلدين ارتباطا وثيقا من خلال سلاسل التوريد المشتركة في قطاعات السيارات والطيران والطاقة والزراعة.

وتؤكد أن الحدود ليست مجرد خط على الخريطة، بل شريان اقتصادي حيوي، والتنويع الاقتصادي يهدف إلى إضافة شركاء جدد، لا استبدال الولايات المتحدة، ويعكس هذا حسابات مفادها أن توسيع الروابط الاقتصادية بين المناطق يجعل كندا أكثر مرونة في عالم تكثر فيه النزاعات التجارية والتغيرات السياسية.

ويعد إطلاق البازوكا ليس سريعا ولا سهلا ولم يتم القيام به من قبل، لذلك لا أحد يعرف مدى سرعته أو فعاليته، وبحسب المجلة الأمريكية، قد تستغرق المفوضية الأوروبية ما يصل إلى أربعة أشهر لتقييم ما إذا كان هناك إكراه، ثم يُمنح الدول الأعضاء ثمانية إلى عشرة أسابيع أخرى للموافقة على القرار أو رفضه،  وأي رد فعل انتقامي يتطلب أغلبية مرجحة من الدول الأعضاء وجولة أخرى من المفاوضات الأخيرة.

وبلغت القيمة الإجمالية لواردات الولايات المتحدة من الدول التي يستهدفها ترامب أكثر من 365 مليار دولار العام الماضي، أي ما يعادل نصف صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة تقريبا، وكانت ألمانيا أكبر صادرات بقيمة تزيد عن 160 مليار دولار، تليها المملكة المتحدة بقيمة 68 مليار دولار، ثم فرنسا بقيمة 60 مليار دولار.

وتشير تقديرات جولدمان ساكس إلى أن فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الدول الأوروبية المتضررة بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2% نتيجة انخفاض الصادرات، وستكون ألمانيا الأكثر تضرراً، حيث تصل نسبة الانخفاض إلى 0.3% في حال تطبيق تعريفة شاملة على جميع السلع، أما بالنسبة لمنطقة اليورو ككل، فستبلغ نسبة الانخفاض المتوقعة حوالي 0.1%، مع تأثير مماثل على المملكة المتحدة، لكن الولايات المتحدة لن تفلت من العواقب، إذ ستدفع الشركات والمستهلكون الأمريكيون ضرائب حدودية إضافية على الواردات الأمريكية، مما سيؤثر سلباً على النشاط والاستثمار، وربما يؤدي إلى زيادة التضخم.

وتؤكد إيرينا تسوكرمان، أن القادة الأوروبيون يتحدثون بصراحة أكبر عن الاستقلال الاستراتيجي، أي القدرة على اتخاذ القرارات دون الاعتماد المفرط على أي قوة خارجية، وبرز هذا الخطاب بشكل أكبر بعد الخلافات مع واشنطن حول الرسوم الجمركية، والضوابط التكنولوجية، وسياسة المناخ، وخلص صناع القرار الأوروبيون إلى أن حتى الحلفاء المقربين قد يختلفون اختلافا كبيرا في الأولويات، ونتيجة لذلك، بدأوا في تعزيز الاتفاقيات والشراكات التجارية خارج نطاق واشنطن.

وتتطرق إلى اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع كتلة ميركوسور، التي تضم البرازيل، حيث تركز بشكل كبير على التجارة الزراعية والسلع الصناعية والتعاون التنظيمي، موضحة أنه بالنسبة لأوروبا، تتيح هذه الاتفاقية الوصول إلى أسواق ومواد خام جديدة، أما بالنسبة للبرازيل وجيرانها، فهي توفر لهم الوصول إلى واحدة من أكبر أسواق المستهلكين في العالم، وتشير إلى جدية القارة العجوز في توسيع شبكتها الاقتصادية في أمريكا اللاتينية بدلا من التركيز بشكل شبه حصري على العلاقات عبر الأطلسي.

وتوضح أن اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور يحمل دلالة سياسية، حيث يُظهر رغبة أوروبا في صياغة قواعد التجارة العالمية بشكل مباشر بدلا من الاعتماد على أطر تهيمن عليها واشنطن، لافتة إلى أنه من خلال التفاوض على المعايير البيئية، وأحكام العمل، وجداول التعريفات الجمركية، دول القارة العجوز دورها كصانعة قواعد عالمية، مما يُرسخ هويتها كفاعلة جيوسياسية وليس مجرد سوق منحازة للقيادة الأمريكية.

وتتابع :"يُضاف إلى هذا التنويع بعد تكنولوجي، إذ تستثمر الدول الأوروبية بكثافة في إنتاج أشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، والصناعات الخضراء، كما تقيم شراكات مع دول آسيوية، من بينها كوريا الجنوبية واليابان، وتدير في بعض الحالات تعاملا حذرا مع الصين"، مشيرة إلى أن الهدف من ذلك هو الحد من مخاطر الاضطرابات التي قد تحدث عند تركز سلاسل التوريد في دولة أو منطقة واحدة، وقد كشفت الجائحة، وما تلاها من توترات جيوسياسية، عن مدى هشاشة شبكات التوريد المركزة.

وتوضح عضو حزب الجمهوري الأمريكي، أن السياسة الأمنية لا تزال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالولايات المتحدة من خلال حلف الناتو، ولا يزال الدفاع الأوروبي يعتمد اعتمادا كبيرا على القدرات الأمريكية، لا سيما في مجالات الاستخبارات والإمداد وأنظمة الأسلحة المتقدمة، ومع ذلك، حتى في مجال الدفاع، ثمة توجه نحو تعزيز القدرات الأوروبية، حيث تعمل الدول على زيادة ميزانيات الدفاع ودعم المشاريع الأوروبية المشتركة في مجال أنظمة الفضاء والصواريخ، ويعكس هذا رغبة في تعزيز القدرات الأوروبية داخل إطار الحلف لا خارجه.

وتشير إلى أن كندا والدول الأوروبية تستجيب لبيئة عالمية تتسم بتزايد التجزئة والتنافسية، وأدت الحروب التجارية والعقوبات وضوابط التصدير والاستقطاب السياسي في القوى الكبرى إلى زيادة حالة عدم اليقين، فيما تنظر الحكومات الآن إلى الترابط الاقتصادي ليس فقط كميزة، بل أيضاً كمصدر محتمل للضعف وأصبح التنويع أداة للأمن القومي بقدر ما هو أداة للنمو الاقتصادي.

وتؤكد أن هذا التطور لا يشير إلى نهاية العلاقات عبر الأطلسي، خاصة أن الولايات المتحدة لا تزال محورية للأمن والتمويل الغربيين، ولا يزال الدولار مهيمنا على المعاملات العالمية، وتواصل شركات التكنولوجيا الأمريكية تشكيل الأسواق العالمية، موضحة أن ما يتغير هو مستوى الارتياح للاعتماد على شريك مهيمن واحد، وتعمل الدول الأوروبية وكندا على بناء علاقات موازية لتمكينها من العمل بثقة ومرونة أكبر في ظل نظام دولي متغير.

توتر أوروبي أمريكي

الشهور الماضية شهدت توتر كبير في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وجارتها كندا والدول الأوروبية من ناحية أخرى، وهو ما ظهر في تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 13 فبراير، أن  أوروبا مستعدة لإظهار قوتها وهذا وقت ذلك، متابعا :"علينا كأوروبيين أن نخفض اعتمادنا على الآخرين ومن المنطقي أن نصنع منظومات دفاعنا، وعلى أوروبا أن تكون قوة جيوسياسية"، وأضاف حينها، أن أوروبا ستكون خير حليف لأمريكا ونحن نحترم الولايات المتحدة وعليها احترامنا.

تصريحات ماكرون تشير إلى أن هناك اتجاه أوروبي لتقليل الاعتماد على الحليف الأمريكي، وتنويع شراكات بما يخدم دول القارة العجوز، خاصة أن تصريحات الرئيس الفرنسي سبقها تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قبلها بثلاثة أيام، يقول فيها :"العالم القديم لم يعد موجودا، نحن نعيش حقبة جديدة من الجغرافيا السياسية تتطلب إعادة تقييم لدور الولايات المتحدة"، وهو ما يحمل دلالات حول أن واشنطن تعيد النظر في سياساتها تجاه حلفائها.

ويوضح مأمون العمرى المحلل السياسي الأردني، أن الاتفاقيات الاقتصادية الأوروبية مع الصين والبرازيل ليست إعلان انفصال عن واشنطن، بل تعبير عن وعي جديد بطبيعة المرحلة، خاصة أن الغرب الأطلسي لم يعد كتلة صماء، لكنه أيضا لم يتحول إلى فضاء مفكك.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" من عمان، أن ما نشهده بشأن السياسات الخارجية لدول القارة العجوز هو انتقال من أحادية أمريكية مريحة إلى تعددية قطبية حذرة، تحاول فيها أوروبا وكندا توسيع هامش المناورة دون كسر الإطار الاستراتيجي الذي يربطهما بالولايات المتحدة، وهو ما يمكن وصفه بلحظة إعادة توازن، لا لحظة قطيعة، وفي عالم يتشكل من جديد، قد يكون التنويع هو اللغة الأذكى للبقاء داخل التحالف، لا خارجه.

ويتابع :" لم يعد سؤال العلاقة بين أوروبا وأمريكا سؤال تحالف بديهي كما كان بعد الحرب الباردة، خاصة أن النظام الدولي الذي تكرس عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، بقيادة أمريكية شبه مطلقة، يتعرض اليوم لاختبار بنيوي مع صعود قوى كبرى على رأسها الصين، وعودة أدوار لقوى متوسطة طموحة مثل البرازيل، وفي قلب هذا التحول، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت الاتفاقيات الاقتصادية المتنامية بين أوروبا وكندا وهذه القوى الصاعدة تعني ابتعادا تدريجيا عن الولايات المتحدة، أم مجرد إعادة تموضع داخل المنظومة الغربية نفسها".

توتر أمريكي صيني

تنويع أوروبا وأوتاوا شراكاتهما وابتعادهما بشكل تدريجي عن الحليف الأمريكي أحديث توتر نشب بين واشنطن وبكين، وهو ما ذكره الرئيس دونالد ترامب صراحة في 26 يناير، عندما قال إن الصين تستولي بشكل كامل على كندا الدولة العظيمة سابقا ومن المحزن رؤية ذلك يحدث

بينما حذرت وزارة الخارجية الصينية في 14 فبراير، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بعد نشر فيديو تجنيد باللغة الصينية يستهدف أفراد الجيش الصيني عبر شبكة "تور"، موضحة أن بكين ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها القومي.

زيارة بريطانية لبكين

في 29 يناير أجرى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر زيارة دعا فيها إلى شراكة استراتيجية شاملة مع الصين خلال الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم، حيث قال حينها :"عقدت اجتماعا مثمرا مع الرئيس الصيني وأحدثنا تقدما في الملفات الاقتصادية، ومخرجات الاجتماع أظهرت انفتاحا على توسيع التعاون الاقتصادي، وأكدت قوة العلاقات بين لندن وبكين".

خلال الزيارة أيضا قال ستارمر إن الصين لاعب حيوي على الساحة العالمية، ومن الضروري أن نبني علاقة أكثر تطورا تتيح لنا استكشاف مجالات التعاون، وتسمح بحوار هادف حول المجالات التي نختلف فيها، وجاءت زيارته بعد زيارات زعماء دول حلفاء للولايات المتحدة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، ورئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو.

بحسب بيان وزارة الخارجية الصينية، حول الزيارة، فإنها أسفرت عن توقيع 12 وثيقة تعاون حكومية مشتركة، شملت مجالات التجارة، والاقتصاد، والزراعة، والغذاء، والثقافة، وتنظيم الأسواق، والتعاون الأمني، حيث وقعت بكين ولندن أربع وثائق للتعاون الاقتصادي والتجاري، ركزت على الآليات الثنائية وتجارة السلع والخدمات، وشملت الاتفاقيات الرئيسية مذكرة تفاهم بعنوان "سوق كبيرة للجميع.. التصدير إلى الصين"، لتكون المملكة المتحدة بذلك أول دولة توقع على هذه المبادرة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وبريطانيا في عام 2025 نحو 103.7 مليار دولار، كما وقعت مذكرة تفاهم لتعزيز دور اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين الصين وبريطانيا، باعتبارها منصة للحوار السياسي وتشجيع الاستثمار، في وقت بلغ فيه حجم الاستثمارات المتبادلة نحو 68 مليار دولار.

نتائج زيارة رئيس وزراء بريطانيا للصين
نتائج زيارة رئيس وزراء بريطانيا للصين

أسباب التقارب الصيني الأوروبي

وفي هذا السياق، يقول نادر رونج، المحلل السياسي الصيني، إن هناك تحسنا ملحوظا في العلاقات بين الصين وكندا وعدد من الدول الأوروبية خلال الفترة الأخيرة، موضحا أن الأشهر الماضية شهدت زيارات مكثفة لقادة دول أوروبية إلى بكين، في مؤشر واضح على رغبة متبادلة في تعزيز التعاون وتطوير الشراكات الثنائية.

ويضيف  في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من شنجهاي، أن الصين اتخذت خطوات عملية لتعزيز هذا التقارب، من بينها إعفاء مواطني عدد من الدول الأوروبية من تأشيرة الدخول، وهو ما يعكس رغبة بكين في تسهيل حركة الأفراد وتعميق التبادل الثقافي والاقتصادي، إلى جانب العمل على زيادة حجم التبادل التجاري والاستثماري مع هذه الدول.

ويؤكد أن هذا التطور الإيجابي في العلاقات لم يأت من فراغ، بل يعكس إدراكا أوروبيا متناميا بأن التعاون مع الصين لم يعد خيارا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة استراتيجية في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، وارتفاع معدلات التضخم، وتباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الغربية.

ويشير المحلل السياسي الصيني،  إلى أن العديد من الدول الأوروبية باتت تنظر إلى الصين كشريك اقتصادي رئيسي قادر على الإسهام في حل جزء من مشكلاتها الاقتصادية، سواء عبر الاستثمارات أو سلاسل الإمداد أو فتح الأسواق أمام المنتجات الأوروبية، موضحا أن بكين تطرح نموذجا يقوم على "الكسب المشترك والفوز المشترك"، بعيدا عن منطق الاستقطاب الحاد.

الهند تدخل على الخط

الانفتاح الأوروبي لم يتوقف عند حد الصين أو البرازيل، بل وصل أيضا للهند، ففي 27 يناير، وقعت نيودلهي والاتحاد الأوروبي مفاوضاتهما بشأن اتفاقية تجارة حرة، في خطوة استهدفت تخفيف آثار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، كما مهد الطريق أمام تجارة أكثر حرية في السلع والخدمات بين الطرفين اللذين يشكلان معا سوقا تضم نحو ملياري نسمة.

وبحسب ما نشر عن الاتفاقية، فقد تضمن الاتفاق إلغاء الرسوم الجمركية الهندية على 30 % من السلع المتداولة، وتحسين وصول شركات الاتحاد الأوروبي إلى الخدمات المالية والنقل البحري، وتخفيض الرسوم الجمركية على أكثر من 90 % من صادرات الاتحاد الأوروبي، بما يوفر للشركات نحو 4 مليارات يورو سنويا، و إلغاء كامل الرسوم الجمركية على معظم الواردات الصناعية من الاتحاد الأوروبي، بما يشمل الآلات والمعدات الكهربائية 44 %، والمواد الكيميائية حتى 22%، والمستحضرات الصيدلانية 11 %، وتخفيض الرسوم الجمركية الهندية على السيارات المستوردة من الاتحاد الأوروبي من 110 % إلى 10 % خلال خمس سنوات، ضمن حصة سنوية تبلغ 250 ألف سيارة، وتبسيط الإجراءات الجمركية وتعزيز حماية الملكية الفكرية.

كما شمل الاتفاق إلغاء الاتحاد الأوروبي جميع الرسوم الجمركية على 90 % من السلع الهندية عند بدء سريان الاتفاقية، مع تمديد الإعفاء ليشمل 93 % من السلع خلال سبع سنوات، وحصول 99.5 % من التجارة الثنائية على شكل من أشكال الإعفاء من الرسوم الجمركية، وانخفاض متوسط معدل الرسوم الجمركية في الاتحاد الأوروبي من 3.8 % إلى 0.1 %، وتخفيضات جزئية وحصص استيراد لنحو 6 % من السلع الهندية، واستثناء السيارات والمنتجات الزراعية من الإلغاء الكامل للرسوم الجمركية، وتخفيض الرسوم الجمركية على الصادرات الهندية الرئيسية إلى الاتحاد الأوروبي، بما يشمل المنتجات البحرية 26 %، والبلاستيك والمطاط 6.5 %، و والمواد الكيميائية 12.8% والجلود والأحذية 17 %.

نتائج مفاوضات اتفاقية تجارة حرة بين الهند والاتحاد الأوروبي
نتائج مفاوضات اتفاقية تجارة حرة بين الهند والاتحاد الأوروبي

تأثير الشراكات الجديدة على الهيمنة الأمريكية

ويؤكد المحلل السياسي المغربي رضوان جخا، أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة تظهر بوضوح توجه بعض الدول الأوروبية وكندا إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وتنويع شراكاتها الدولية، مشيرا إلى أمثلة مثل اتفاقية كندا مع الصين واتفاق البرازيل مع الاتحاد الأوروبي.

ويوضح جخا، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" من الرباط، أن الدول الكبرى تتعامل اليوم بمنطق البراجماتية الاقتصادية، حيث أصبح الاقتصاد عاملا رئيسيا في رسم التكتلات السياسية العالمية، وأن الصراع الأمريكي الصيني يظهر جليا في السياسات الدولية، خاصة مع تبلور قطبين رئيسيين الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج، والصين مع روسيا، إضافة إلى الأقطاب الصاعدة مثل الهند والبرازيل.

ويتابع: "ما نلاحظه اليوم هو تنويع بعض الدول الأوروبية والأمريكية الجنوبية لحلفائها، ومع ذلك تبقى الولايات المتحدة الأمريكية قطبا دوليا قويا ومؤثرا، كما تظهر ذلك سياسات الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، التي اعتمدت على القوة الاقتصادية والعسكرية لحل نزاعات دولية كالهند وباكستان، وكذلك الحرب الروسية-الأوكرانية"، مشيرا إلى أن ظهور أقطاب جديدة كالشراكة الكندية الصينية، والتي تجاوزت البرود الدبلوماسي للسنوات السابقة، يمثل مؤشرا على تحول في التوازنات التجارية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين كندا والصين أكثر من 75 مليار دولار، ما جعل الصين الشريك التجاري الثاني لكندا، وهو ما يأتي في سياق التوترات الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة.

ويوضح أن الشراكة البرازيلية مع الاتحاد الأوروبي لإنشاء أكبر منطقة تجارة حرة في العالم عبر ميركوسور، التي تضم أكثر من 670 مليون مستهلك، بالإضافة إلى الاتفاق التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي، تؤكد أن الأقطاب الصاعدة تنطلق من لغة المصالح المشتركة والبراغماتية السياسية، لافتا إلى أن رغم هذه التحولات، تبقى الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأساسي للدول الأوروبية وكندا، فهي القوة الأقوى وصانعة القرارات الجيو استراتيجية على المستوى الدولي، ولا يمكن لأي تكتل صاعد أن يحل مكانها في التأثير على السياسات العالمية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة