لم تعد سماء الشرق الأوسط تكتفى بوميض الصواريخ العابرة للحدود، بل باتت اليوم تحت ظلال غيوم "إشعاعية" محتملة قد لا تفرق بين صديق وعدو، ففى لحظة فارقة من تاريخ الصراع المحتدم، خرج وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى ليدق ناقوس الخطر الأخير، معلناً أن المواجهة تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية لتستهدف "قلب الذرة" فى محطة بوشهر.
نحن لا نتحدث هنا عن مجرد جولة قصف متبادل، بل عن سيناريو "يوم القيامة البيئى" الذى قد يحول مياه الخليج وضفافه إلى مناطق محظورة لعقود، في ظل صمت دولى يثير من الريبة أكثر مما يثير من التساؤلات حول جدوى المنظمات الأممية التى وقفت موقف المتفرج أمام مشهد الانفجار الوشيك.
تعيش المنطقة حالة من "الحبس الأنفاسى" عقب التقارير التى أكدت تعرض منشآت حيوية، وعلى رأسها مفاعل بوشهر، لضربات جوية أمريكية وإسرائيلية منسقة.
هذه الضربات لم تكن مجرد رسائل سياسية، بل بدت وكأنها "جراحة قيصرية" تهدف لاستئصال القدرات النووية الإيرانية من جذورها، لكن الخطورة تكمن في طبيعة الهدف؛ فمحطة بوشهر ليست مجرد مخزن للسلاح، بل هى قنبلة موقوتة محاطة بدول وجاليات ومصالح اقتصادية عالمية، وأى تسرب إشعاعى هناك يعنى كارثة بيئية عابرة للقارات ستطال سواحل الخليج بأكملها، من البصرة شمالاً وحتى مسقط جنوباً.
تصريحات رئيس الدبلوماسية الإيرانية لم تكن موجهة فقط للداخل، بل كانت بمثابة "بيان اتهام" صريح ضد مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية. يرى عراقجي أن امتناع هذه الجهات عن إدانة استهداف المنشآت النووية هو "شرعنة" لنوع جديد من الإرهاب الدولي، وهو "الإرهاب النووي الوقائي".
ويرى مراقبون أن هذا التجاهل الدولى قد يدفع طهران لتغيير عقيدتها النووية بالكامل، فإذا كانت المنشآت "السلمية" تُقصف بلا رادع، فما الذى يمنعها من الذهاب إلى الخيار العسكرى كأداة وحيدة لضمان البقاء؟
خبراء الطاقة والبيئة يحذرون من أن إصابة حاوية المفاعل فى بوشهر قد تؤدى إلى انتشار سحابة من النظائر المشعة تذروها الرياح فوق دول الجوار في غضون ساعات، الصمت الدولى الذى انتقده عراقجى يضع "اتفاقيات الأمان النووى" في سلة المهملات، ويفتح الباب أمام حروب لا تبقي ولا تذر، حيث تصبح البيئة وصحة الملايين مجرد "أضرار جانبية" فى صراع النفوذ السياسي، إن التلويح بالخطر الإشعاعى هو الورقة الأخيرة التى تحاول طهران استخدامها لتدويل الأزمة والضغط على القوى الكبرى لوقف آلة الحرب.
على الجانب الآخر، يبدو أن المحور الأمريكي الإسرائيلي قد اتخذ قراره بأن "التكلفة البيئية" المحتملة، رغم ضخامتها، تظل أقل وطأة من امتلاك إيران لسلاح نووي مستقبلى، الاعتماد على "الصواريخ الشبحية" والضربات الدقيقة كان يهدف بالأساس لتعطيل الوظائف الحيوية للمنشآت دون التسبب في انفجار نووي، لكن في لغة الحروب، لا توجد ضمانات كاملة، الغارات الأخيرة أثبتت أن الحصانة التى كانت تتمتع بها المواقع النووية قد سقطت تماماً، وأن القواعد القديمة للاشتباك قد دُفنت تحت أنقاض بوشهر وماهشهر.
ليأتى السؤال الآن، اذا سقطت هيبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفشل مجلس الأمن فى حماية الأمان النووى العالمى، فمن الذي يحكم قواعد اللعبة الآن؟ إن صرخة عراقجي الأخيرة، رغم صبغتها السياسية، تحمل حقيقة علمية مخيفة؛ وهى أن الإشعاع لا يعترف بالحدود السياسية ولا بخرائط النفوذ. العالم اليوم يقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى طاولة التفويض الأممى وفرض حماية إجبارية على المنشآت الحساسة، أو انتظار اللحظة التي يرتفع فيها غبار "تشرنوبل الشرق الأوسط"، وحينها لن ينفع الندم ولا الإدانات المتأخرة.