- أطفالي كانوا يبكون خوفا خلال الحرب ويطلبون العودة إلى ماليزيا
- زوجتى وأطفالي فارقوا الحياة من اللحظة الأولى وسقف المنزل سقط على كتفي
- بعد أشهر من الحزن زوجت ورزقني الله بطفلة صغيرة
- كنت أراقب طائرات الاحتلال تحوم فوقنا ونحن تحت الركام
- كنت أسمع صرخات الأطفال حولي بينما السقف يضغط علينا من كل جانب
- الحياة بعد الخروج من الركام صعبة وكل يوم يمثل تحديا جديدا وسط الركام والدمار
- متحدث جهاز الدفاع المدني بغزة: مركبات الجهاز توقفت عن العمل
- الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني: لابد من تحريك ملف استهداف الاحتلال للأطفال لمحاكمة قادة إسرائيل
- مسئول بالإغاثة الطبية الفلسطينية: 80٪ من سكان القطاع ينامون اليوم في الشوارع داخل خيام
- مدير مؤسسة الضمير الفلسطينية: 2700 أسرة فقدت بالكامل خلال الحرب
لا تقاس الحروب بعدد الصواريخ أو الأيام التي تستغرقها، بل بعدد القلوب المحطمة والبيوت التي تتحول إلى ذاكرة، وفي غزة، قد تنجو من الموت مرة، لكن لا تنجو أبدا من فقدان الأحباب، وبين آلاف القصص التي ولدتها الحرب، تبرز حكاية المواطن الفلسطيني عبد السلام البنا كواحدة من أكثر الروايات قسوة ووجعا.
رجل عاد إلى وطنه بعد سنوات من الغربة ليبدأ حياة هادئة مع أسرته الصغيرة، قبل أن تتحول تلك الحياة إلى مأساة دفنت أحلامه تحت أنقاض منزلٍ انهار فوق رؤوسهم، فقبل اندلاع الحرب بوقت قصير، كان عبد السلام قد عاد إلى غزة بعد أكثر من خمس سنوات قضاها في ماليزيا، حيث عاش وعمل هناك، يحلم بالاستقرار بين أهله في مدينته، لم يكن يريد أكثر من حياة عادية، بيت صغير، زوجة، وطفلين يكبران أمام عينيه، لكن القطاع الذي اعتاد أن يكتب قصصه بالحزن، كان يخبئ له قدرا مختلفا تماما.
في صباح السابع من أكتوبر، استيقظت المدينة على أصوات الصواريخ والانفجارات، وبدأت أيام الحرب الأولى التي سرعان ما تحولت إلى جحيم مفتوح، ومع تصاعد القصف واتساع رقعة الدمار، وجد عبد السلام نفسه، مثل آلاف العائلات في القطاع، محاصرا بالخوف والقلق، يحاول فقط أن يحمي طفليه من صوت الموت الذي يقترب أكثر فأكثر.

أسرة عبد السلام البنا
لم يكن يتخيل أن الأيام التالية ستحمله إلى واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها إنسان، فبين لحظة وأخرى، سيجد نفسه مدفونا تحت أنقاض بناية سكنية انهارت بالكامل، بعد أن فُخخت بعبوات ناسفة هائلة، هناك، في الظلام الكامل وبين الركام، سيفيق بعد أيام ليكتشف الحقيقة التي لم يكن مستعدا لمواجهتها، زوجته وطفلاه قد رحلوا، بينما كُتب له أن يخرج حيا ليحمل وحده ذاكرة اللحظة الأخيرة.
تضحيات المرأة الفلسطينية
تحدث عبد السلام البنا عن استشهاد زوجته مع أطفالها، لم تكن المرأة الوحيدة التي يفقدها زوجها مع أبنائه، فخلال الحرب كان عدد الشهداء من السيدات بالآلاف، فخلال بيان صادر عن وزارة شؤون المرأة الفلسطينية، بمناسبة يوم المرأة العالمي في 8 مارس، أكد هناك 21193 أرملة حرب فقدن أزواجهن منذ السابع من أكتوبر 2023، في مؤشر خطير على اتساع دائرة التفكك الأسري والاجتماعي نتيجة الاستهداف المباشر للمدنيين، وهناك أكثر من 6020 أسرة أُبيدت وبقي منها ناج وحيد، في كثير من الحالات امرأة أو طفل، إضافة إلى 2700 أسرة أُبيدت بالكامل ومُسحت من السجل المدني، في واحدة من أبشع صور الاستهداف المنهجي للأسر الفلسطينية.
وأشار البيان، إلى أن عدد الشهيدات من النساء منذ بدء حرب الإبادة بلغ أكثر من 12500 شهيدة، من بينهن أكثر من 9 آلاف أم، ما خلف عشرات آلاف الأطفال دون رعاية أمومية، لافتا إلى أن أكثر من 55% من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين، وهو ما يبرهن بشكل واضح على الطبيعة المدنية للضحايا، كما سُجلت أكثر من 12 ألف حالة إجهاض بين النساء الحوامل نتيجة سوء التغذية الحاد وانهيار المنظومة الصحية.
وأوضحت الوزارة، أن المرأة الفلسطينية كانت شهيدة وشاهدة، وصانعة للحياة رغم آلة القتل والدمار، وحاملة لأمانة الأسرة والمجتمع في ظل فقدان الأمن والاستقرار وانهيار مقومات الحياة الأساسية، وبرغم الجوع والحصار والنزوح وفقدان الأحبة، بقين نساء غزة خط الدفاع الأول عن تماسك الأسرة الفلسطينية وهويتها الوطنية.
مجازر الاحتلال في غزة
وأشارت إلى أن حقوق المرأة الفلسطينية هي قضية عدالة وحرية وكرامة وطنية، والواجب الإنساني والقانوني يقتضي مواصلة العمل لحماية النساء الفلسطينيات، وتمكينهن، وضمان حقهن في الحياة الآمنة والكريمة بعيدا عن الاحتلال والعدوان.
خسائر 733 يوما من الحرب على غزة
قصة عبد السلام ليست مجرد رواية عن نجاته من الموت تحت الركام، بل شهادة إنسانية عن الفقد، وعن قدرة الإنسان على البقاء رغم الألم الذي لا يُحتمل، إنها حكاية أب خرج من تحت الأنقاض بعد أيام من العتمة والجوع والعطش، ليبدأ رحلة أخرى مع الحياة، حياة بلا أسرته التي دفنتها الحرب، لكنها بقيت حاضرة في قلبه إلى الأبد.
جرائم الاحتلال في غزة
آلاف الشهداء والجرحى
ووفقا للإحصائيات الخاصة بالمكتب الإعلامي الحكومى بغزة الصادرة في 31 ديسمبر الماضي، فإن عدد الشهداء خلال الحرب وصل إلى 76639، ووصل مجموع الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات إلى 67139، بينما يظل 9500 مفقود منهم شهداء مازالوا تحت الأنقاض، أو مصيرهم مازال مجهولا، بالإضافة إلى استشهاد 20000 من أطفال غزة، و12500 شهيدة، بينهم 9000 أم، بينما استشهد 22426 أبا.
ومن بين الركام والدمار، يبدأ عبد السلام بسرد تفاصيل الأيام التي سبقت الكارثة، واللحظات الأخيرة التي عاشها مع أسرته، في قصة تختصر مأساة غزة بكل ما فيها من ألم وصبر وإيمان، حيث يقول، إنه قبل الحرب بوقت قصير كان قد عاد إلى غزة بعد سنوات قضاها في ماليزيا،، وبعد عودته لم يمض سوى عام وشهرين حتى اندلعت الحرب، ليجد نفسه وعائلته في قلب الأحداث، مضيفا: "أنا مواطن متزوج ولدي طفل وطفلة، كنا نعيش حياة بسيطة، لكن في صباح السابع من أكتوبر استيقظنا على أصوات الصواريخ والتكبيرات في الشوارع، وفتحت النافذة لأفهم ما يحدث، وعرفنا من الأخبار أن شيئا كبيرا قد وقع، في تلك اللحظة قررت ألا يذهب أطفالي إلى المدرسة والروضة".
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
ومع تصاعد القصف واشتداد الغارات الجوية، تحولت الأيام الأولى للحرب إلى حالة من الرعب الدائم، حيث كان الخوف والقلق يخيّمان على السكان، ومع بدء الاجتياح البري وتوسع العمليات العسكرية، اضطر البنا مع أسرته إلى النزوح في التاسع من نوفمبر، مغادرين منزلهم في منطقة النصر بمدينة غزة، نزح مع زوجته وطفليه، إضافة إلى والد زوجته ووالدتها وأشقائها، وكانوا يقيمون جميعا في بناية سكنية مكونة من سبعة طوابق، لكل أسرة شقة منفصلة داخل المبنى نفسه.
اكتظاظ سكاني حاد
وأكدت وكالة الأونروا، خلال بيان لها في 27 فبراير، أن النزوح القسري والقيود المفروضة على إدخال المساعدات في غزة أديا إلى اكتظاظ سكاني حاد، وتدهور أوضاع الملاجئ، وعدم كفاية خدمات الصرف الصحي، ما يزيد من خطر انتشار الأمراض.
وأضافت الوكالة الأممية أن فريقها في غزة يؤكد وجود زيادة حادة في التهابات الجلد والأمراض المنقولة بالمياه نتيجة حياة الخيام والنزوح، متابعة: "نعمل على مساعدة الناس من خلال خدمات الصحة والصرف الصحي، لكننا بحاجة إلى مزيد من الصلاحيات لتلبية الاحتياجات الهائلة".
السكن والنزوح القسري في غزة
ومع إعلان هدنة مؤقتة لتبادل الأسرى في نوفمبر 2023، استمرت عشرة أيام، عاد البنا وأسرته إلى منزلهم في 21 نوفمبر، ليجدوا أن الطابق الأخير من البناية قد أصيب بصاروخ، ورغم الأضرار، قرروا البقاء في المنزل بعد أن ملأوا خزانات المياه وجهزوا ما توفر لديهم من طعام، على أمل أن تنتهي الحرب كما انتهت جولات سابقة من التصعيد.
ووفقا للأرقام التي وردت في إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي، فإن الحرب تسبب في تدمير 268 ألف وحدة سكنية بشكل كلي، وهناك 148 ألف وحدة سكنية دمرها الاحتلال بشكل بليغ غير صالح للسكن، بينما 153 ألف وحدة تضررت بشكل جزئي.
الهدوء لم يدم طويلا، فبمجرد انتهاء الهدنة عاد القصف بشكل أعنف، وبدأت الدبابات تتقدم نحو مناطق عدة من مدينة غزة، وصولا إلى محيط مستشفى الشفاء وشارع النصر، في تلك اللحظات، يقول البنا إن الخروج من المنزل أصبح مستحيلا، إذ كانت الطائرات المسيرة تحلق في السماء بشكل دائم، وأي حركة في الشوارع كانت تقابل بإطلاق النار.
يصف البنا تلك الأيام بأنها كانت من أصعب ما مر به في حياته، إذ كانت المباني المحيطة بهم تُسوى بالأرض تباعا، بينما كان أطفاله يبكون خوفا ويطلبون العودة إلى ماليزيا، ويضيف: "كانوا يقولون لي: يا بابا بدنا نرجع ماليزيا، ما بدنا نضل هنا، الخوف والقصف كانا لا يوصفان."
ومع اقتراب القوات العسكرية من البناية التي يسكنونها، وصلت الدبابات إلى مدخل العمارة، قبل أن يقتحم الجنود المبنى برفقة كلب بوليسي مزود بكاميرا، عندها أدرك البنا أن اقتحام الشقق بات مسألة وقت، فطلب من زوجته وأطفاله الابتعاد عن الباب تحسبا لتفجيره، واستعد مع والد زوجته للاعتقال بعدما شاهدوا الجنود يقتادون الرجال من المباني المجاورة ويطلبون من النساء المغادرة.
بعد فترة من التوتر، توقفت أصوات التفجير دون أن يصل الجنود إلى شقتهم في الطابق الرابع، فظنوا أنهم انسحبوا من المنطقة، عاشوا بعد ذلك أسبوعين من القلق والرعب داخل المنزل، إلى أن جاء يوم الجمعة الذي غير حياتهم بالكامل.
يوم غير حياه الأسرة
يروي الزوج أنه في تلك اللحظة وقع انفجار هائل لم يتوقعه أحد، إذ انهارت البناية بأكملها فوق رؤوسهم بعد أن تبين لاحقا أنها كانت مفخخة بعبوات شديدة التدمير، قائلا: "في لحظة واحدة انهارت البناية، أطفالي من اللحظة الأولى فارقوا الحياة، سقط السقف على كتفي، وقبل أن أفقد الوعي قلت "حسبي الله ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله."
ووفقا للأرقام التي كشف عنها إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومي، فإن هناك 93022 أسرة تعرضت للمجازر من الاحتلال، بينهم 2700 أسرة أُبيدت ومُسحت من السجل المدني بعدد 8,574 شهيدا، و 6020 أسرة أُبيدت ومتبقي منها ناجي وحيد بعدد 12,917 شهيدا، وأكثر من 55% من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين.
أوضاع غزة المدمرة
فقد البنا وعيه تماما، ولم يستفق إلا بعد سبعة أيام تحت الأنقاض، حين بدأ الجيش الانسحاب من المنطقة، وعندما استيقظ وجد نفسه محاصرا بين الركام من كل جانب، فاقدا للذاكرة في البداية، وبعد لحظات اكتشف أن والد زوجته وأخت زوجته الصغيرة ما زالا على قيد الحياة بجواره، ووسط الظلام والركام، بدأت ذاكرته تعود تدريجيا، ليدرك حجم الفاجعة التي حلت به، فقد استشهدت زوجته وطفلاه تحت الأنقاض، بينما كان ابنه الصغير بجواره رافعًا إصبع السبابة وكأنه يتشهد، لكنه كان قد فارق الحياة.

منزل عبد السلام البنا المهدوم
عجز الدفاع المدني عن انتشال الضحايا
وأعلن الدفاع المدني في غزة، عجزه انتشال الجثامين الموجودة تحت الأنقاض، مطالبة في بيان لها في الأول من مارس، بإدخال معدات على انتشال الجثامين، والجهاز يعمل حاليا ومنذ سنوات بصفر إمكانات ومقدرات، بعد أن دمر الاحتلال تدميرا كاملا 39 مركبة كانت تقدم خدمة التدخلات الإنسانية لنحو 2 مليون و300 ألف مواطن، وأحدث أضرارا في 45 مركبة أخرى بحاجة إلى صيانة دورية في ظل انعدام قطع الغيار والصيانة.
وأضاف أن عمليات الاستغاثة التابعة للدفاع المدني خلال حرب الإبادة وصلت إلى 189,065 نداء استغاثة من المواطنين، لكن لم تتمكن طواقمه من الاستجابة إلا لنحو 95,260 ألف نداء فقط، ويُعزى ذلك للمعيقات الكثيرة والعقبات التي تسبب بها الاحتلال، من تدمير كامل للطرق والبنى التحتية، وحظره دخول أفراد الجهاز في المناطق التي يستهدفها ويسيطر عليها، وتهديده للكوادر، واستهدافه لمقدرات الدفاع المدني من مركبات ومعدات إطفاء وإنقاذ، وغيرها من المعيقات.
وأوضح أن طواقمه والطواقم الطبية الأخرى انتشلت خلال الحرب جثامين آلاف الشهداء من تحت أنقاض المنازل والشوارع والأراضي المستهدفة، ولا يزال الاحتلال يعيق انتشال جثامين بضع آلاف من تحت أنقاض المباني، ومنهم من تم دفن جثامينهم من قبل جنود إسرائيل بعد أن قتلهم، وهم مقيدون تحت بند مجهولي المصير، متابعا :"سجلنا مؤخرا عقب عودة النازحين إلى مناطق غزة والشمال اكتشاف جثث شهداء دفنتهم تل أبيب في مناطق متفرقة، حيث تم العثور عليهم بالصدفة أثناء أعمال تشييد الخيام وإنشاء مراكز الإيواء".
وطالب الدفاع المدني بغزة، بضرورة إنهاء حالة التجاهل الدولي للوضع الإنساني الكارثي في القطاع، وتباطؤ الجهات المعنية عن تقديم الدعم اللازم، والعمل على توفير احتياجات الجهاز الأساسية من الوقود والمركبات ومعدات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف، وكذلك قطع الغيار اللازمة لترميم وصيانة المركبات المتعطلة.
ويقول المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، إن مركبات الجهاز توقفت عن العمل بسبب نفاد الوقود والمعدات، ما يعيق تقديم الخدمات الإنسانية للمواطنين، وانتشال جثث الشهداء، موضحا أن هناك أكثر من 1500 نداء استغاثة معلقة لم يتمكن الدفاع المدني من الاستجابة لها بسبب نقص الوقود.
ويضيف، أن القطاع يعاني من آثار الحرب والدمار، بما في ذلك الشهداء والمخلفات، ما يزيد من أعباء الدفاع المدني في ظل نقص الموارد، مناشدا المنظمات الدولية، بما فيها الصليب الأحمر والأمم المتحدة، لتوفير الوقود والمعدات اللازمة، خاصة أنه لم يحدث أي استجابة كافية حتى الآن.
ويؤكد أن الوضع الحالي يشكل كارثة إنسانية حقيقية ويحتاج لتدخل عاجل وفوري من المنظمات الدولية لضمان قدرة الدفاع المدني على أداء مهامه، معلنا وقف مركبات الجهاز لعدم توفر الحد الادنى من الوقود للتدخلات الإنسانية.
ويشير إلى️ توقف العمل بمهام انتشال الجثث لعدم قدرة السيارات التحرك بسبب نقص الوقود ، بجانب عدم استكمال مهام إزالة الأخطار نتيجة نقص الوقود اللازم لتشغيل المعدات لإتمام المهام ، داعيا المؤسسات الدولية والمنظمات الانسانية العمل على إمداد الطواقم الإنسانية بالوقود اللازم لتشغيل السيارات والمعدات لتقديم الخدمة الإنسانية بالشكل المطلوب.
ورغم قسوة المشهد، كان هناك بصيص نجاة ضئيل، إذ إن الجزء الذي سقط فيه كان بالقرب من "المنور" داخل المبنى، حيث حالت الأعمدة الخرسانية دون انطباق السقف بالكامل، ما ترك فراغا ضيقا لا يتجاوز 120 سنتيمترا، ومع مرور الأيام، اشتد عليهم العطش لدرجة أنهم اضطروا لشرب البول للبقاء على قيد الحياة، رغم أنه زاد عطشهم، كما كان معهم كيس صغير من الشوكولاتة، فكانوا يتقاسمون قطعة واحدة يوميا في محاولة لإطالة بقائهم على قيد الحياة. وبعد انسحاب القوات ووقوع انفجارات قريبة، اهتز الركام قليلا وظهرت فتحة صغيرة بالكاد تتسع للمرور.
تمكن البنا من الزحف عبر الفتحة ورأى ضوء النهار لأول مرة منذ أيام، فعاد ليبشر من معه بأن الخروج أصبح ممكنا، ساعد الطفلة "تالا" على الخروج أولًا، ثم والدة زوجته، قبل أن يخرج هو أخيرا إلى ما تبقى من الحي، حسبما يؤكد في تصريحاته الخاصة.
"كان المشهد خارج الركام صادما، دمار هائل كأن زلزالا ضرب المكان، وبناية من سبعة طوابق تحولت إلى كومة ركام لا يتجاوز ارتفاعها بضعة أمتار"، هكذا يصف البنا المشهد فور خروجه من تحت الأنقاض، متابعا :"خرجنا حفاة بملابس ممزقة، بينما بدأ الجيران يتجمعون حولنا مكبرين بعدما أدركوا أن أحياء خرجوا من تحت الأنقاض".
استقبلهم الجيران بالطعام والماء، قبل أن يصل أقارب زوجته الذين لم يصدقوا نجاتهم، حينها أخبرهم البنا بالحقيقة الموجعة: زوجته وأطفاله وأخت زوجته استشهدوا تحت الركام، وبعد شهور عديدة تمكن الدفاع المدني من انتشال جثامين أطفاله وزوجته، حيث يقول :" في 15 مارس 2025 تمكنت فرق الإنقاذ أخيرا من انتشال جثامين الشهداء ودفنهم".
وبعد شهور من الحزن ومحاولة استعادة حياته، تزوج عبد السلام مرة أخرى، وفي الرابع من مارس 2026 رزقه الله بطفلة صغيرة يقول عنها: "أسأل الله أن تكون عوضا لي عما مضى، والحمد لله على كل حال".
الأطفال الضحايا في غزة
بعد أن خفت أصوات القصف وانتهت الحرب، لم يجد عبد السلام البنا، المواطن الفلسطيني، ملاذا آمنا سوى خيام مؤقتة تذكره بكل ما فقده، فقدانه لأسرته جعله يعيش في عزلة وسط الحزن، بينما يحاول البحث عن لقمة عيش تكاد تكون شحيحة، وسط الظروف الصعبة التي تحاصر حياته اليومية، الحياة بالنسبة له أصبحت سلسلة من التحديات اليومية، حيث لا مأوى دائم، ولا أمان، ولا حتى فرصة للحداد على من رحلوا معه.
وأكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، خلال بيان له في 22 فبراير، أن العائلات في غزة لا تزال تعيش في مواقع نزوح وخيام مكتظة ومعرضة لمخاطر الحرائق، موضحا أن تلك العائلات النازحة تحتاج إلى مواقع وأماكن مناسبة تحميها من عوامل الطقس وتوفر قدرا أكبر من الخصوصية، ولا تزال تحركات العاملين الإنسانيين تتطلب تنسيقا مع السلطات الإسرائيلية
وأضاف، أنه بين 12 و19 فبراير تم التنسيق لـ67 حركة إنسانية، وافقت إسرائيل على 43 حركة منها، بينما رُفضت 9 حركات بشكل كامل، وواجهت 8 مهمات عراقيل، وألغيت 7 مهمات أخرى لأسباب تشغيلية وأمنية.
ضرورة محاسبة إسرائيل دوليا
وبين صمت المجتمع الدولي وتفاقم المعاناة الإنسانية، لا تزال انتهاكات إسرائيل بحق الأطفال في غزة تتصدر قائمة الجرائم التي تهدد مستقبل الأجيال القادمة، حيث تعرض الأطفال الفلسطينيون خلال الحرب الأخيرة لهجمات مباشرة وغير مباشرة، أسفرت عن استشهاد وإصابة الآلاف، وهدم المنازل والمرافق الحيوية، مما تركهم بلا مأوى أو حماية.
ويؤكد الدكتور صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، على الأهمية القصوى لتحريك ملف استهداف الاحتلال للأطفال في غزة خلال حرب الإبادة الجماعية الأخيرة، واصفا ذلك بأنه يمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، موضحا أن هذا الملف يشكل واجبا قانونيا وأخلاقيا دوليا، ويلزم المجتمع الدولي بمساءلة ومحاسبة قادة الاحتلال على المستويين الفردي والدولي.
ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن تحريك الملف الخاص بمحاكمة قادة إسرائيل يتطلب خطوات عملية واضحة، أولها متابعة المحاكم الدولية المختصة، حيث يأتي محكمة العدل الدولية في صدارة هذه الخطوات من خلال متابعة إصدار الأحكام المتعلقة بالإبادة الجماعية التي تشمل استهداف الأطفال، فيما تعتبر المحكمة الجنائية الدولية أداة أساسية لحثها على إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة الاحتلال المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع إفلاتهم من العقاب.
ويوضح أهمية تقديم الأدلة القانونية والتوثيق، من خلال إرسال التوثيقات والمذكرات الإحاطة إلى المحكمة الجنائية الدولية، واستخدام مبدأ الولاية القضائية الدولية لرفع دعاوى حول استهداف الأطفال والمدنيين، وهو ما تم في أكثر من 80 قضية دولية سابقة، رغم أن بعض هذه القضايا لم يحقق النتائج المرجوة بعد، مؤكدا أن الضغط الدولي المستمر يمثل حجر الزاوية في هذه المعركة الحقوقية، وهو ما يتطلب ضرورة توثيق الانتهاكات بشكل منهجي، وإطلاق حملات إعلامية ودبلوماسية لضمان تحريك الملف أمام المحاكم الدولية، بالإضافة إلى الضغط على الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان للوفاء بواجبهم في حماية الأطفال وحقوقهم.
ويؤكد رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، أن الاستراتيجية الشاملة للمساءلة تتطلب ربط المسؤولية بين القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية والأفعال المنهجية ضد الأطفال والمدنيين، وإبراز جرائم الإبادة الجماعية في جميع المستندات والملفات القانونية لضمان محاكمة عادلة وفعالة، موضحا أن تحريك هذا الملف ليس مجرد خيار بل ضرورة عاجلة حقوقية وقانونية، والنجاح فيه يعتمد على الاستمرار في التوثيق، والضغط الدولي، واستخدام جميع الآليات القانونية المتاحة لضمان محاكمة قادة الاحتلال وحماية أطفال غزة من الإفلات من العدالة.
ويؤكد مصطفى عابد، مدير برنامج التأهيل بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، أن الوضع الإنساني في غزة يزداد سوءا يوما بعد يوم، مشيرا إلى أن 80٪ من سكان القطاع ينامون اليوم في الشوارع داخل خيام، فيما يعيش من تبقّى منهم في بيوت آيلة للسقوط، بلا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن سكان غزة يضطرون إلى الإفطار والسحور في ظلام دامس وسط العتمة، وسط صعوبة الوصول إلى أبسط مقومات الحياة، مؤكدا أن هذه الأزمة الإنسانية الضاغطة تتطلب تضامنا عاجلا مع المدنيين وحماية حقوقهم الأساسية، خاصة في ظل الزحام الإعلامي وكثرة الأخبار التي تجعل معاناة المواطنين تمر أحيانا دون تسليط الضوء الكافي عليها.
معاناة أهل غزة بعد وقف إطلاق النار
وأصدر مركز الميزان لحقوق الإنسان في فلسطين تقريرا في 7 مارس ، كشف فيه عن استغلال سلطات الاحتلال لحالة التوتر القائم في منطقة الشرق الأوسط لتصعيد انتهاكاتها ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
وأكد التقرير استمرار إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 9 أكتوبر 2025، حيث ووفقا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية، قتلت قوات الاحتلال 633 مواطنا وأصابت 1703 آخرين منذ ذلك التاريخ وحتى 4 مارس 2026. كما شهدت الفترة التي تلت التصعيد الإقليمي أواخر فبراير الماضي تكثيفا للهجمات على المدنيين والخيام، مما أسفر عن استشهاد 6 فلسطينيين وإصابة 18 آخرين، موضحا أن المدنيين يدفعون ثمن التصعيد في المنطقة، والقيود المفروضة كبحت دخول الإمدادات المنقذة للحياة وعلقت عمليات الإجلاء الطبي، مما حرم 18,000 مريض بينهم 4,000 طفل من الرعاية المختصة.
وبعد إعلان وقف إطلاق النار في غزة، لا تزال المعاناة الإنسانية تتفاقم بين السكان، وسط أضرار جسيمة لحقت بالمنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، حيث يؤكد علاء سكافي، رئيس مؤسسة الضمير الفلسطينية، أن آثار الحرب لم تقتصر على الخسائر المادية فحسب، بل امتدت إلى محو حياة آلاف الأسر من سجلات الدولة المدنية، ما يعني فقدانها من النظام الرسمي تماما.
ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن نحو 2700 أسرة فقدت بالكامل خلال الحرب، فيما تم تسجيلها على أنها غير موجودة في السجل المدني، وهو ما يزيد من صعوبة وصول المساعدات الإنسانية لهم ويضاعف أزمة النزوح والمعيشة، مضيفا أن هذه الأسر، بالإضافة إلى عشرات آلاف المدنيين الذين فقدوا منازلهم، يعيشون الآن في مخيمات مؤقتة أو خيام، بلا مياه صالحة للشرب ولا كهرباء، ويواجهون صعوبة في تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية.
ويؤكد أن وقف إطلاق النار لم ينهي الأزمة الإنسانية، موضحا أن العديد من العائلات تفتقد الأوراق الرسمية اللازمة لتثبيت هويتها، ما يعقد جهود إعادة الإعمار والمساعدات الإغاثية، داعيا المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى التدخل العاجل لضمان حقوق هذه الأسر وتوفير الدعم المادي والقانوني للمتضررين.
ويوضح أن الوضع الحالي يعكس الحاجة الملحة لتقديم دعم مستدام، ليس فقط لتلبية الاحتياجات الأساسية، بل لضمان استعادة كرامة المدنيين المتضررين، وتمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية بعد الحرب.