تذبل الذكريات بفعل التقادم، فننظر إلى الأهوال باستهانة لا تليق، كما أن اعتياد النعم ينسينا أيام الكرب، واعتياد الأمان يبعد عن خيالنا التهديد، وإن صاحب كل هذا قدر من عدم التدبر تصبح الأزمة أزمات، وهو ما ينذر بقابلية التكرار، لكن مع هذا يقدر الله في كل حين أن ينتبه أحد أبناء مصر إلى كل هذا فيعيد النظر فيما كان، ثم يجلس ويتدبر ليخرج الصور القديمة من صدأ الذاكرة، فيجلوها، ويذكرنا بما كان من اضطراب وعجف، وبين هذا وذاك يفحص مكان الداء ويتبين مكامن السوس في عود الوطن المكدود، وهذا ما فعله اللواء السابق محمد عبد المنعم شرباش في كتابه الاستثنائي "عفوًا أيها الدستور" الذي يمزج ما بين السياسة والتاريخ والقانون والحكمة، مستكشفًا ما فعلته جماعة الإخوان بليل، في "الدستور" عماد الحياة في الدول الحديثة.
ولعله من حسن الطالع أن أتناول هذا الكتاب بالقراءة في الوقت الذي كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يتناول نفس المفهوم، وهو أمر ليس بغريب عن أبناء الوطن الأصلاء، الذين يعرفون أن لشياطين الدول دروبًا مطروقة، لا تحيد عنها ولا تميل، ففي كلمة الرئيس الحكيمة أشار بأصبع الحق إلى السموم المدسوسة في حياتنا السياسية والاجتماعية، وفي هذا الكتاب تجلٍ لهذه السموم أسماءً وعناوين وأحداثًا وتواريخ، ولا يرجو هذا الكتاب ومن يناصر أفكاره سوى أن نحذف هذه الموبقات من خارطتنا الجينية، ليتخلص وجداننا الوطني من كل ما يشوش على بوصلة الوطن.
يحار الواحد وهو يتناول مثل هذه الكتب الغنية فيما يتناول وما يترك، فقد تتبع "شرباش" مكامن الداء من أصلها إلى فصلها، كما استفاد من روح الشاعر الكامنة فيه، ومن خبرة البحث الجنائي التي اكتسبها من عمله بوزارة الداخلية التي وهبها عمره وخبراته حتى وصل إلى منصب مساعد أول وزير، وعكف على تتبع الفعل والأثر حتى وصل إلى الأصل والجذر، فلم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا وأشار إليها مفندًا أصلها متتبعًا أثرها، فقبل الفصل التمهيدي ينتقل بنا عبر الزمن ليذكرنا ببعض التصريحات العرجاء التي أطلقتها الجماعة الإرهابية، وما بها من احتقار لمصر وللمصريين، وهو ما يتماشى مع أدبيات الجماعة الإرهابية المعتادة كقول مرشد الجماعة السابق للكاتب الصحفي الكبير سعيد شعيب "طظ في مصر" فيقول حسام الغرياني رئيس الجمعية الإخوانية للدستور إن "الكذب سمة المصريين وأن سمة المجرمين الكذب وأن الرجل يكذب على زوجته والزوجة تكذب على زوجها والزوجان يكذبان على الأطفال" كما يعرض عبثية التصويت في الجمعية التأسيسية فيورد نص خطاب الغرياني استفتاء على إحدى المواد "هذه المادة اعترض عليها 16، وإذا لم تحقق المادة الأغلبية المطلوبة، سنؤجل 48 ساعة...، سنعيد التصويت... بعد الكلام اللي قلته...، المعترض يرفع يده...، إذن 4 مش 16... موافقة" كما يستعرض نموذجًا من نماذج الكذب التي فُطرت عليها الجماعة فيورد نص حديث محمد البلتاجي الذي قال "أقسم بالله راجعنا منظومة الحريات في معظم دساتير العالم بما فيها الدساتير الأوروبية - فلم نجد أفضل من هذه النصوص"
أما في الفصل التمهيدي فيتناول الكاتب فكرة الدستور في حد ذاتها، وأثرها في مدينة الدول اعتمادًا على كتابات الفلاسفة والمفكرين المؤسسين، ثم إبرازه لفكرة العقد الاجتماعي وما يجب أن يكون عليه هذا العقد، ثم تناول "الكاتب" المبادئ المتبعة في اختيار الجمعيات الدستورية والتي يجوز لنا أن نقول إن الجماعة الإرهابية سارت عليها بالممحاة، شارحًا كيف تعلو المبادئ الدستورية على فكرة الجمعيات التأسيسية للدستور لأنها منشأة لها لا تابعة، ثم تناول باستفاضة ووعي فكرة استخدام الدين في السياسة وهو المحور الذي سنعود إليه لاحقًا، ثم تناول بعضًا من جرائم الجماعة الإرهابية في الدستور ومنها فكرة العزل السياسي، والهجوم على المحكمة الدستورية، وانتهاك الدستور للدستور، ثم أبرز شرباش ما بدستور الجماعة من تناقضات وأخطاء في مجالات متعددة منها، التناقض في تقرير مبدأ المساواة، والتناقض في القواعد المقررة لحق التقاضي، والتناقض والانتهاكات في تقرير مبدأ الفصل بين السلطات، والتناقض وانتهاكات مبدأ المشروعية، والتناقض الحسابي، خاتمًا بإبراز ما بهذا الدستور من عيوب وأخطاء سواء التعبيرات البلاغية أو الأخطاء اللفظية أو النحو والصرف.
نعود إلى الفصل الثاني من الكتاب وهو الفصل الذي أرى أنه العمود الأساسي لنقد أفكار الجماعات الإرهابية في كل زمان ومكان، وفيه يفند "شرباش" حجج الإخوان ومن ناصرهم في استخدام الدين الإسلامي بطرقهم الملتوية وأساليبهم البالية، وفي البداية يؤكد شرباش على أن تلك الجماعات غالبًا ما تستخدم الدين لإضفاء الشرعية والقدسية على أطماعهم السياسية وأغراضهم الوقحة، وفي هذا الاستخدام الجائر تسييس وتدنيس، فيقول عن النص القائل "الإسلام دين الدولة" هكذا استهلت المادة الثانية من الدستور بتلك العبارة التي قد تمر مرور الكرام على سامعيها ومردديها، غير أن المتأمل لها يقف شاخص العينين، فماذا تعني العبارة وما هو المقصود بدين الدولة؟ فالدولة كيان مكون من العناصر الثلاثة الإقليم، والشعب، والسلطة... كيف يكون لها دين؟ هل تعني أن الإسلام هو دين البحار، والجبال، والطرقات، والمنشآت... بما فيها من منازل، وكنائس، ومعابد، وحانات، وحتى أبنية المساجد نفسها هل يصح أن نقول إن دينها الإسلام؟! هل توجد منشأة مسلمة وأخرى مسيحية وثالثة كافرة؟!
ويؤكد شرباش في استعراضه لعبثية فكرة أن يكون للدولة دين أن هذه العبارة تسربت إلى دستور 1923 تلبية لرغبة الملك "فؤاد الأول" الذي كان يحلم وقتئذ أن ينال لقب خليفة المسلمين بعد سقوط الخلافة الإسلامية في الآستانة على يد "مصطفى كمال أتاتورك"، وقد زج الملك فؤاد عن طريق أنصاره بهذه المادة بدستور 1923 واعتبرها أساسًا ومنطلقًا إلى كرسي الخلافة، وأحاط نفسه بمجموعة من علماء السلطة، مستغلًا في ذلك دعم الاحتلال الإنجليزي لهذه الفكرة قائلًا إن إنجلترا كانت تأمل أن يحظى الملك فؤاد بمنصب "خليفة المسلمين" وترى في ذلك وفق حساباتها السياسية نفعًا كبيرًا لمصالحها تعلي من دورها بالمنطقة.
وفي تقصٍ دقيق لطريق التفرقة المذهبية التي أرادت الجماعة الإرهابية زرعها في دستور مصر يوضح الكاتب كيف أقصت الجماعة جميع الفرق والمذاهب الإسلامية وفق ما زعموا أنه مذهب أهل السنة والجماعة فيقول "فلم يكتف المشرع الدستوري بما اقترفه من أخطاء تحت مظلة تطبيق الشريعة الإسلامية - تلك التي نؤمن أن لها من الوسائل الدستورية الصحيحة ما يمكن أن يجعلها محل تطبيق بمفهوم العصر وبمقاصدها الحقيقية النبيلة - فبعد أن مارس المشرع سلطويته ونفيه للآخرين وقهره لهوياتهم على النحو السابق ذكره، وقسم المجتمع إلى مسلمين وغير مسلمين رغم أن جميعهم أطراف عقد اجتماعي واحد على قدم المساواة، راح ليأتي بنصوص تعزز الفرقة والانقسام لكن في هذه المرة بين المسلمين أنفسهم، ليصطفي منهم ما أسماهم بـ "أهل السنة والجماعة". فجاءت المادة (219) من الدستور تنص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة." فهذا وبنص الدستور الذي وضعته الجمعية التأسيسية وصوتت عليه جموع الشعب هو الإسلام الرسمي ولا حول ولا قوة إلا بالله"
وفي هذه الإشارة الموجزة الخطيرة يبرز شرباش ما كان يجب أن يكون عليه الدستور قائلًا إن "فإذا كانت أولى مهام المشرع الدستوري أن يقف على مسافة واحدة من كل أطراف العقد الاجتماعي، وإذا كان قد تجاوز في البداية حين نصب دينًا بعينه وأحال إليه في مجمله بصفته دينًا دون استظهار للقواعد أو النص عليها، فكيف له بعد ذلك أن ينصب من نفسه فقيهًا دينيًا يقرر انحيازه داخل هذا الدين إلى مذهب معين، يتبنى أفكارًا معينة ويقوم عليه أشخاص معينون، ففي ذلك مبالغة في النفي والإقصاء للآخر وترسيخ لانحياز غير مبرر ترفضه فكرة الدستور ذاتها، ولا يجوز للمشرع ممارستها حتى وإن وافق عليها غالبية المصوتين، إذ إننا في حالة تضاهي في القانون المدني حالة الاتفاق في العقد على ما يخالف النظام العام.
صدقوني أخطر حاجة تقابل أي أمة هي الجهل.. الجهل بأي شيء.. حتى لو كان الجهل بالدين، مش على قد أنك أنت يبقى معاك مشكلة مع الله سبحانه وتعالى، لا ده أنت هيبقى معاك مشكلة مع مجتمعك، بأنك أنت مش قادر تقدر الفرق الكبير أوي بين إسلامك كفرد بأنك تصلي وتصوم وتبقى راجل أو ست على خير وأنك أنت تقول إسلام مجموعة أو إسلام دولة.. إسلام الدولة ده حاجة تانية.. إسلام الدولة ده مفيش ناس كتير اتكلمت فيه، الدولة فيها ناس مسلمة ومش مسلمة وفيها ناس على خير وناس مش على خير وناس مؤمنة وناس مش مؤمنة، هل الدولة معمولة لحد لوحده.. الدولة معمولة لكل الناس حتى اللي مش مؤمنين، إذا كان ربنا سايبهم وبيرزقهم مبيعملهومش حاجة"
هذا نص حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكاديمية الشرطة، وهو حديث يبلغ مداه في درجة الوعي والصدق مع الذات، وقد أتى هذا الكتاب متزامنًا مع تصريحات السيد الرئيس ليؤكد على حكمته ورشاد حكمه، وهو كتاب في نظري غاية في الأهمية للمكتبة العربية بل لا غنى عنه لكل مكتبة فهو يتعدى فكرة الكتاب التنظيري القانوني برغم ما به من وجهة نظر قانونية ودستورية معتبرة، إلى كونه وثيقة تاريخية تثبت ما جرى من جرائم، وتحذر بحزم من تكرارها، وتدعو بثبات إلى اجتثاث جذورها.


