-
القس رفعت فكرى: الكتاب المقدس لم يتنبأ بحروب اليوم
في أوقات الأزمات والحروب الكبرى، تشرئب الأعناق دائمًا نحو النصوص الدينية بحثًا عن تفسيرات لما يحدث على أرض الواقع. ومؤخرًا، شهدت الساحة الدينية والمجتمعية حالة واسعة من الجدل والنقاش اللاهوتي حول مفاهيم حساسة مثل "شعب الله المختار"، ومدى ارتباط نبوات العهد القديم بالحروب المعاصرة في الشرق الأوسط. هذا الجدل الذي تداخلت فيه الأبعاد العقائدية بالتوظيفات السياسية، دفع رموزًا وقامات كنسية مصرية مرموقة من مختلف الطوائف للتدخل العاجل. عبر قراءات مسيحية أرثوذكسية وإنجيلية رصينة، سعى هؤلاء القادة إلى فك الاشتباك بين التفسير الروحي الصحيح والبروباجندا السياسية، موجهين رسالة حاسمة بضرورة "السير وراء الإنجيل لا السياسة"، ومؤكدين أن مقاصد الله أسمى من أن تُختزل في صراعات عسكرية على رقعة جغرافية.
الأنبا رافائيل يحسم الجدل: من هو "الشعب المختار" في المفهوم المسيحي المعاصر؟
جاء التحرك الأبرز لضبط المفاهيم اللاهوتية من جانب الأنبا رافائيل، الأسقف العام لكنائس وسط القاهرة، والذي وضع النقاط على الحروف في قضية "شعب الله المختار". في طرح يتسم بالعمق والهدوء، أكد الأنبا رافائيل أن هذا اللقب لا ينطبق إطلاقًا على إسرائيل في الوقت الحالي بمفهومها العرقي أو الجغرافي، بل هو لقب يخص "المؤمنين بالمسيح" حول العالم كافّة.

واستند الأسقف العام في تفسيره إلى جذور العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، موضحًا أن الاختيار الإلهي في العهد القديم لم يكن شيكًا على بياض بالتفوق العرقي أو التفضيل الدائم لجنس بعينه. لقد كان اختيارًا وظيفيًا ومحدد الهدف؛ وهو تهيئة البشرية ليأتي السيد المسيح (المخلص) من نسل معين، ممتدًا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب وصولًا إلى سبط يهوذا. وبمجرد أن وُلد المسيح وتحققت خطة الخلاص، انتهى هذا الدور الوظيفي التاريخي.

الأنبا رافائيل أسقف عام كنائس وسط البلد
ولفت الأنبا رافائيل إلى أن رفض قطاع واسع من اليهود قديماً للمسيح أدى إلى تحول جوهري؛ حيث انتقل الوعد والمفهوم ليشمل كل من يؤمن بالمسيح، بغض النظر عن هويته، أو أصله، أو جنسيته. وشدد على أن الانتماء الجسدي البشري لإبراهيم لا قيمة له في الملكوت إن لم يقترن بالسلوك في إيمانه، مستشهدًا بتعاليم يوحنا المعمدان وبولس الرسول، ومؤكدًا أن الكنيسة الأولى نفسها قامت على التنوع والوحدة بين المؤمنين من أصل يهودي ومن الأمم على حد سواء.
القمص داود لمعي يحذر: قراءة إنجيلية في خطورة تسييس الدين
وفي ذات السياق الذي فتح باب النقاش واسعًا، جاءت تصريحات القمص داود لمعي لتعيد التركيز على الجانب الروحي والوعظي الصرف. القمص داود لمعي دعا المؤمنين بعبارة صريحة: «امشوا وراء الإنجيل لا السياسة»، محذرًا من الانسياق وراء الطروحات الغربية الحديثة التي تحاول جاهدة لىّ أعناق النصوص الدينية لدعم أجندات سياسية معينة في الشرق الأوسط.
واستحضر القمص داود لمعي في قراءته الإنجيلية "مثل الكرامين الأردياء" الوارد في إنجيل متى، موضحًا كيف فسر آباء الكنيسة الأوائل هذا المثل النبوي؛ حيث أشار إلى أن رفض الأنبياء ثم رفض السيد المسيح نفسه قد رتّب نتيجة إلهية واضحة أعلنها المسيح قائلًا إن "الملكوت يُنزع ويُعطى لأمة تصنع ثماره".

القمص داود لمعى
ولم يغفل لمعي الاستشهاد بأسفار العهد القديم مثل "إشعياء" و"هوشع" التي تضمنت في طياتها توبيخات شديدة لسلوك بني إسرائيل القدامى وانحرافاتهم، مبينًا أن رسالة المسيحية هي رسالة خلاصية كونية موجهة للعالم أجمع بلا تمييز عنصري. كما حذر من الانشغال المرضي بحسابات "نهاية العالم" وربط كل حرب تندلع بنبوات الانقضاء، مؤكدًا أن الكنيسة تدعو للسلام والمحبة والاستعداد الروحي الدائم، لا الدخول في تكهنات زمنية تثير الذعر والبلبلة.
القس رفعت فكري يفك الشفرة: الكتاب المقدس لم يتنبأ بحروب اليوم
على الجانب الآخر، ومن منظور الكنيسة الإنجيلية، قدّم القس رفعت فكري رؤية لاهوتية وتاريخية حاسمة ترفض تمامًا إسقاط النبوات الكتابية على الأحداث العسكرية والسياسية الجارية. القس رفعت فكري اعتبر أن لجوء البعض لإسقاط نصوص العهد القديم على الحروب المعاصرة بعد وقوعها هو مسلك "غير دقيق وغير صحيح لاهوتيًا".
وضرب فكري أمثلة تاريخية حية، مشيرًا إلى أن هذا النهج التفسيري الخاطئ تكرر في محطات مفصلية مثل الحرب العالمية الأولى والثانية، وغزو الكويت، حيث يخرج من يحاول تطويع النصوص لتلائم الحدث بأثر رجعي. وتساءل بمنطقية: "لو كانت هذه نبوات حقيقية تصف هذه الحروب بعينها، لكان من الأولى الإعلان عنها بوضوح قبل وقوعها، لا بعد أن تضع الحرب أوزارها!".

القس رفعت فكرى
وجزم القس رفعت فكري بأن الكتاب المقدس لم يشر من قريب أو بعيد إلى الحروب الحالية، موضحًا أن الأسماء والمناطق الجغرافية التاريخية التي وردت في النبوات القديمة مثل "علام" و"فارس" كانت مرتبطة بسياقات سياسية وشعوب قديمة بائدة، وقد تحققت تلك النبوات بالفعل وانتهت قبل ميلاد السيد المسيح بقرون. وأكد أن النبوات المستقبلية الكبرى في الكتاب المقدس قد بلغت ذروتها وتحققت في شخص السيد المسيح ومجيئه.
رسالة السماء في مواجهة الغطرسة البشرية
اتفق هؤلاء القادة الدينيون الأجلاء، رغم تنوع مشاربهم الطائفية، على حقيقة جوهرية واحدة: أن الله هو "سيد التاريخ" وصانعه. وقد لخص القس رفعت فكري هذا المفهوم بالتأكيد على أن الرسالة الحقيقية المستفادة من نصوص الكتاب المقدس ليست التنبؤ بالخطط العسكرية، بل هي تحذير مستمر للبشرية من "الغطرسة والاتكال على القوة".
إن الاتكال المفرط على ترسانات السلاح والصواريخ والبطش العسكري لا يضمن بقاء أي قوة أو استمرارها، فالتاريخ يشهد على سقوط أعتى الممالك التي ظنت في نفسها الخلود. وبناءً على ما تقدم، يتبين أن الموقف المسيحي الأرثوذكسي والإنجيلي في مصر يقف بصلابة ضد الصهيونية المسيحية والتفسيرات المسيّسة للدين، داعيًا الإنسان المعاصر إلى التواضع أمام قدرة الله، والتمسك بالقيم الروحية السامية كالمحبة والسلام، والابتعاد عن توظيف الميتافيزيقيا لخدمة الصراعات الدنيوية الموقوتة.