"من مضيق هرمز إلى شمال الأطلسي".. كيف كشفت حرب إيران حدود التحالف الغربي؟ أزمة ثقة غير مسبوقة بين واشنطن وأوروبا.. ضغوط المصالح الاقتصادية وهواجس الأمن وتصاعد الخطاب الصدامي لترامب اختبار لبقاء أو تفكيك الناتو

الأحد، 05 أبريل 2026 11:00 ص
"من مضيق هرمز إلى شمال الأطلسي".. كيف كشفت حرب إيران حدود التحالف الغربي؟ أزمة ثقة غير مسبوقة بين واشنطن وأوروبا.. ضغوط المصالح الاقتصادية وهواجس الأمن وتصاعد الخطاب الصدامي لترامب اختبار لبقاء أو تفكيك الناتو الناتو وترامب والولايات المتحدة

كتب أحمد عرفة - انفوجراف / أحمد جمال مرسي

<< ترامب يصف الناتو بالجبناء ويتوعد: "لن ننسى"

<< توم حرب: ضغوط على دول أوروبية لعدم المشاركة في الحرب

<< فرنسا ترفض المشاركة في حماية السفن بمضيق هرمز إلا بعد وقف الحرب

<< عضو بحزب الجمهوري الأمريكي: تصريحات ترامب ضد الناتو ليست زلة لسان بل رؤية تصادمية

<< ألمانيا ترفض المشاركة في التصعيد: ليست حربنا ولم نبدأها

<< مدير مركز بروكسل الدولي: الرئيس الأمريكي يسعى لتحويل الناتو لمؤسسة تابعة لواشنطن

<< إجمالي التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإيران نحو 4.6 مليار يورو سنويا

<< إيطاليا ترفض توسيع نطاق البعثات البحرية لمضيق هرمز

<< خبير بالشأن الإيراني: أوروبا تعيد النظر في علاقتها بواشنطن بعد الحرب ضد طهران

<< خبير بالعلاقات الدولية: واشنطن تسعى لإنشاء كيان عسكري مواز للناتو

 


عادت أزمة الناتو تحلق في الأفق من جديد، هذه المرة ليست بسبب جزيرة جرينلاند والتي يبدو أنها لم تعد ضمن أولويات الإدارة الأمريكية في الوقت الراهن، لكن جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لتزيد الأمور تعقيدا بين واشنطن وأوروبا، بعدما لم تنخرط الأخيرة بشكل واضح في دعم الرئيس دونالد ترامب خلال حربه، رغم دعته لهم بالتعاون في فتح مضيق هرمز الذي أغلقته طهران نتيجة استمرار الحرب وتصاعد تداعياتها.

في 17 مارس الماضي، خرج الرئيس الأمريكي لتصريحات هي من أخطر تصريحاته، منذ بدء حربه ضد طهران، عندما وصف تلك الحرب بأنها اختبار للناتو والذي اتهمه أنه ارتكب خطأ فادحا وغبيا للغاية، تصريحاته التي جاءت خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الأيرلندي ميشيل مارتن في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، كان لها صدى دوليا واسعا، خاصة بعدما أكد ترامب أن حلف شمال الأطلسي ارتكب خطأ وصفه غبيا جدا في تعاطيه مع الملف الإيراني، والتطورات الأخيرة شكلت اختبارا حقيقيا للحلف لم يجتزه بنجاح.

 

أبرز تصريجات ترامب ضد الناتو خلال الحرب على إيران
أبرز تصريجات ترامب ضد الناتو خلال حرب إيران

قبل الانخراط في التوتر القائم بين واشنطن والناتو، لا بد أن نعرج إلى مواقف دول أوروبا من الحرب منذ بدايتها، حيث أحدثت موجة واسعة من ردود الفعل داخل العواصم الأوروبية، فيما بدت المواقف متباينة لكنها اتفقت في جوهرها على القلق من تداعيات التصعيد العسكري على أمن واستقرار المنطقة والعالم.

اتسمت مواقف فرنسا وألمانيا بالتركيز على الحلول الدبلوماسية ورفض التصعيد العسكري، واعتبار اللجوء إلى القوة لن يؤدي إلا إلى توسيع رقعة الصراع، داعيتان إلى العودة الفورية إلى طاولة المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، معبرتان عن مخاوفهما من انهيار الجهود الدولية التي استمرت سنوات، بينما اتخذت المملكة المتحدة موقفا أكثر تعقيدا، حيث وجدت نفسها بين التزاماتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبين رغبتها في تفادي تداعيات التصعيد، لذلك ركزت لندن على خطاب مزدوج يجمع بين دعم أمن الحلفاء والدعوة في الوقت ذاته إلى ضبط النفس، مع التأكيد على أهمية حماية الملاحة الدولية في الممرات الحيوية، خاصة في ظل المخاوف من تهديدات محتملة لمضيق هرمز.

موقف الاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة

على مستوى الاتحاد الأوروبي، برزت محاولات لتوحيد الموقف العام، حيث صدرت بيانات تؤكد ضرورة خفض التصعيد وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، وأكد الاتحاد على لسان مسئوليه، أن استمرار العمليات العسكرية قد يهدد الأمن الأوروبي بشكل مباشر، سواء من خلال اضطراب إمدادات الطاقة أو من خلال احتمالات تدفق موجات جديدة من اللاجئين، محذرا من أن التصعيد قد يقوض الاتفاقات الدولية، وعلى رأسها الاتفاق النووي، ويضعف من فاعلية الدبلوماسية متعددة الأطراف.

وأبدت دول جنوب وشرق أوروبا وعلى رأسهم إيطاليا واليونان قلقا واضحا من التداعيات الاقتصادية للحرب، خاصة في ظل اعتمادها النسبي على استقرار أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، حيث تخشى هذه الدول من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وما يترتب عليه من ضغوط تضخمية وتباطؤ اقتصادي، إلى جانب التأثير المحتمل على قطاعات حيوية مثل السياحة والنقل البحري.

الهواجس الأمنية والاستراتيجية

لا تقتصر المخاوف الأوروبية على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى أبعاد أمنية أوسع، حيث تخشى العديد من الدول من أن يؤدي التصعيد إلى زيادة التوترات الإقليمية، وانتعاش الجماعات المتطرفة، وتفاقم الأزمات في مناطق النزاع المجاورة، كما أن أي اضطراب في الشرق الأوسط يُنظر إليه أوروبيا باعتباره تهديدا مباشرا للأمن الداخلي، نظرا للتداخل الجغرافي والسياسي بين المنطقتين.

في ضوء هذه التحديات، سعت الدول الأوروبية إلى لعب دور الوسيط أو الداعم لمسارات التهدئة، من خلال تكثيف الاتصالات الدبلوماسية والعمل عبر القنوات الدولية، حيث يعكس هذا التوجه قناعة راسخة لدى القارة العجوز بأن الحلول السياسية تظل الخيار الوحيد القادر على تجنب سيناريوهات الفوضى الشاملة، خاصة في ظل التعقيدات المتشابكة التي تحيط بالأزمة.

وكشفت ردود الفعل الأوروبية عن حالة من التوازن الدقيق بين الحفاظ على التحالفات الدولية وتجنب الانخراط في صراع مفتوح، فدول القارة العجوز يدركون أن أي تصعيد واسع بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون مجرد أزمة إقليمية، لكن تهديدا عالمًيا متعدد الأبعاد، وهو ما يدفعها إلى تبني خطاب عقلاني يميل إلى التهدئة، مع الاستعداد في الوقت ذاته للتعامل مع تداعيات قد تكون غير مسبوقة.

أزمة الولايات المتحدة مع حلف الناتو جاءت بعد إقدام إيران على غلق مضيق هرمز، وهو ما دفع ترامب للتأكيد خلال تصريحاته، أن بلاده لا تحتاج إلى أي مساعدة خارجية لتأمين الملاحة في المضيق، والقوات الأمريكية قادرة وحدها على ضمان أمن الممر المائي الاستراتيجي، رغم اعترافه بإمكانية وقوع أعمال تخريبية فردية كزرع الألغام.

الموقف الفرنسي

تصريحات ترامب جاءت في نفس اليوم الذي خرج فيه تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والذي حدد شروط باريس من أجل مرافقة السفن التي تعبر مضيف هرمز، عندما أكد أن بلاده مستعدة لتولي مسؤولية نظام مرافقة السفن في المضيق، لكن ذلك مرهون بتوقف الضربات العسكرية في المنطقة، موضحا أن أي مهمة لتأمين الملاحة تتطلب تنسيقا مع إيران، في إشارة إلى أهمية إشراك طهران في ترتيبات الأمن البحري.

مالك فرانسيس، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، يؤكد أن تصريحات ترامب ضد الناتو وأوروبا ليست زلة لسان، لكن تشير إلى صدام محتمل بين الولايات المتحدة وشمال الأطلسي في المستقبل القريب، خاصة أن ترامب لم يكف بانتقاد حلف، بل ذهب أبعد من ذلك، واصفا أداءه بـالخطأ الفادح في إيران، ومشككا صراحة في مستقبل هذه الشراكة.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" من واشنطن، إن هذه التصريحات لا يمكن اعتبارها مجرد زلة لسان أو موقف عابر، بل امتداد لرؤية سياسية صدامية تسعى إلى قلب قواعد النظام الدولي كما نعرفه، موضحا أن ترامب لا يخفي ضيقه من الناتو، وهو حلف قام على مبدأ التضامن الجماعي، وهو مبدأ لا ينسجم مع عقليته القائمة على الصفقات والربح والخسارة، وبالنسبة له، الحلفاء ليسوا شركاء، بل أطراف يجب أن تدفع ثمن الحماية، ومن هنا، فإن ضرب الثقة داخل شمال الأطلسي ليس تفصيلا، لكن خطوة مدروسة لإعادة صياغته أو ربما إضعافه تمهيدا لتجاوزه.

"دوائر قريبة من خطاب ترامب بدأت تتحدث عن  مجلس سلام الذي أسسه الرئيس الأمريكي، كإطار جديد يُطرح كبديل عن الأمم المتحدة والناتو معا، يقوم على تفاهمات بين الأعضاء بدل المؤسسات متعددة الأطراف"، هنا يشرح مالك فرانسيس خطورة تصريحات الرئيس الأمريكي، متابعا :"قد لا يكون هذا المشروع قد تبلور رسميا كمؤسسة قائمة، لكنه يعكس ذهنية واضحة وهي استبدال النظام الدولي القائم بمنظومة انتقائية تدار من فوق، لا من خلال الشرعية الدولية".

ويوضح أن هذا الاتجاه إذا صح نحوه، يعني عمليا نهاية فكرة التحالفات المستقرة، وبداية عصر الصفقات المؤقتة، حيث عالم تُدار فيه الأزمات عبر تفاهمات بين الأقوياء فقط، فيما تُترك الدول الأضعف لمصيرها، وبالتالي انتقال من النظام إلى الفوضى المنظمة، مؤكدا أن تفكيك الناتو، سواء بشكل مباشر أو عبر إفراغه من مضمونه، لن يكون حدثا عابرا، بل زلزالا جيوسياسيا لأن أوروبا ستجد نفسها مضطرة لإعادة التسلح وبناء منظومة دفاعية مستقلة، وروسيا والصين ستستفيدان من الفراغ، فيما ستتراجع قدرة الغرب على فرض توازن عالمي.

ويشير إلى أن تهميش الأمم المتحدة أو استبدالها بهياكل بديلة سيقوض ما تبقى من شرعية دولية جامعة، ويحول القانون الدولي إلى مجرد أداة بيد الأقوياء، لافتا إلى أن هناك مشروع سياسي واضح المعالم لدى ترامب وهو إعادة تشكيل العالم وفق منطق القوة لا الشراكة، والمصلحة لا المبادئ، قد لا يكون هذا التفكيك معلنا بشكل مباشر، لكنه يسير بخطوات ثابتة عبر ضرب الثقة، وتشويه المؤسسات، وطرح بدائل غامضة تحت عناوين براقة مثل السلام.

حضور بريطانيا مفاوضات أمريكا وإيران
حضور بريطانيا مفاوضات أمريكا وإيران

خيانة أمريكية لإيران بشهادة بريطانية

لعل أبرز أسباب رفض دول أوروبا المشاركة في هذا التصعيد الأمريكي، هو ما كشفته صحيفة الجارديان البريطانية، في 17 مارس، حول أن مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول ، حضر المحادثات النهائية بين الولايات المتحدة وإيران، ورأى أن العرض الذي قدمته طهران بشأن برنامجها النووي كان مهما بما يكفي لمنع التسرع في الحرب.

وذكرت الصحيفة البريطانية، أن مستشار الأمن القومي اعتقد أنه تم إحراز تقدم في جنيف في أواخر فبراير والاتفاق الذي اقترحته إيران كان مفاجئا، لكن بعد يومين من انتهاء المحادثات، وبعد الاتفاق على موعد لجولة أخرى من المحادثات الفنية في فيينا، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على طهران.

مسئول بريطاني يحضر مفاوضات واشنطن وطهران لوقف الحرب
مسئول بريطاني يحضر مفاوضات واشنطن وطهران لوقف الحرب

استثمارات أوروبية داخل إيران

معظم الدول الأوروبية ترى أن الدخول في حرب مع إيران قد يؤدي إلى تصعيد واسع في منطقة الشرق الأوسط، ما يهدد استقرار الطاقة والتجارة الدولية، وحرب مفتوحة قد تضر بممرات النفط العالمية وتزيد من توترات النزاعات الإقليمية، وهو أمر تسعى دول القارة العجوز لتجنبه.

كما أن بعض الدول الأوروبية لديها مصالح اقتصادية كبيرة مع إيران، خاصة في قطاعات الطاقة والتجارة، والمشاركة في حرب كانت ستضر بهذه العلاقات وتؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة، بما في ذلك عقوبات محتملة على الشركات الأوروبية.

وفي دراسة بعنوان " الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران.. الآفاق والتحديات" صدرت في 27 أبريل 2023، عن المعهد الدولى للدراسات الإيرانية، أكد أن فرص الاستثمار الأجنبي المباشر الجذابة تمركز في طهران إلى حدٍ بير في قطاع الطاقة، إذ تبدي السلطات الإيرانية اهتماما خاصا في جذب التقنية ذات المستوى العالمي، والمهنيين ذوي المهارات العالية، والاستثمارات واسعة النطاق في هذا القطاع، الذي تحرص شركات الطاقة الآسيوية والأوروبية العملاقة على الاستثمار فيه، وعندما رفعت واشنطن العقوبات في عام 2015، توجه الاستثمار الأجنبي المباشر الرئيسي خاصة من أوروبا نحو النفط الإيراني وقطاعات الغاز، فيما انصب تركيز الحكومة الإيرانية في السنوات الأخيرة نحو جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى هذا القطاع.

دراسة للمعهد الدولى للدراسات الإيرانية
دراسة للمعهد الدولى للدراسات الإيرانية

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن حجم الاستثمارات والتواجد الاقتصادي الأوروبي في إيران يظل محدودا نسبيا في السنوات الأخيرة مقارنة بفترات ما بعد الاتفاق النووي، وذلك بسبب العقوبات الأمريكية والتوترات السياسية، ووفقا للمفوضية الأوروبية، بلغ إجمالي التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإيران نحو 4.5 إلى 4.6 مليار يورو سنويا في 2024، مع هيمنة الصادرات الأوروبية التي تصل إلى نحو 3.7 مليار يورو مقابل واردات محدودة من إيران، وتتركز هذه العلاقات في قطاعات مثل الآلات والمعدات والمنتجات الطبية والكيماوية، بينما تراجعت الاستثمارات المباشرة بشكل واضح نتيجة القيود المالية وصعوبة التحويلات البنكية.

ورغم أن أوروبا كانت تاريخيا من أكبر المستثمرين في إيران، حيث ضخت نحو 10.9 مليار دولار في مشروعات مختلفة على مدى سنوات سابقة، فإن هذا الحضور تقلص بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ما يجعل الشركات الأوروبية في وضع انتظار لأي انفراجة سياسية قد تعيد فتح السوق الإيراني أمام استثمارات أوسع.

الحلول الدبلوماسية

كما تميل أوروبا إلى الاعتماد على الحلول الدبلوماسية وحماية الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، والانخراط العسكري المباشر يتعارض مع هذا التوجه ويعرض أوروبا لاتهامات بانتهاك القانون الدولي.

بالإضافة إلى كل هذا، فإن الحرب مع إيران قد تؤدي إلى موجات هجرة كبيرة من المنطقة، وهو ما يشكل ضغطا على الدول الأوروبية التي تحاول إدارة تدفقات اللاجئين بعناية بعد تجارب سابقة مع الحروب في العراق وسوريا.

وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في 14 مارس، أنه وفقا للتقديرات الأولية أن ما بين 600 ألف ومليون أسرة إيرانية نزحت مؤقتا داخل إيران نتيجة للنزاع الدائر، أي ما يعادل 3.2 مليون شخص مشيرة إلى أن معظمهم يفرون من طهران وغيرها من المدن الكبرى باتجاه شمال البلاد والمناطق الريفية بحثا عن الأمان ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم مع استمرار الأعمال العدائية، مما ينذر بتصعيد مقلق في الاحتياجات الإنسانية، ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز"، عن لوكاس جيركه رئيس مكتب المنظمة الدولية للهجرة تأكيده أنه لا مؤشرات حتى الآن على نزوح جماعي للاجئين من الشرق الأوسط إلى أوروبا فرارا من التصعيد الراهن.

أغلب الحكومات الأوروبية تواجه ضغوطا داخلية كبيرة من شعوبها التي تميل إلى معارضة أي صراع خارجي، لاسيما إذا كان بعيدا عن مصالحها المباشرة، وبالتالي المشاركة في حرب أمريكية على إيران قد تؤدي إلى خسائر انتخابية أو احتجاجات شعبية، كما أن أي تدخل أوروبي قد يجعل هذه الدول هدفا لهجمات انتقامية من طهران على أراضيها أو مصالحها في الخارج، سواء عبر الهجمات الإلكترونية أو العمليات العسكرية المحدودة.

قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو
قوة الجيوش المشاركة في حلف الناتو

تدخلات الناتو

لعل التدخل الوحيد من قبل الناتو في هذه الحرب، هو اعتراض عدة مرات صواريخ إيرانية صوبت نحو الأراضي التركية، وأعلنت تركيا في 18 مارس أن حلف شمال الأطلسي نشر بطارية صواريخ باتريوت إضافية في قاعدة إنجرليك جنوب البلاد، بعد تكرار اعتراض صواريخ أطلقتها طهران.

توتر بين ترامب وزعماء أوروبيين

الرئيس الأمريكي لم يكتف بالهجوم على الناتو، بل شن هجوما على زعماء أوروبيين بسبب تلك الحرب، وكان رئيس الوزراء البريطاني، من بين أهداف الرئيس الأمريكي، بعدما أكد الأخير، أنه يشعر بخيبة أمل تجاه كير ستارمر، وأن العلاقة مع المملكة المتحدة كانت جيدة قبل تولي زعيم حزب العمال منصبه.

جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي بعد أن قال ستارمر  في 16 مارس إنه بينما ستتخذ المملكة المتحدة الإجراءات اللازمة للدفاع عن أنفسها وحلفائها، فإنها لن تنجر إلى الحرب الأوسع، فيما ذكرت صحيفة الجارديان، أن الحكومة البريطانية لا يوجد لديها خطة لنشر سفن بريطانية في المضيق.

هجوم ترامب على الناتو
هجوم ترامب على ستارمر

وشكك عدد من حلفاء الولايات المتحدة في منطق ترامب المتغير وضرورة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ففي الأيام العادية، تعبر سفن تحمل نحو خمس إنتاج النفط العالمي مضيق هرمز، لكن طهران أعلنت أنها لن تسمح بشحن لتر واحد إلى أعدائها، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى ما يزيد عن 100 دولار للبرميل، وهدد بارتفاع حاد في التضخم على الاقتصاد العالمي.

ويشير توم حرب، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي ومدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية، إلى أن أوروبا تواجه ضغوطا داخلية كبيرة بسبب الدور السياسي المتنامي لما أسمه "الإسلام السياسي" في عدد من الدول، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، مشيرا إلى أن هذه الضغوطات تنسق بشكل غير مباشر مع النظام الإيراني، وتسعى لمنع دول القارة العجوز من المشاركة في الحرب الأمريكية على إيران، وهو ما سينعكس سلبا على التحالف ودور حلف الناتو في المنطقة.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، : "علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة ضحت بأكثر من 400 ألف قتيل لتحرير أوروبا من النازية خلال الحرب العالمية الثانية، واليوم، أين أوروبا ومصالحها في الشرق الأوسط؟ واشنطن تعتزم تغيير النظام في إيران ولعب دور محوري في قطاع النفط، وستتيح للشركات الأمريكية دخول السوق الإيرانية بشكل واسع، ومن سيبقى خارج هذا السوق هي الدول الأوروبية، من سيدفع الثمن لاحقا هم كذلك، لأنه لم ولن تُسمح لهم بالمشاركة في إعادة إعمار إيران".

ويشير مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية، إلى أن الدور الحالي الذي تلعبه الدول الأوروبية هو رفض المشاركة جزئيا في الحرب، وهذا تأثير يجب معالجته داخليا ضمن السياسات الأوروبية، وليس على عاتق الولايات المتحدة.

ترامب واتهاماته ضد الناتو

هجوم ترامب على الناتو لم يقتصر على التصريحات التي أطلقها خلال لقائه مع رئيس الوزراء الأيرلندي ميشيل مارتن، بل سبقها منشور على موقعه الرسمي "تروث سوشيال" قال فيه إن حلفاء الناتو أبلغوا الولايات المتحدة أنهم لا يرغبون في التدخل في الحرب مع إيران، على الرغم من أن جميع الدول تقريبا وافقت بشدة على ما نقوم به، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.

وأضاف ترامب: "لست متفاجئا من تصرفهم، لأنني لطالما اعتبرت حلف الناتو، الذي ننفق فيه مئات المليارات من الدولارات سنويا لحماية هذه الدول نفسها، طريقا ذا اتجاه واحد سنحميهم، لكنهم لن يفعلوا شيئا لنا، لا سيما في وقت الحاجة، ونظرا لنجاح الولايات المتحدة في العملية، لم تعد البلاد بحاجة إلى مساعدة دول الحلف أو ترغب بها، ولم نكن بحاجة إليها أبدا".

ونقلت شبكة إن بي سي نيوز عن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قوله في 16 مارس إن الصراع ليس حرب برلين، ولم نبدأها، فيما ذكرت مجلة نيوزويك الأمريكية، أن الدول التي فقدت جنودا يقاتلون إلى جانب أمريكا بشدة نفت ادعاء ترامب بأن دول الناتو لا تقدم شيئا لأمريكا، فيما رفض الحلفاء الأوروبيون المساعدة في كسر سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو ممر حيوي للنفط في الشرق الأوسط، وسط ارتفاع أسعار النفط العالمية.

حجم التسليح في الناتو
حجم التسليح في الناتو

ويقول الدكتور رمضان أبو جزر، مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، إن الرئيس الأمريكي منذ وصوله للبيت الأبيض في ولايته الثانية، كان يتعامل مع الناتو على أنه مؤسسة يجب إصلاحها أو أن تكون تابعة بالكامل للسياسات الأمريكية الخارجية والأمنية، موضحا أن هذا ليس الصدام الأول بين ترامب والدول الأعضاء في الحلف، حيث استطاع فرض شروطه على الدول الأعضاء عندما أجبرها العام الماضي على رفع الإنفاق الدفاعي من 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مبلغ كبير أثقل كاهل اقتصادات تلك الدول.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "في الحرب ضد إيران، كان ترامب يعتقد أنه يستطيع تحقيق النصر الحاسم في الأيام الأولى، ونجحت القوات الأمريكية بالفعل في توجيه ضربات مؤلمة للقوات الإيرانية، لكن مع استمرار الحرب طال أمدها، طالب الرئيس الأمريكي الدول الأعضاء بإرسال قطع بحرية لتأمين الممرات المائية، بحجة حماية مصالحها في المنطقة، ومع ذلك، لم يحصل على استجابة، حيث رفضت معظم الدول إرسال أي وحدات بحرية، ليس لافتقارها لموقف سياسي، بل لانعدام الثقة في ترامب، الذي لم يشرك هذه الدول في سياساته أو في تفاصيل الحرب على إيران".

ويوضح أن الدول الأوروبية أدانت إيران وإغلاقها للمضائق وقصفها لدول الخليج، لكنها لا ترغب في إرسال قوات لتكون تحت الإرادة الأمريكية مباشرة، كما تخشى أن يتم سحب القوات فجأة كما حدث في أوكرانيا، ما يقلل من مستوى الثقة بين الأعضاء في حلف الناتو، حتى مع بعض الدول التي أرسلت قطعا بحرية وطائرات، فهي لا تريد أن تكون أسيرة للقرارات الأمريكية دون تحقيق فوائد ملموسة.

ويشير مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث، إلى أن التاريخ يوضح الدافع وراء هذا الحذر الأوروبي، مستذكرا حرب الخليج الأولى، حين قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا لتحرير الكويت، لكن المستفيد الأكبر بعد انتهاء الحرب كانت الولايات المتحدة وحدها من العقود والصفقات.

ويتابع: "لا يمكن القول إننا أمام مؤشرات لتفكيك الحلف، فهو أكبر تحالف دفاعي، لكن السياسة الأمريكية في عهد ترامب تصطدم دائمًا مع قادة الحلف، إذ يعتاد الحلف على اتخاذ قرارات بالتنسيق والوصول إلى الإجماع، بينما الرئيس الأمريكي يتخذ قرارات منفردة ويضع الدول تحت الضغط".

ويوضح أن الكثير من الدول الأوروبية لم تعد مستعدة أو لا تملك القدرة على التحرك العسكري إلى جانب ترامب، لأن شعوبها باتت ترى في سياساته اعتداء على مصالح أوروبا وكرامتها، خاصة بعد مطالبته بدفع الأموال مقابل الحماية، وقراراته بشأن جرينلاند، وانسحابه من دعم أوكرانيا، وغيرها من القضايا التي أضعفت الثقة الأوروبية بالولايات المتحدة.

مجلة نيوزويك تتحدث عن توتر العلاقات بين ترامب والناتو
مجلة نيوزويك تتحدث عن توتر العلاقات بين ترامب والناتو

تاريخ الناتو

وتطرقت مجلة نيوزويك الأمريكية إلى تاريخ الناتو، حيث إن الحلف تحالف عسكري تأسس عام 1949 بهدف حماية الأمن القومي في جميع أنحاء المحيط الأطلسي، ويتألف من دول أوروبية وأمريكية شمالية، وتعد المادة الخامسة من عقيدة شمال الأطلسي أساسية في منظومة الدفاع، إذ تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يعتبر هجوما على جميع الدول الأعضاء.

وتنص المادة الخامسة على: "تتفق الأطراف على أن أي هجوم مسلح على دولة أو أكثر منها في أوروبا أو أمريكا الشمالية يعتبر هجوما عليها جميعا، وبالتالي تتفق على أنه في حال وقوع مثل هذا الهجوم المسلح، فإن كل دولة منها، بموجب حقها في الدفاع عن النفس فرديا أو جماعيا المعترف به في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، ستساعد الدولة أو الدول التي تعرضت للهجوم، وذلك باتخاذ الإجراءات اللازمة فورا، بشكل فردي وبالتنسيق مع الأطراف الأخرى، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لاستعادة الأمن في منطقة شمال الأطلسي والحفاظ عليه."

وبحسب المجلة الأمريكية، لم يفعل البند 51 من حلف الناتو إلا مرة واحدة عام 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، حين أرسل الحلف قوات لدعم الحملة الأمريكية في أفغانستان، وقد خسرت المملكة المتحدة والدنمارك أعدادا مماثلة من القوات نسبة إلى عدد السكان مقارنة بالولايات المتحدة، وقد انتقد ترامب شمال الأطلسي في بعض الأحيان، مجادلا بأن على الأعضاء الآخرين استثمار المزيد في الأمن القومي.

الناتو وحرب إيران

لا يشارك حلف الناتو بشكل مباشر في الحرب على إيران، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على إيران في 28 فبراير بعد فشل المحادثات بين البلدين بشأن برنامج إيران النووي، ولم تشارك إيران في تلك الضربات.

وسعى ترامب للضغط على حلفاء الحلف لمساعدة الولايات المتحدة في منع إيران من إغلاق مضيق هرمز، لكن أوروبا رفضت هذه الدعوات، كان أبرزها تصريحات نائب رئيس وزراء لوكسمبورج، كزافييه بيتل، الذي أكد أن بلاده لن ترضخ لابتزاز الرئيس الأمريكي، وأنها سعيدة بتقديم المساعدة، لكن لا تطلبوا منا ذلك بقوات وآلات.

وذكر وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، في 16 مارس، أنه في حين أن روما تؤيد تعزيز البعثات البحرية للاتحاد الأوروبي في البحر الأحمر، إلا أنها لا تعتقد أنه يمكن توسيع نطاق هذه البعثات لتشمل مضيق هرمز، ليرد ترامب بأنه طلب من نحو ست دول أخرى إرسال سفن حربية لإعادة فتح المضيق، متابعا: "نشجع بشدة الدول الأخرى التي تعتمد اقتصاداتها على المضيق أكثر بكثير من اقتصادنا، ونريدهم أن يأتوا ويساعدونا في حل المشكلة المضيق وهم اليابان والصين وكوريا الجنوبية وعدة دول أوروبية"، فيما ذكرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت،: "هذا أمر لم تتفق عليه الولايات المتحدة وحدها، بل العالم الغربي بأسره، منذ سنوات طويلة".

معلومات مهمة في حلف الناتو
معلومات مهمة في حلف الناتو

أوروبا ترفض الحرب وترى أنها لا تمثلها

هنا يؤكد الدكتور إبراهيم شير، المحلل السياسي في الشئون الإيرانية، أوروبا تعيش حالة من الضغوط والتعامل المتشدد منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، معتبرا أن الموقف الأوروبي الرافض للمشاركة في الحرب على إيران جاء ليؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها خوض مثل هذه الحرب دون حلفائها.

ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أوروبا تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها ليست حربها، بل حتى داخل الولايات المتحدة نفسها هناك من يرى أنها أقرب إلى كونها حرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وليست حربا أمريكية خالصة، وهو ما يفسر عدم استعداد الدول الأوروبية للانخراط فيها عسكريا.

ويضيف أن أوروبا لم تترك الولايات المتحدة وحدها، بل تركت واشنطن إلى جانب إسرائيل في مواجهة إيران، خاصة في ظل الطموحات الإسرائيلية المتزايدة للعب دور القوة الإقليمية الكبرى، مؤكدة أن واشنطن هي من بدأت بتهميش القارة العجوز في ملفات استراتيجية مهمة، وعلى رأسها الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث اتجهت الإدارة الأمريكية إلى التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون إشراك فعال للدول الأوروبية.

ويشير المحلل السياسي في الشئون الإيرانية، إلى أن هذا النهج دفع أوروبا إلى إعادة النظر في علاقتها مع واشنطن، قائلا: "كما تجاهلت الولايات المتحدة القارة العجوز في السابق، جاء الدور الآن على الأخيرة لتتخذ موقفا مستقلا من الحرب على إيران".

ويوضح أن التقديرات الأمريكية كانت تشير إلى إمكانية إنهاء المواجهة مع إيران خلال وقت قصير، وربما خلال أول 72 ساعة، إلا أن صمود طهران لأسابيع شكل مفاجأة كبيرة للإدارة الأمريكية وكذلك لإسرائيل، وأثبت النظام الإيراني أنه ليس طرفا سهلا يمكن حسمه سريعا، بل قادر على إطالة أمد الصراع وفرض واقع جديد على الأرض.

وفيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز، يؤكد إبراهيم شير، أن هذه الخطوة لم تكن متوقعة من جانب الولايات المتحدة، موضحا أن لجوء إيران إلى هذه الورقة الاستراتيجية أدى إلى تعقيد المشهد بشكل كبير، خاصة في ظل انعكاساته الاقتصادية.

ويوضح أن هذا القرار انعكس بشكل مباشر على الداخل الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وهو ما سيؤدي إلى تصاعد الضغوط الشعبية، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل أيضا في أوروبا، حيث سيتساءل المواطنون عن جدوى الدخول في حرب لم تُحسب نتائجها بشكل دقيق.

ويشدد على أن أسعار النفط لن تعود إلى مستوياتها الطبيعية سريعا حتى في حال انتهاء الحرب، لكن ستحتاج إلى أسابيع أو أشهر، ما يعني استمرار التأثيرات الاقتصادية لفترة طويلة، مؤكدا أن تداعيات هذه التصعيد سيؤثر على مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة إذا خرجت إيران دون أن تنهار، وهو ما قد يضعف من صورة واشنطن كقوة قادرة على حسم الصراعات، كما أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقاربا أكبر بين إيران ودول الجوار، وهذه التحولات تمثل أحد أبرز نتائج الحرب، وقد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوى بشكل ملحوظ.

حلف الناتو
حلف الناتو

هل يتفكك الناتو بعد حرب إيران؟

على المستوى الاستراتيجي، يظل الناتو أكبر وأقوى تحالف عسكري في العالم، قائما على مصالح أمنية عميقة ومتشابكة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، خاصة في ظل التحديات الجيوسياسية مثل التوتر مع روسيا وتصاعد النفوذ الصيني، هذه التهديدات تجعل من الصعب على الدول الأعضاء التخلي عن مظلة الحلف، حتى في ظل التوترات مع واشنطن.

ومع ذلك، تعكس تصريحات ترامب وجود أزمة ثقة متزايدة بين الطرفين، حيث ترى بعض الدول الأوروبية أن الإدارة الأمريكية تتخذ قرارات أحادية دون تنسيق، كما حدث في ملف الحرب مع إيران، وهو ما أضعف مبدأ "التشاور الجماعي" الذي يقوم عليه الحلف، في المقابل، تنظر واشنطن إلى تردد أوروبا في المشاركة العسكرية، خاصة في تأمين مضيق هرمز، باعتباره تقاعسا عن تقاسم الأعباء الدفاعية.

كما أن الضغوط السياسية الداخلية داخل الدول الأوروبية تلعب دورا مهما، إذ تواجه الحكومات صعوبة في دعم أي تحرك عسكري تقوده الولايات المتحدة دون غطاء دولي واضح، في ظل معارضة شعبية متزايدة للانخراط في صراعات خارجية، وهو ما يحد من مرونة هذه الدول داخل الحلف.

ورغم هذه التباينات، فإن السيناريو الأقرب ليس التفكك، بل إعادة تشكيل العلاقة داخل الناتو، بحيث تسعى أوروبا إلى قدر أكبر من الاستقلالية الدفاعية، دون الانفصال الكامل عن الولايات المتحدة، وقد يظهر ذلك في تعزيز مبادرات الدفاع الأوروبي المشترك، مع استمرار الاعتماد النسبي على القدرات العسكرية الأمريكية.

قوة كل دولة داخل حلف الناتو
قوة كل دولة داخل حلف الناتو

تصريحات ترامب تمثل ضغطا سياسيا أكثر منها مؤشرا فعليا على تفكك الحلف، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تحولات عميقة في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي، قد تدفع مستقبلا نحو توازن جديد داخل الناتو، بدلا من انهياره الكامل.

ويؤكد محمد حامد، الخبير في العلاقات الدولية، أن الحديث عن تفكيك حلف الناتو من قبل الولايات المتحدة يعد قديما متجددا، مشيرا إلى وجود تسريبات إعلامية وأمنية تتحدث عن توجهات أمريكية لإعادة تشكيل التحالفات العسكرية، عبر فصل بعض الدول مثل المجر ورومانيا ودول أخرى مجاورة، بهدف إنشاء كيان عسكري مواز للناتو يكون أقرب إلى الرؤية الأمريكية، وبعيدا عن الإطار التقليدي للحلف وكذلك عن الاتحاد الأوروبي.

ويوضح لـ"اليوم السابع"، أن تصريحات ترامب تحمل طابعا تهديديا، لكنها ليست جديدة على الأوروبيين، الذين اعتادوا هذا النهج من الرئيس الأمريكي، سواء خلال ولايته الأولى (2016–2020) أو في ولايته الحالية، مضيفا أن الرئيس المنتمي للحزب الجمهوري يعتمد في كثير من الأحيان على خطاب سياسي استعراضي يهدف إلى الضغط على الحلفاء أكثر من كونه توجها استراتيجيا قابلا للتنفيذ.

ويشير إلى أن هذا النمط ظهر سابقا في قرارات الرسوم الجمركية التي أثرت سلبا على العلاقات الأوروبية الأمريكية، وأسهمت في تعزيز التقارب بين أوروبا وكل من الصين وكندا، وهو ما يوضح أن بعض السياسات الأمريكية لم تكن مدروسة بشكل كاف وأدت إلى نتائج عكسية على المصالح الغربية المشتركة.

ويوضح أن مثل هذه الطروحات الأمريكية أصبحت مكررة ومستهلكة، ومن المرجح أن يتم احتواؤها خلال الفترة المقبلة عبر قنوات التنسيق بين واشنطن والعواصم الأوروبية، خاصة في حال التوصل إلى تهدئة أو وقف للتصعيد العسكري المرتبط بالحرب على إيران، بما يعيد التوازن للعلاقات داخل المعسكر الغربي.

أوروبا تتأثر من إغلاق مضيق هرمز

ويعد إغلاق مضيق هرمز من أخطر السيناريوهات التي تواجهها أوروبا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، نظرا لاعتماد الاقتصاد الأوروبي بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبر المضيق نحو ثلث إمدادات النفط المنقولة بحرا في العالم، ما يعني أن أي إغلاق أو تعطيل لحركة الملاحة يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وهذا الارتفاع سينعكس مباشرة على أوروبا، التي تعتمد على الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاتها، مما يزيد من تكلفة الطاقة على الحكومات والصناعات والمواطنين.

غلق المضيق يؤثر أيضا على ارتفاع أسعار الطاقة الذي يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس في صورة تضخم واسع النطاق داخل الاقتصادات الأوروبية، وهذا قد يضع ذلك ضغوطا إضافية على البنوك المركزية الأوروبية، ويعقد جهود السيطرة على الأسعار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

كل هذه التداعيات دفعت وزراء خارجية الاتحاد الأوروبى، للاجتماع في 17 مارس، لمناقشة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، إلى جانب انتقاد قرار الرئيس الأمريكى لتخفيف العقوبات مؤقتا على النفط الروسي بهدف احتواء ارتفاع الأسعار، وحينها اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، كايا كالاس، خلال الاجتماع أن خطوة واشنطن تمثل سابقة خطيرة لأنها تتيح لموسكو موارد إضافية لدعم حربها في أوكرانيا.

في المقابل، يرى منتقدون أن الاتحاد الأوروبي نفسه تعامل لسنوات مع دول وأنظمة وصفها سابقا بـالاستبدادية عندما كانت مصالحه في مجال الطاقة على المحك، في وقت تواصل فيه الشركات الأوروبية المضاربة في أسواق الطاقة رغم تفاقم الأزمة، فيما تبحث الحكومات الأوروبية سبل ضمان حرية الملاحة في المضيق دون التورط المباشر في تدخل عسكري، بينما تؤكد طهران أن فك التحالفات مع الولايات المتحدة وإسرائيل هو السبيل الوحيد لإعادة فتحه.

في هذا السياق، تؤكد الدكتورة كاميلا زاريتا، أستاذ مشارك في قانون الاتحاد الأوروبي وحوكمة الأمن بمركز يوروريج بجامعة وارسو ومستشارة لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، أن الحرب الإيرانية لم تبدأ بالأمس، ولا يمكن اختزالها في تبادل الضربات الأخير أو التصعيد الحالي، لأن جذورها أعمق بكثير، متجذرة في نظام إقليمي تشكل وتعرض للاضطراب وأُعيد تشكيله مرارا منذ سقوط شاه إيران، عبر تنافسات الحرب الباردة ومناطق النفوذ المتنافسة والعجز المستمر عن ترجمة القوة إلى تسوية سياسية دائمة.

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن التوترات لم تختف على مدى عقود، بل جرى إدارتها وتوجيهها وتثبيتها مؤقتا، لكنها لم تُحل قط، وما نشهده اليوم ليس اندلاعا مفاجئا للصراع، بل لحظة انهيار نظام طال أمده تحت وطأة الضغوط المتراكمة، وبالنظر إلى الأمر من هذا المنظور، تتضح طبيعة الأزمة الراهنة وتصبح أكثر إثارة للقلق.

وتقول إن غالبا ما يُصور التصعيد بين واشنطن وطهران على أنه حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية، بينما الواقع يشير إلى أن الموازين انقلبت بالفعل، حيث إنها أزمة نظامية عالمية تتجلى في مسرح إقليمي، خاصة أن مضيق هرمز، في هذا السياق، ليس مجرد ممر مائي جغرافي، بل محور هيكلي للنظام العالمي، وعندما يصل عدم الاستقرار إلى هذه النقاط، تنتشر التداعيات أولا عبر أسواق الطاقة، ثم أنظمة النقل، والزراعة والإمدادات الغذائية، وفي النهاية إلى الواقع الاقتصادي اليومي للمجتمعات.

وتشر "زاريتا" إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة يجعل الإنتاج الزراعي أكثر تكلفة، ويتبعها ارتفاع أسعار المواد الغذائية، بينما الأجور لا تتكيف بالوتيرة نفسها، ما يبدأ كاضطراب في السوق يتحول تدريجيا إلى اضطراب اجتماعي، وهنا تتغير طبيعة الأزمة، لتصبح مركبة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، مع تفاوت واضح في الآثار بين الدول والمناطق.

وتضيف أن الصدمة العالمية تختبر محليا بشكل مختلف، ففي أوروبا، من بولندا ورومانيا إلى إسبانيا واليونان والبرتغال وإيطاليا، وفي جوارها الأوسع من تركيا وأوكرانيا، تتواجد الضغوط نفسها، لكنها تُعاش بطرق متفاوتة حسب القوة المؤسسية والقدرة المالية والفعالية الإدارية، والاقتصادات الأقوى قد تخفف الأثر، أما السياقات الأكثر هشاشة فيكون الأثر فوريا في الأسعار والحياة اليومية، مما يبرز مشكلة هيكلية أعمق.

وتوضح أن أوروبا لم تحقق بعد مستوى التوازن الإقليمي اللازم لاستيعاب الصدمات بالتساوي، وهذا ليس فشلا سياسيا فقط، بل حالة هيكلية للنظام الأوروبي، والأزمات النظامية لا تُخفي أوجه عدم المساواة، بل تعريها وتعمقها، بما يجعل استقرار النظام أكثر هشاشة إذا ضعف التماسك، لافتة إلى أن التحولات في بنية الأمن العالمي مستمرة، والقدرة النووية أصبحت أكثر أهمية استراتيجيا، كما تجسدها إيران وكوريا الشمالية إلى جانب القوى النووية الراسخة، وتغيير طبيعة الصراع بسرعة، لم يعد محصورا في المواجهات العسكرية التقليدية، بل يشمل المجالات الإلكترونية والمعلوماتية والاقتصادية، حيث أصبحت آليات الضغط عبر تعطيل البنى التحتية الرقمية والتلاعب بالمعلومات مركزية في الصراعات الحديثة.

وتؤكد أنه لا يمكن لإطار عدم الانتشار النووي كما عرفناه الاستمرار بسهولة في ظل هذه الظروف، والتوترات الراهنة في العلاقات عبر الأطلسية تكشف هشاشة التحالفات، خاصة أن حلف الناتو منخرط لكن غير موحد في المواقف، وأوروبا تعمل ضمن قدراتها المتفاوتة، لكنها ليست سلبية، لافتة إلى أن الحل يتطلب تعاونا إقليميا فعليا، واستراتيجيات جماعية لإدارة الأزمات، وإعادة تماسك النظام العالمي قبل أن تتفاقم الضغوط لتشكل وضعا يصعب احتواؤه، لأن ما هو على المحك لم يعد مجرد صراع واحد، بل قدرة النظام العالمي على الصمود تحت الضغط.

أبرز تصريحات زعماء أوروبا حول الحرب الأمريكية ضد إيران
أبرز تصريحات زعماء أوروبا حول الحرب الأمريكية ضد إيران

هل يبتز ترامب أوروبا والناتو؟

وخرج إيمانويل ماكرون مجددا بتصريحات في 19 مارس يشدد فيها على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة والأمن البحري والعمل على خفض التصعيد، مؤكدا أن هناك اتصالات فرنسية مع أمير قطر تميم بن حمد والرئيس دونالد ترامب لبحث تطورات الأزمة.

ودعا إلى ضرورة وقف فوري مؤقت للضربات على البنى التحتية المدنية خصوصا الطاقة والمياه، موضحا أن فرنسا مستعدة للمشاركة في نظام مرافقة السفن في مضيق هرمز عند هدوء الأوضاع.

بعدها بـ 24 ساعة فقط خرج الرئيس الأمريكي من جديد لواصل هوايته المفضلة في الهجوم على الناتو لعدم رغبته في المشاركة بحرب طهران وعملية فتح مضيق هرمز المعطل، قائلا عبر موقع "تروث سوشيال" :" بدون الولايات المتحدة، حلف الناتو مجرد قوة جوفاء، لم يرغبوا في الانضمام إلى المعركة لوقف إيران النووية، والآن، بعد أن حُسمت هذه المعركة عسكريا، مع مخاطر ضئيلة للغاية بالنسبة لهم، يتذمرون من ارتفاع أسعار النفط التي يجبرون على دفعها، لكنهم يرفضون المساعدة في فتح مضيق هرمز، وهي مناورة عسكرية بسيطة تعد السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط. من السهل عليهم القيام بذلك، مع مخاطر ضئيلة للغاية، جبناء، ولن ننسى".

تغريدة ترامب ضد الناتو
تغريدة ترامب ضد الناتو

في نفس يوم التغريدة خرج مكتب رئيس الوزراء البريطاني ليعلن موافقة حكومة لندن على السماح لواشنطن باستخدام القواعد البريطانية في الدفاع عن مضيق هرمز، موضحة أن الاتفاق يشمل عمليات أمريكية تستهدف مواقع الصواريخ الإيرانية ووسائل مهاجمة السفن.

يأتي الموقف البريطاني في ظل محاولات ترامب ابتزاز الحلفاء لدفعهم نحو المشاركة في مواجهة إيران من خلال إبراز أهمية تحالفاتهم في الحرب الأوكرانية، فواشنطن، بحكم موقعها القيادي داخل الناتو، تمتلك أوراق ضغط قوية، مثل التهديد بتقليص الدعم العسكري أو المالي لأوكرانيا، الأمر الذي قد يجبر الحلفاء الأوروبيين على إعادة النظر في مواقفهم تجاه ملفات أخرى، منها أي صراع محتمل في الشرق الأوسط.

هذه الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على الربط بين ملفات متعددة على طاولة السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يمكن لترامب أن يطرح المساومة على أساس "إذا لم تدعمونا في ملف الشرق الأوسط، قد نخفض الدعم في أوكرانيا"، ما يشكل وسيلة ضغط فعالة، خاصة في ظل القلق الأوروبي المتزايد من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب في أوكرانيا.

في المقابل، هناك احتمال آخر يتمثل في انسحاب واشنطن الجزئي أو الكلي من الحرب الأوكرانية كأداة ضغط إضافية، مثل هذا الانسحاب قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد الأوروبي على الموارد الذاتية أو التفاوض على حلول متعددة الأطراف، وهو ما قد يُستخدم كورقة تفاوضية لدفع دول أوروبا نحو دعم السياسات الأمريكية في مواجهة إيران، وهذا السيناريو ليس مجرد فرضية، بل يُظهر واقع تعقيد الالتزامات الأمريكية وتعدد أولوياتها الدولية، ما يجعل أي ربط بين ملفات أوكرانيا وإيران واردا على طاولة صانع القرار الأمريكي.

رغم ذلك فإن هذه المحاولات قد تواجه قيودا كبيرة على الأرض، خاصة أن الدول الأوروبية، رغم اعتمادها على الدعم الأمريكي في أوكرانيا، تتمتع بمصالح مستقلة في الشرق الأوسط، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية والسياسية مع إيران ودول أخرى، ما قد يقلل من فعالية أي استراتيجية ابتزازية.

ويرى الدكتور إبراهيم شير، أن ترامب واجه صدمة كبيرة بعد موقف الناتو ودول أوروبا من هذا التصعيد، حيث كان يعتقد أن بمجرد التحشيد العسكري ضد إيران، سينضم الجميع تلقائيا لدعمه، لكنه فوجئ بأن لا أحد انضم، لأن الجميع وجد أن هذه الحرب ستكون خاسرة ولا تصب في مصلحتهم، كما اكتشفوا أن هذه المعركة هي حرب نتنياهو بالأساس وليست حربا حقيقية لمصلحة واشنطن نفسها، وبالتالي انسحبوا بسهولة".

ويوضح أن ترامب وجد نفسه في موقف حرج أمام التعنت الأوروبي، حيث كان رد الناتو بمثابة رسالة واضحة، بينما الرئيس الأمريكي لم يكن مستعدا لخوض الحرب بمفرده، خاصة بعد أن استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو عامل لم يكن يتوقعه، وأمام هذه المعطيات، بات الخيار أمام واشنطن إما إيقاف الحرب أو الاستجداء من شمال الأطلسي للمساعدة، ولأن الحلف لم يظهر جدوى، فإنه اختار على الأرجح التراجع عن المعركة.

وعن تأثير هذه الأزمة على السياسة الدولية، يشير إلى أن ترامب قد يسعى الآن إلى معاقبة الناتو بطريقة غير مباشرة من خلال تقريب روسيا منه وإعطائها مساحة أكبر في ملف أوكرانيا، مؤكدا أن الحرب على إيران غيرت رسم المعادلات الدولية، حتى لو لم تنتصر طهران بصورة مباشرة، فإن بقاء النظام واستقراره شكل ضربة استراتيجيا، كما أن الأزمة زادت الصدع بين أمريكا وشمال الأطلسي وأوروبا، ما يعني أن العلاقات بين الجانبين لن تعود كما كانت قبل عدة أشهر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة