يحمل العالم ألغاز تاريخية محيرة حيرت العلماء ويرجع غموضها إلى صعوبة توثيق بعض الأحداث وإثبات بعض النظريات حول قصص تاريخية إنسانية كبرى وفى الواقع فإن النظريات المختلفة هي التي أثرت مجالات الكثير من العلوم النظرية.
وهنا نتوقف مع تلك الألغاز التي حيرت البشرية والتي تكاثرت حولها النظريات التي يمثل كلها منها لبنة في جدار بناء يصعب الإضافة له لكن العلم به ضرورة من طباعة الإنجيل لأول مرة وإنسان نياندرتال وأسباب بناء الأهرمات.
قصة نظرية إنسان نياندرتال حقيقة أم خيال؟
في أحد أيام شهر أغسطس عام 1865، في وادي النياندرتال في شمال غرب ألمانيا، اكتشف عاملٌ في محجر جيريٍّ عظام دبٍّ كهفي؛ فوضعها جانبًا ليريها لِيوهان فولروت، وهو مؤرخ طبيعي متحمِّس.
أدرك فولروت في الحال أنه شيء أهم بكثير من أن يكون عظام دبٍّ؛ فقد كان الرأس في نفس حجم رأس الإنسان تقريبًا، ولكن كان شكله مختلفًا؛ إذ كانت الجبهة قصيرة، إلى جانب وجود نتوءات عظمية فوق العينين، وأنف كبير بارز، وأسنان أمامية كبيرة، وانتفاخ بارز من الخلف.
ومن واقع العظام التي اكتُشفت، لا بد أن الجسم كان يشبه جسم الإنسان أيضًا، وإن كان أقصر وأكثر امتلاءً وأكثر قوة بكثير من أيِّ إنسان عادى وأدرك فولروت أن ما أضفى على هذه العظام مزيدًا من الأهمية أنها قد وُجِدت وسط رواسب جيولوجية من عصور سحيقة.
اتصل المدرسُ بهيرمان شافلهاوزن، أستاذ التشريح بجامعة بون القريبة، الذي أدرك هو الآخر أن العظام غريبة واستثنائية، ووصَفها لاحقًا بأنها: تكوين طبيعي لمْ يُعرَف بوجوده حتى هذه اللحظة وكان شافلهاوزن يعتقد بالفعل أن ما اكتشفه العامل كان نوعًا جديدًا أو بالأحرى بالِغ القدم إلى أقصى الحدود من البشر، وهو نوع اصطُلح على تسميته بعد ذلك بإنسان نياندرتال، بل إن شافلهاوزن ربما يكون قد ظنَّ أيضًا أن النياندرتال كانوا أسلافًا قدماء للإنسان الحديث.
غير أنه بنهاية القرن التاسع عشر، انتشرتِ الداروينية في معظم الدوائر العلمية. فألقى بعض العلماء، أمثال جابرييل دي مورتييه في فرنسا، نظرةً أخرى على العظام وذهبوا إلى أن الإنسان الحديث تطوَّر من النياندرتال. وساهم اكتشافُ المزيد من بقايا النياندرتال في فرنسا وبلجيكا وألمانيا في تدعيم حجّتهم ما جعل من المستحيل رفضها باعتبارها بقايا شخص مريض أو حديث.
ولكن غالبية العلماء، بقيادة فرنسيٍّ آخر يُدعَى مارسيلين بول، ظلوا رافضين بشكل متعنِّت للنياندرتال كأسلافٍ للبشر. وسلَّم بول بأن الهياكل العظمية ربما كانت عتيقة، ولكنها لا تَمُتُّ بصلة للإنسان. وذهب بول إلى أن هذا النياندرتال ذا الركبة المنحنية والعنق القصير والعمود الفقري المقوس هو أقرب إلى القِرَدة منه إلى الإنسان. وأشار إلى أنه إذا كان للإنسان الحديث أيَّة صلة به، فقد تقتصر فقط على أنه ربما يكون أسلافنا البشر الحقيقيون أيًّا ما كانوا، قد محوا هذا النوع المتدهور.
وعلى مدى معظم القرن العشرين، لم يحدث شيء سوى اتساع الصدع العلمي فعلى أحد الجانبين، وقف أتباع مورتييه الذين اعتبروا النياندرتال أسلافَنا المباشرين، وإن كانوا بدائيين وعلى الجانب الآخر، وقف أمثال بول الذين اعتبروا النياندرتال على أقصى تقدير أبناءَ عمومتنا من بعيد، وطريقًا تطوريًّا مسدودًا قُدِّر أن يحل الإنسان الحديث محله وفقط في السنوات القليلة الماضية بدأ العلماء، على نحو متردِّد للغاية، في بناء جسر لرَأْب هذا الصدع.
الحقيقة حول بناء الأهرامات
كان الفشل في العثور على فرعون في مقبرته هو نقطة الانطلاق لظهور العديد من النظريات التي بُنِي الكثير منها على النظامية الرياضية التي رآها علماء المصريات في الأهرامات ففي القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، اكتشف الفلكي الاسكتلندي تشارلز بيازي سميث أن الهرم الأكبر كان به قدر كاف من البوصات الهرمية التي تجعله نموذجًا مصغرًا لمحيط الأرض ولسوء الحظ، كانت حسابات بيازي سميث الدقيقة قائمة على قياسات أُخِذَت حين كانت الأكداس الضخمة من الحطام والأنقاض لا تزال تغطي قاعدة الهرم.
ووفقا لبول آرون في كتاب الغاز متاريخية ففي عام 1974، زعم الفيزيائي كورت مندلسون أن الأهرامات كانت عبارة عن مشروعات عمل عامة وليست مقابر، وأن الهدف منها كان خلْق هوية مصرية ولم تفسِّر نظرية مندلسون عدم وجود الجثث فحسب، بل فسرت أيضًا مشكلة أخرى مزعجة شابَت نظرية المقابر، وهي تحديدًا أن العديد من الفراعنة اتضح أنهم بنَوا أكثر من مقبرة.
على سبيل المثال، كان للملك سنفرو والد خوفو ثلاثة أهرامات، ومن الصعب تخيُّل أنه كان ينوي تقسيم رفاته بينها. وكان لخوفو نفسه هرم واحد فقط، إلَّا أنه كان يضم ثلاث غرف يبدو أنها صُمِّمت كغرف دفن.
ثمّة نظرية أخرى اكتسبت العديد من الأتباع والمؤيدين، وهي أن الأهرامات كانت أضرحة تذكارية؛ أي آثارا شُيدت تكريمًا للفراعنة المتوفين ولكنها ليست مقابرهم الفعلية، التي كانت مُخبَّأة في مكان آخر للحفاظ عليها من اللصوص وكان هذا سيفسر لِمَ كانت مليئة بالسمات الجنائزية ولكن دون وجود جثث.
ويمكن فهم الأهرامات، من منظورِ ما أجمع عليه العلماء، على النحو الأفضل كجزءٍ من تدرج معماري بدأ بمقابر مستطيلة ذات قمم مُسطَّحة بُنيَت من الطوب اللبن، والتي يُطلَق عليها الآن مصاطب وبعدها بدأ المهندسون المعماريون في وضع هيكل ذي قمة مُسطَّحة فوق الآخر، ليُنشئوا ما أصبح معروفًا ﺑ الأهرامات المدرجة التي لا يزال أشهرها موجودًا في جنوب القاهرة بمنطقة سقارة وفي النهاية، وَاتَتْ أحدَهم فكرة ملء المدرجات، ليَنتج المنحدر المعروف للهرم ربما عند منطقة ميدوم، على بعد قرابة أربعين ميلًا جنوب سقارة.
وقد تزامن التطور المعماري مع التغييرات اللاهوتية، فتشير النصوص التي وجدت على المصاطب إلى وجود اعتقاد بأن الفراعنة سوف يصعدون إلى السماء على درجاتها وتعكس نصوص لاحقة من فترة الأهرامات الحقيقية وجود عبادةِ إله الشمس، وتصف الفراعنة وهم يرتفعون للسماء على أشعة الشمس وكانت الجوانب المنحدرة للهرم، التي تشبه شكل أشعة الشمس وهي تشرق من السماء، هي الطريقَ الجديد للسماء.
من اخترع الطباعة؟
لا تقدم وثيقة هيلماسبرجر التي توثق صناعة طباعة الكتب إجابات قاطعة عن الإنجيل، وكذلك النسخ التي لا تزال باقية من الإنجيل نفسه، والتي لا تحوي اسم الطابع، ولا مكان الطباعة، ولا التاريخ ولكن هناك أدلة أخرى تشير إلى يوهان جوتنبرج بوصفه الطابع؛ وتاريخ أقدم من تاريخ "سفر المزامير"
هناك ملحوظة في نسخة تُوجَد الآن في مكتبة فرنسا الوطنية بباريس تخبرنا بأن أعمال التجليد والألوان قد انتهت في أغسطس من عام 1456، وبالرجوع للوراء، فإن ذلك يجعل من المحتمل أن يكون الورق قد طُبِع في عام 1454 أو 1455؛ أي قبل أن يتمكن فوست من الاستيلاء على آلة الطباعة الخاصة بجوتنبرج.
ظهرت أدلة أخرى في عام 1947، في شكل خطاب بتاريخ مارس 1455 من إينيا سيلفيو بيكولوميني الذي أصبح فيما بعد البابا بيوس الثانيإلى كاردينال إسباني وقد وصف بيكولوميني رؤيته لصفحات من الإنجيل طُبِعَت بواسطة هذا الرجل المدهش في خريف 1454 ولم يذكر الخطاب أكان هذا الرجل المدهش هو جوتنبرج أم فوست، ولكن من خلال التحقق من تاريخ الطباعة الأقدم، يشكل ذلك حجة أقوى تدعم فكرة أن طابع إنجيل جوتنبرج، في الواقع، هو جوتنبرج.
ويرى معظم المؤرخين أن الملحوظة والخطاب قد أمَّنَا ادعاء جوتنبرج بأحقيته في الشهرة.
غير أن ذلك لا يعني حرمان يوهان آخر وهو يوهان فوست من مكانة مهمة في تاريخ الطباعة فعلى مدى قرون، كان فوست شريكا في اختراع الطباعة كما يذكر بول آرون في كتابه ألغار تاريخية محيرة الوغد الرأسمالي ولكن كان هناك خلاف حول هل مول فقط الطباعة أم ساهم في اختراعها فقد انتظر فوست حتى استثمر جوتنبرج كل أموالهما في طباعة الإنجيل وعندما أدرك بعدها أن جوتنبرج لن يتمكن بأي حال من ردِّ أمواله له، طالبه بسداد قرضه وحجز على أصول المشروع.
كان المؤرخون المعاصرون أكثر رفقًا بفوست، وكان من أسباب ذلك أن كثيرين ذكروا أن فوست قد نشأ في عائلة من صائغي الذهب ومن ثَمَّ، حتى لو كان الاختراع مملوكًا لجوتنبرج، فإنه لم يكن ينبغي نبذ فوست كمجرد شخص استغلالي متعطش للمال، وليس لديه اهتمام بأية مهارة حِرفية.
وعليه، لم يكن فوست شيطانًا كما لم يكن جوتنبرج قديسًا؛ بل ربما يكون فوست قد أدخل بعض التحسينات التقنية الصغيرة على آلة الطباعة وبالمثل، قد يكون جوتنبرج قد تعلم بعض التقنيات من فالدفوجل وكوستيه، أو من آخرين في فرنسا أو إيطاليا أو ألمانيا. وربما يكون أيضًا قد حصل على بعض الأفكار من الشرق الأقصى؛ حيث كان هناك شكل ما من الحروف المعدنية يُستخدَم لقرون، وحيث كان الورق — فضلًا عن الحرير، والبارود، والبورسلين — قد اختُرع. وبشكل متزايد، صار المؤرخون يرون كلَّ هذه الأماكن، وكلَّ هؤلاء الحرفيين والمخترعين، كجزء من عملية تدريجية أدَّت إلى اختراع آلة الطباعة.
وأيًّا كان التوقيت، فقد ابتكر جوتنبرج وسيلة تَطبع في يوم واحد أكثر مما كان يمكن للناسخين كتابته في عام، ومن بعدها لم يعُدِ العالم كما كان من قبل قط.