في زمنٍ تُثقل فيه الحروب كاهل الشعوب، وتختلط فيه أصوات الصلاة بدويّ القذائف، تستقبل القدس عيد القيامة هذا العام بوجهٍ مختلف، تغيب عنه مظاهر الاحتفال التقليدية، وتحلّ مكانها أجواء من الحزن والترقب، في ظل استمرار الحرب التي ألقت بظلالها على كل تفاصيل الحياة في الأرض المقدسة.
داخل كنيسة القيامة، التي طالما كانت مقصدًا لملايين المسيحيين من مختلف أنحاء العالم، يخيّم الصمت، بعد أن أُغلقت أبوابها أمام الحشود، لتصبح صلوات القيامة هذا العام محصورة في نطاق ضيق، بينما يبقى الرجاء حاضرًا رغم قسوة المشهد.
إغلاق الكنيسة.. والصلوات لا تتوقف
كشف المطران عطا الله حنا عن استمرار إغلاق كنيسة القيامة بسبب تداعيات الحرب، مؤكدًا أن هذا القرار الاستثنائي أثّر بشكل مباشر على مشاركة المصلين في واحدة من أهم المناسبات المسيحية.
ورغم هذا الإغلاق، شدد على أن الشعائر الدينية لم تتوقف، حيث يواصل الآباء إقامة الصلوات داخل الكنيسة بشكل منتظم منذ اندلاع الحرب، في محاولة للحفاظ على الطقوس الروحية، ولو في حدها الأدنى.
وأوضح أن الكنيسة تسعى إلى التكيف مع الظروف الراهنة، دون التفريط في جوهر الرسالة الدينية، حتى في أصعب الأوقات.
صلوات محدودة.. وذكريات الجائحة
وأشار المطران إلى أن استمرار الحرب حتى سبت النور وعيد القيامة سيؤدي إلى إقامة الصلوات بأعداد محدودة للغاية، بحيث تقتصر على غبطة البطريرك وعدد من الأساقفة والآباء، إلى جانب حضور رمزي لعدد قليل من المصلين.
ووصف هذا السيناريو بأنه مشابه لما حدث خلال جائحة كورونا، حين فُرضت قيود مشددة على التجمعات الدينية، مؤكدًا أن الكنيسة تأمل في أن تتغير الظروف قبل حلول العيد، بما يسمح بعودة المصلين وفتح الأبواب أمام الجميع.
الحواجز العسكرية.. عائق أمام العبادة
لم تتوقف التحديات عند إغلاق الكنائس، بل امتدت إلى القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، حيث دعا المطران عطا الله حنا إلى إزالة الحواجز العسكرية التي تعيق وصولهم إلى الأماكن المقدسة.
وأكد أن حرية العبادة حق أساسي، يجب أن يُكفل للجميع، خاصة في الأعياد الدينية التي تمثل لحظات روحية مهمة للمؤمنين، مشيرًا إلى أن استمرار هذه القيود يضاعف من معاناة السكان.
الحرب "شر مطلق".. موقف كنسي واضح
وفي موقف حاسم، وصف المطران عطا الله حنا الحرب بأنها "شر مطلق"، مؤكدًا أن الكنيسة ترفض الحروب من منطلق ديني وإنساني، باعتبارها سببًا رئيسيًا في معاناة المدنيين.
وقال إن الضحايا الحقيقيين لأي صراع هم الأبرياء، الذين يدفعون ثمنًا باهظًا من أمنهم وحياتهم، مشددًا على أن إنهاء الحرب يجب أن يكون أولوية عاجلة.
وأضاف أن السلام لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار العنف، داعيًا إلى تحرك جاد لوقف العمليات العسكرية.
العدالة مفتاح السلام
وأكد المطران أن تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني هو الطريق الوحيد لتحقيق سلام دائم، مشددًا على ضرورة أن يتمتع الفلسطينيون بحقوقهم الكاملة، وفي مقدمتها الحرية والكرامة.
وأوضح أن من بين هذه الحقوق، حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة دون قيود، سواء خلال الأعياد أو في الأيام العادية، معتبرًا أن غياب العدالة يُبقي الصراع مفتوحًا.
رسالة القيامة.. نور في قلب الظلام
وفي خضم هذه الأوضاع، جاءت رسالة بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس بمناسبة عيد القيامة 2026، لتقدم رؤية روحية وإنسانية عميقة، تعكس حجم التحديات، لكنها في الوقت ذاته تحمل بارقة أمل.
وأشارت الرسالة إلى أن الحرب الحالية أعادت المنطقة إلى دائرة من الدمار والمعاناة، مع تصاعد الأزمات التي امتدت آثارها إلى العالم، مؤكدة أن المشهد يبدو وكأنه غارق في ظلام كثيف.
لكن الرسالة شددت على أن الإيمان بقيامة السيد المسيح يظل مصدر رجاء، وأن الموت ليس النهاية، بل بداية لحياة جديدة، مستلهمة من جوهر العقيدة المسيحية.
دعوة للصلاة والعمل
ودعا بطاركة الكنائس جميع المؤمنين حول العالم إلى تكثيف الصلاة والعمل من أجل إنهاء الحرب، وإغاثة المتضررين، مؤكدين أن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي واجب إنساني مشترك.
كما ناشدوا المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ خطوات فعلية لوقف نزيف الدم، والعمل على تحقيق العدالة والسلام في المنطقة، بدءًا من القدس وامتدادًا إلى غزة ولبنان وسائر الأراضي المتأثرة.
بين الألم والرجاء
في ظل هذه الظروف الاستثنائية، يبدو عيد القيامة هذا العام مختلفًا في القدس، حيث تغيب الاحتفالات الكبرى، وتُستبدل بمشاهد من الصبر والصلاة.
ورغم كل التحديات، تبقى الكنيسة متمسكة برسالتها، حاملةً نور الرجاء في مواجهة الظلام، ومؤكدة أن الإيمان قادر على الصمود حتى في أصعب اللحظات.
سلام ينتظر العدالة
تظل الرسالة الأبرز التي تخرج من القدس اليوم، أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، وأن إنهاء الحرب ليس خيارًا، بل ضرورة إنسانية ملحة.
وبين أبواب كنيسة مغلقة وقلوب مفتوحة على الأمل، يستقبل المسيحيون عيد القيامة هذا العام بدعاء واحد: أن تنتهي الحرب، وأن تعود الحياة إلى المدينة المقدسة، ويعمّ السلام ربوعها من جديد.

