في الوقت الذي تتصاعد فيه الخلافات والانقسامات داخل ما يُعرف بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان في عدد من العواصم الأوروبية، تعود منصات محسوبة على هذا التيار إلى طرح خطاب مكثف حول دور المصريين في الخارج، باعتبارهم قوة ضغط وتأثير يمكن توظيفها في الشأن الداخلي المصري.
ويكشف تتبع هذا الخطاب، كما ورد في أحد البيانات الصادرة عن منصة "ميدان" الإخوانية عن محاولة لإعادة تعريف الجاليات المصرية في الخارج باعتبارها فاعلا سياسيا وليس مجرد امتداد اجتماعي أو اقتصادي، من خلال التأكيد على أدوار تتجاوز حدود الاندماج في المجتمعات المضيفة إلى ما يشبه "التعبئة السياسية العابرة للحدود".
ويركز خطاب المنصة الإخوانية على ثلاثية رئيسية هي الحرية في الخارج مقابل القيود في الداخل، والقوة الاقتصادية للجاليات عبر التحويلات المالية، والقدرة على التأثير في الرأي العام والمؤسسات الدولية، فضلا عن الدعوة إلى أدوار مباشرة تشمل "الضغط السياسي" و"كشف الانتهاكات" وبناء تحالفات مع برلمانيين ومنظمات دولية، إلى جانب دعم مالي ومعنوي لجهات داخل مصر، في محاولة لتأليب الرأي العام المحلي والدولي على النظام المصري.
ويأتي هذا المخطط الخبيث لاستغلال الجاليات بالتزامن مع مشهد مختلف تمامًا داخل بنية التنظيم الدولي نفسه، وفق ما تكشفه تقارير متقاطعة تشير إلى حالة انقسام حاد بين قيادات التنظيم في الخارج، لا سيما بين مراكز ثقل في لندن وإسطنبول، على خلفية صراع على النفوذ والموارد المالية وإدارة المؤسسات التابعة له.
وتتحدث هذه التقارير عن خلافات بين قيادات بارزة حول إدارة الكيانات والمراكز الإسلامية في أوروبا، وصلت في بعض الحالات إلى اشتباكات ومحاولات استحواذ على مقرات، بما يعكس تحول البنية التنظيمية إلى ساحة تنافس داخلي أكثر منها إطارا موحدا للعمل السياسي أو الدعوي.
لذلك اتجهت الجماعة الارهابية إلى إعادة هيكلة داخلية واسعة، شملت تغيير أسماء كيانات، وإنشاء روابط جديدة بواجهات مختلفة، في محاولة لتقليل الضغوط القانونية المتزايدة في عدد من الدول الأوروبية، بالتوازي مع تصاعد النقاشات في الغرب حول تصنيف بعض فروع الجماعة كمنظمات محظورة أو إرهابية.
وفي هذا السياق، يصبح الخطاب الموجه للجاليات في الخارج أقرب إلى محاولة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي عبر أدوات غير مباشرة، في وقت تواجه فيه البنية التنظيمية الأصلية تحديات متزايدة تتعلق بالشرعية القانونية، والانقسام الداخلي، وتراجع القدرة على العمل المنسق.
ويرى مراقبون، أن التركيز المتزايد على "قوة الجاليات" مجرد محاولة بائسة لتعويض التراجع التنظيمي عبر نقل مركز الثقل إلى الخارج، وتوسيع دوائر التأثير غير الرسمي، سواء عبر الإعلام أو العلاقات السياسية أو المنصات الحقوقية.
لكن بينما يسعى هذا الخطاب إلى تقديم الخارج كمنصة بديلة للتأثير، فإن المعطيات على الأرض تشير إلى أن التنظيم الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكيل معقدة، تتداخل فيها الانقسامات الداخلية مع الضغوط الدولية، بما يضعف من القدرة على بناء مشروع موحد أو خطاب متسق طويل المدى.