أعاد رحيل الدكتور مختار نوح إلى الواجهة واحدة من أكثر الشهادات إثارة للجدل حول كواليس جماعة الإخوان الإرهابية، خاصة أنه لم يكن مجرد مراقب لممارسات الجماعة، ولكنه كان قياديا سابقا أمضى ربع قرن داخل التنظيم قبل أن ينقلب عليه فكريا وتنظيميا، في حواره ضمن برنامج "مراجعات" مع ضياء رشوان، قدم نوح رواية تفصيلية عن بنية الجماعة، كاشفا ما وصفه بـ"الوجه الخفي" الذي يحكمها.
من حلم العدالة إلى صدمة التنظيم السري
بدأت علاقة نوح بالجماعة مدفوعة بأحلام جيل ما بعد حرب أكتوبر 1973، حيث البحث عن العدالة الاجتماعية والانتصار للفقراء، إلا أن هذه الدوافع المثالية اصطدمت تدريجيا ـ وفق روايته - بواقع تنظيمي شديد التعقيد، فقد أكد أن الانضمام تم عبر بوابة الوعود التي قدمها المرشد آنذاك عمر التلمساني، قبل أن يكتشف لاحقا أن ما يُعرض علنا يختلف جذريا عما يُدار في الخفاء.
التنظيم الخاص.. الدولة داخل الدولة
أخطر ما كشفه نوح يتمثل في وجود ما يُعرف بـ"التنظيم الخاص"، والذي وصفه بأنه "الأصل" داخل الجماعة، بينما يمثل التنظيم العلني مجرد واجهة سياسية، هذا الكيان – بحسب شهادته – يمتلك القرار الحقيقي، ويتحكم في اختيار القيادات وتوزيع الأدوار داخل مؤسسات الدولة حال الوصول للسلطة، مشيرا إلى أن هذا التنظيم ليس وليد لحظة، لكنه ممتد منذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، وتم تطويره لاحقًا بواسطة قيادات مثل محمود عزت وخيرت الشاطر.
العنف كخيار استراتيجي
واحدة من أبرز النقاط التي شدد عليها نوح هي أن العنف ليس انحرافا طارئا داخل الجماعة، ولكن جزء رئيسي من بنيتها، فقد قال نصا: "يد التنظيم الخاص على الزناد أقرب من المصحف"، في إشارة إلى أولوية استخدام القوة عند الحاجة، مستشهدا بحوادث مثل ميليشيات الجامعات في التسعينيات، معتبرًا إياها "اختبارا" لقياس رد فعل الدولة، وهو ما يعكس استعدادا دائمًا للتصعيد.
ازدواجية الخطاب: سلمية معلنة وسرية مسلحة
وأكد نوح أن الجماعة تعاني من "انفصام تنظيمي"، حيث تقدم خطابا سياسيا معتدلا في العلن، بينما تدير في الخفاء شبكات تنظيمية مغلقة تتبنى أدوات مختلفة، بما فيها العنف، هذه الازدواجية كانت أحد الأسباب الرئيسية لفقدانه الثقة في مشروع الجماعة.
الفكر القطبي.. المحرك الأيديولوجي
حمل نوح جانبا كبيرا من مسؤولية هذا التحول إلى أفكار سيد قطب، التي رسخت مفاهيم مثل "جاهلية المجتمع" و"الحاكمية"، هذه الأفكار كما أوضح، لم تبق في إطارها النظري، بل تحولت إلى ممارسات عملية داخل التنظيم، تبرر العنف وتسعى للتمكين السياسي بأي وسيلة.
يناير 2011.. لحظة انكشاف
اعتبر نوح أن أحداث ثورة 25 يناير 2011 كشفت بوضوح دور التنظيم الخاص، مشيرا إلى أنه كان يدير المشهد ميدانيا ولوجستيا من خلف الكواليس، وهو ما عزز قناعته بوجود "إدارة خفية" للأحداث.
قرار القطيعة.. من الداخل إلى المواجهة
بعد سنوات من التدرج التنظيمي، قرر نوح الانسحاب نهائيا مدفوعا بما وصفه بتراكم التناقضات بين الشعارات والممارسات، لم يتوقف عند الانسحاب، بل تحول إلى ناقد علني للجماعة، كاشفا "حقائق لم يعد ممكنا السكوت عنها"، رغم ما واجهه من ضغوط وحملات تشويه.
رسالة أخيرة: الوعي قبل الانتماء
في خلاصة تجربته، وجه نوح رسالة واضحة للشباب بضرورة التمسك بالهوية الوطنية، وممارسة التفكير النقدي، محذرًا من الانخراط في تنظيمات مغلقة تستبدل الولاء للوطن بولاء للتنظيم.