شيماء منصور تكتب: من قتل شفيقة حقا؟.. «متولي وشفيقة» يعيد صياغة الحكاية الشعبية

الخميس، 30 أبريل 2026 10:00 م
شيماء منصور تكتب: من قتل شفيقة حقا؟.. «متولي وشفيقة» يعيد صياغة الحكاية الشعبية شيماء منصور

لا تصدق إذا قيل لك إن كل الحكايات الشعبية بريئة كما تبدو، فبعضها يحمل في طياته قسوة مؤجلة، لا تظهر إلا حين يقرر أحدهم أن يطرحها من زاوية أخرى، هكذا قرر أمير اليماني أن يقدم عرض «متولي وشفيقة» على خشبة مسرح الطليعة، فتظهر وكأنها حكاية مألوفة، لكن في حقيقة الأمر هو لا يرويها، بل يعيد تفكيكها، ويضعنا أمام سؤال أكثر إزعاجا: من قتل شفيقة حقاً؟

 

منذ اللحظة الأولى، يخلق العرض عالمه الخاص، تماثيل حجرية تملأ الخشبة، سرعان ما تنبض بالحياة، لتتحول إلى ما يشبه الضمير الحي داخل عقل متولي، ولم تكن تلك التماثيل مجرد عنصر بصري، بل كانت جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي، تتحرك بالدراما الحركية لتجسد صراعه الداخلي، وتعيدنا مرارًا إلى ماضيه عبر انتقالات ذكية بين الخيال والواقع.

 

بداية عرض متولي وشفيقة

يفتتح العرض بفرح زائف، شفيقة عروسة، تغنى لها الأغاني وترقص الأجساد احتفالًا، لكن هذا الفرح لا يحمل سوى ملامح الوهم، كأنه تمهيد مأساوي لما سيأتي، ومن هنا، لا يسير العرض في خط زمني تقليدي، بل يغوص داخل ذاكرة متولي، حيث تتداخل الأصوات، وتعود الضحكات، وتطارده أشباح شفيقة في صورة لا تهدأ.

 

أمير اليماني يقدم شفيقة عبر ثلاث مراحل عمرية

واحدة من أهم معالجات العرض كانت تقديم شخصية شفيقة عبر ثلاث مراحل عمرية مختلفة، جسدتها ثلاث ممثلات على الخشبة، طفلة مدللة ينفذ لها أخوها كل ما تريد، ثم فتاة تتشكل ملامح وعيها بين الطاعة والرغبة، وصولًا إلى شابة تواجه مصيرها بكل ما فيه من قسوة وانكسار، هذا التعدد كشف بوضوح كيف تتحول البراءة إلى هشاشة، وكيف يدفع الإنسان تدريجيًا إلى حتفه، لا دفعة واحدة.

 

وخلال العرض تجد نفسك كمتلقي متعاطفا بقوة مع شفيقة، فهي لم تكن مجرد ضحية لخطأ أقترفته، بل كانت ضحية لغياب الأمان، فبمجرد غياب متولي وذهابه إلى الجهادية، تجد شفيقة نفسها وحيدة في مواجهة مجتمع قاسي، وخديعة حب تقودها إلى الهاوية، وهنا لا يدين العرض شفيقة، بقدر ما يفضح الظروف التي صنعت مأساتها.

 

في المقابل، لا يقدم متولي كبطل شعبي كما أعتدنا أن نراه في الرواية الشعبية، بل كشخصية مهزوزة مذنبة، تحمل تناقضاتها، وتحاول تبرير جريمتها، جاء أداؤه شديد الصدق، قادرًا على نقل هذا الصراع الداخلي بكل تفاصيله، ليجعلنا نراه إنسانًا ممزقًا، لا مجرد قاتل.

 

ولعل من أكثر المشاهد متعة مشهد المواجهة الأخيرة بين متولي وشفيقة، حيث لا تكون المواجهة بين أخ وأخته فقط، بل بين مفهومين، الشرف كما يراه المجتمع، والإنسان كما يجب أن يكون،  حتى أعلنت شفيقة أنها ماتت من زمن والمتبقى منها كان في إنتظار متولى، وتقوم هي بقتل نفسها ليتحول المشهد إلى إدانة كاملة، ليس للفعل فقط، بل للفكرة التي أنتجته، لتصبح سيرة شفيقة سجن وسجان لمتولي.

 

وهنا لنا وقفة مع البطل الحقيقي للعرض، فمن وجهة نظري أن بصمة المخرج أمير اليماني هي البطل الحقيقي، من خلال قدرته على خلق لوحات مسرحية مبهرة، موظفا السينوغرافيا بشكل ذكي يخدم المعنى لا الشكل فقط، ويظهر ذلك بوضوح في مشهد الاعتداء، الذي قدم بإيحاء بصري شديد القوة دون مباشرة، وكذلك في المشهد الختامي، حين يحاصر متولي داخل سجنه بين أشباح شفيقة الثلاث، في صورة تختزل الذنب والعقاب معًا.

 

أما أبطال العرض فقد نجح كلا منهم في توظيف موهبته وإمكانيته في الدور الذي يلعبه ليظهر كل واحد في أبهى صورة له، فقد قدم محمد فريد شخصية "متولي" بأداء قوي ومتماسك كشف عن طاقات تمثيلية كبيرة وحضور قوى على خشبة المسرح، أما أحمد عودة والذي قدم شخصية دياب، ظهر بثقل فني منح الشخصية مصداقية خاصة وجعل حضوره مميزا، كما قدمت يسرا المنسي في شخصية شفيقة أداء مميز، يجمع بين روح الطفلة ونضج الأنثى، فهي تحمل من خفة الدم الكثير بالإضافة لأداء درامي رصين، بينما نجحت منة اليماني وتقى طارق في تقديم أداء يتسم بالوعي والتمكن يعكس فهمًا حقيقيًا لأدوات التمثيل،  كما برز إسلام مصطفى في دور صالح، هذا العاشق الولهان التي رفضته شفيقة، وتحول هذا الحب لكره كبير، أما صلاح السيسي فتميز بأداء احترافي عالي المستوى، ولا يمكن أن نغفل الحضور اللافت للطفلة التي جسدت "شفيقة"، حيث قدمت عفويًا خطف الأنظار وأضفى بعدًا إنسانيًا رقيقا على العرض، إلى جانب اللمسة الكوميدية المميزة التي قدمها عبد الله شوقي والتي أضفت على العرض جانب خفيف، ونجحت في كسر حدة التوتر ليجتمع كل هؤلاء في حالة تمثيلية متناغمة دعمت رؤية العرض.

 

وعلى مستوى العناصر البصرية، جاء الديكور الذي صممه الدكتور محمد سعد ليؤسس عالمًا بصريًا متكاملًا، لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في بناء الحالة الدرامية، حيث عكس بذكاء تحولات الشخصيات وخلق فضاءً حيًا يتنفس مع كل مشهد، أما الأزياء التي صممتها غادة شلبي، فقد كانت عنصرا هاما في العرض خاصة أنه كان يكمل الصورة مع الديكور،  وجاءت منسجمة مع روح العرض وزمنه، مضيفة بعدًا جماليًا جعل هناك ثراء بصري كبير، ومن العناصر الهامة كذلك الدراما الحركية التي صممها أحمد مانو والتي كانت محركة ومعبرة للأحداث بشكل كبير، ففي مشاهد عدة كانت الدراما الحركية هي البطل الأساسي في المشهد، أما التأليف الموسيقى لأحمد نبيل جاء ليعمق المشهد ولعل تنوع الجمل اللحنية عكس على العرض إيقاع متوازن عكس تطورات الأحداث بذكاء.

 

أما الإضاءة التي صممها إبراهيم الفرن، فجاءت شديدة الحساسية في تعاملها مع الحالة الدرامية، وهذا ليس بجديد على الفرن الذي ينجح دائما في جعل الإضاءة بطلا من ضمن أبطال العرض المسرحي وليس عنصرا إضافيا، فهو لم تكتفِ بإنارة المشهد، بل استطاع أن يبرز التوترات والتحولات النفسية، ، وعلى مستوى التأليف، قدم محمد علي إبراهيم نصًا ثريا بالتفاصيل الإنسانية، نجح في الموازنة بين البعد الشعبي والطرح الدرامي العميق، مع حوار قوي يعكس صدق الشخصيات وتناقضاتها، فيما أضافت وفاء مدبولي من خلال المكياج لمسة دقيقة عززت الملامح الدرامية لكل شخصية.

 

وهنا يحسب لمدير المسرح الفنان سامح بسيوني إختياره لهذا العمل، إذ يواصل ترسيخ حضوره كأحد الداعمين الحقيقيين للتجارب الجادة، بعين قادرة على التقاط لحظات التميز وقنص الإبداع، وفي النهاية نجد المشاهد يخرج من العرض ولا يحمل داخله الحكاية الموروثة التي نعرفها لكنه يحمل أسئلة عديدة لعل أبرزها.. من قتل شفيقة حقا؟ هل متولى مذنب أم ضحية؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة