على مدار عقود طويلة، ارتبطت الصورة الذهنية التقليدية لعضو جماعة الإخوان في الوعي المصري بنمط بصري وسلوكي محدد، رجل بلحية كثيفة، يرتدي جلبابًا قصيرا أو ملابس ذات طابع ديني واضح، يستخدم مصطلحات مباشرة ذات مرجعية دينية صريحة مثل "الإسلام هو الحل"، ويتحدث بلغة يغلب عليها الطابع الوعظي والتنظيمي.
هذا النموذج الذي تجسد في مراحل مختلفة مع شخصيات تاريخية بارزة مثل حسن البنا وسيد قطب وعمر التلمساني، أسهم في تشكيل تصور اجتماعي ثابت عن طبيعة الجماعة وهويتها، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا ملحوظا في هذا النموذج، ليس فقط في الشكل الخارجي، وإنما أيضا في اللغة والخطاب وأدوات التأثير، بما يعكس تطورا في استراتيجيات تقديم الذات داخل المجال العام، خاصة بعد المتغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها مصر والمنطقة منذ عام 2013.

سيد قطب
في الماضي، كان من السهل نسبيا على المواطن العادي أن يميز المنتمي للفكر الإخواني من خلال مظهره أو مفرداته أو حتى طريقة حديثه، كانت هناك إشارات واضحة ومباشرة ترتبط بالهوية التنظيمية، سواء في المظهر المحافظ أو في الخطاب الذي يركز على فكرة الحاكمية والتمكين وأستاذية العالم وإقامة الدولة الإسلامية.
اليوم، تغيرت المعادلة بشكل كبير، فالجيل الجديد الذي خرج من رحم التنظيمات ذات الخلفية الإخوانية لم يعد بالضرورة يحمل المظهر التقليدي ذاته، فيما اختفت في حالات كثيرة اللحية الكثيفة والجلباب، وحلت محلها بدلات رسمية، ملابس عصرية، مظهر شبابي مألوف، وشعر مصفف وفق الموضة الحديثة، بما في ذلك "الشعر الكيرلي" الذي أصبح جزءا من الشكل الشبابي العام.

حسن البنا
هذا التحول لم يكن شكليا فقط، بل امتد إلى طبيعة الخطاب نفسه، حيث إن المصطلحات الصدامية أو الشعارات المباشرة ذات الطابع الأيديولوجي الصارخ تراجعت، لتحل محلها لغة أكثر نعومة ومرونة، تستخدم مفاهيم مثل الحريات، العدالة الاجتماعية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، وتمكين الشباب، وهي مفردات تبدو أقرب إلى الخطاب الليبرالي والمدني منها إلى الخطاب الإسلامي الحركي التقليدي.

يحيى موسى
هذا التغير يعكس إدراكا تنظيميا بأن المجتمع أصبح أكثر حساسية تجاه الخطاب الديني السياسي المباشر، والوصول إلى شرائح جديدة من الشباب يتطلب خطابا مختلفا وشكلا أكثر قبولا واندماجا داخل النسيج الاجتماعي، والتحول هنا لا يعني بالضرورة تغييرا جوهريا في البنية الفكرية، بقدر ما يعكس إعادة تموضع في أدوات التواصل والتجنيد والتأثير، فالفكرة المركزية داخل التنظيمات الأيديولوجية عادة ما تحتفظ بجوهرها، حتى لو تغيرت طريقة تسويقها أو الواجهة التي تقدم من خلالها.

رضا فهمي
وهنا تبرز قضية الوعي المجتمعي كعنصر أساسي في قراءة هذه التحولات، فالتحدي لم يعد مرتبطا فقط بتمييز الشكل التقليدي المعروف، بل بفهم أن الأفكار والتنظيمات تتطور في أدواتها وأساليبها بما يتناسب مع تغيرات الزمن والواقع السياسي والإعلامي، والرهان اليوم لم يعد على المظهر كوسيلة للحكم أو التقييم، بل على قراءة الخطاب، وتحليل الأفكار، وفهم السياقات التي تتحرك فيها هذه التنظيمات، لأن التاريخ السياسي للحركات الأيديولوجية يثبت أن تغير الشكل الخارجي لا يعني بالضرورة تغيرا في المشروع أو الأهداف.
السنوات الأخيرة كشفت عن تحول لافت؛ ليس فقط في المظهر، وإنما في فلسفة تقديم الذات داخل المجال العام. لم يعد الإخواني يأتي بالصورة التقليدية التي اعتادها الناس، بل أصبح أكثر اندماجا في المجتمع، وأكثر شبها بالشباب العاديين، إلى درجة يصعب معها أحيانا التمييز بينه وبين غيره.
من "الصورة النمطية" إلى "الاختفاء في الزحام"
قديما، كان الشكل التقليدي يخدم التنظيمات الأيديولوجية لأنه يمنحها هوية واضحة ويصنع حالة من التمايز عن المجتمع، فكان المظهر جزءا من فكرة الاصطفاء التنظيمي، ورسالة بصرية تقول: نحن مختلفون، لكن مع تغير السياقات السياسية والاجتماعية، لم يعد هذا النموذج عمليا أو فعالا.
اليوم، التنظيمات التي تعتمد على الانتشار والتأثير تدرك أن الظهور بالشكل التقليدي قد يثير الشكوك أو الرفض الاجتماعي المبكر، لذلك حدث تحول تكتيكي مهم، وهو الانتقال من التميز البصري إلى الاختفاء داخل المشهد الطبيعي، وبدلا من الجلباب، أصبحت الملابس الكاجوال والبدلات الحديثة هي الغالبة، وبدلا من المظهر التقليدي المحافظ، أصبح هناك اهتمام بالمظهر العصري، تصفيف الشعر وفق الموضة، الحضور الاجتماعي الطبيعي، وحتى اللغة اليومية العادية، والفكرة أصبحت واضحة "الاندماج لا العزلة".
إدارة الصورة كجزء من الاستراتيجية
التحول في المظهر ليس مسألة شخصية فقط، بل يمكن قراءته باعتباره جزءا من إدارة الصورة، سنجد أعضاء للإخوان أصبحوا يرتدون أحدث المبلاس الكاجوال وأحدث التسريحات، مثل على عبدالونيس الذي ظهر في العديد من الصور بالشعر الكيرلى، أو منتصر ويحيى موسى فلا يمكن عندما تنظر إليهم تشعر أنهم إخوان، فلا لحية أو جلبات بل ملابس على أحدث موضة، والهوية البصرية اليوم أصبحت أداة تكتيكية.
المظهر المهندم، الملابس الحديثة، الحديث المرن، الحضور الهادئ، كلها أدوات تساعد في تقليل الحواجز النفسية بين الشخص المنتمى للإخوان والمجتمع، وهنا يظهر الفرق بين التدين الحقيقي باعتباره علاقة فردية بين الإنسان وربه، وبين التوظيف الشكلي للدين كأداة تنظيمية أو سياسية، ففي الماضي كان التوظيف يتم عبر المظهر الصريح، واليوم يتم عبر المظهر المحايد.
على عبدالونيس بشعر كيرلى
في الماضي كنا نسمع حسن البنا يحدثنا عن أستاذية العالم، وسيد قطب يتحدث عن ما الوطن إلا حفنة من التراب أو حديثه عن أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة تعيش في جاهلية تشبه ما قبل الإسلام، وأنها مجتمعات منقرضة أو جاهلية، حتى لو نطقوا الشهادتين، لكن نسمع من عناصر الإخوان الآن مصطلحات لها علاقة بالليبرالية والعولمة، فالرسالة تغيرت، لكن الهدف في بعض الحالات قد يبقى واحدا هو الوصول والتأثير.
منابر جديدة.. كيف صنعت المنصات الرقمية نموذجا جديدا؟
التحول الأكبر لم يكن فقط في الشارع، بل على المنصات الرقمية، فمنصات مثل تويتر وفيس بوك وتليجرام وتيك توك، صنعت بيئة جديدة تماما، وفي هذه البيئة، لم يعد المحتوى المتطرف يأتي بصورته التقليدية، بل يظهر في شكل فيديوهات عادية، محتوى يومي، حديث عن النجاح، التنمية، المشاعر، القضايا الاجتماعية، أو حتى الكوميديا الخفيف، وكل شيء يبدو طبيعيا، لكن داخل هذا المحتوى قد تمر رسائل فكرية تدريجية، تُبنى بهدوء، وتقدم بطريقة غير صدامية، هذا ما يجعل المنصات الرقمية بيئة خصبة للتأثير، فالمحتوى لم يعد يصرخ، بل يهمس.

محمد منتصر
لماذا أصبح الشباب هو الهدف الرئيسي؟
الشباب اليوم هم الفئة الأكثر حضورا على المنصات، والأكثر عرضة للتأثر بالخطابات الجديدة، ليس لأنهم أكثر قابلية للتطرف، ولكن لأنهم يعيشون مرحلة بحث عن الهوية، المعنى، والانتماء، وهنا تستغل الجماعات الأيديولوجية هذه المرحلة، وتستخدم لغة قريبة من الحياة اليومية، حيث تتحدث عن الظلم، وعن الفرص الضائعة، والإحباط، وفقدان العدالة، والهوية والانتماء، عبر توظيفها داخل خطاب تعبوي قد يحولها إلى مدخل فكري خطير.
اللغة الجديدة لم تعد لغة الكتب القديمة، بل لغة الشارع، والمنصات، والريلز، والميمز، فمن الخطاب المباشر إلى الخطاب الناعم، ففي الماضي، كانت الشعارات مباشرة وصريحة، واليوم، تغيرت الأدوات، واختفت الشعارات الصادمة، وحل محلها خطاب ناعم، وأفكار مغلفة، ورسائل تدريجية، وتشكيك هادئ، واستقطاب نفسي، وبناء قناعات على مراحل، وهو ما يصفه بعض الباحثين بـ"التطرف التدريجي"، حيث لا ينتقل الفرد من الاعتدال إلى التطرف دفعة واحدة، بل عبر مسار طويل من الأفكار الصغيرة المتراكمة، وهنا تكمن الخطورة، لأن الخطر لا يعود واضحا بل يصبح متنكرا في هيئة خطاب عقلاني أو إنساني أو حقوقي.
على عبدالونيس
كيف نميز؟
الشكل الجديد جعل عملية التمييز أكثر تعقيدا، فلم يعد ممكنا الاعتماد على اللحية أو الجلباب أو المصطلحات القديمة، والمعيار الحقيقي أصبح في الأفكار، في طريقة تحليل الأحداث، في الموقف من الدولة، وفي النظرة إلى المجتمع، وفي تبرير العنف، وشرعنة الفوضى، وتقسيم الناس بين "معنا" و"ضدنا"، وهذه المؤشرات الفكرية أهم بكثير من أي مظهر خارجي.
الأسرة والمجتمع.. خط الدفاع الأول
أمام هذا التطور، أصبحت مسؤولية الأسرة والمجتمع أكبر، فالمراقبة هنا لا تعني الشك، بل تعني الفهم، حيث فهم المحتوى الذي يستهلكه الشباب، وفهم اللغة الجديدة، والتأثيرات النفسية والاجتماعية، وبناء مناعة فكرية قائمة على الحوار والوعي، لا التخويف.
التطرف لا وجه له
من المهم التأكيد على نقطة جوهرية وهو أن التطرف لا يُعرف بالمظهر، وليس كل صاحب لحية متطرفا، وليس كل شخص بملابس عصرية معتدلا، فالتطرف يُعرف بالأفكار والسلوكيات والمواقف، والتعميم أو الوصم بناء على الشكل خطأ كبير، لأنه يضلل المجتمع ويصرف الانتباه عن الخطر الحقيقي، والدرس الأهم اليوم أن التطرف تطور في شكله وأدواته، فلم يعد يرتدي جلبابا بالضرورة، فقد يرتدي بدلة، وشعره يكون كيرلى ويتحدث بلغة عصرية، لكن الفكرة إن كانت قائمة على العنف، هدم الدولة، وإقصاء المجتمع تبقى هي نفسها مهما تغير الغلاف.
التحول من صورة "الدقن والجلباب" إلى صورة "البدلة والمظهر العصري" يعكس تطورا في أدوات الحضور الاجتماعي والسياسي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا مهما حول قدرة المجتمعات على مواكبة هذا التحول بالوعي والتحليل، بعيدا عن الأحكام السطحية المبنية على المظهر فقط، فالمعركة الحقيقية، ليست مع الشكل، وإنما مع الفكرة، لأن الأفكار مهما غيرت وجوهها تظل هي العامل الحاسم في تشكيل السلوك والمواقف والمشروعات السياسية، وهنا يصبح الوعي هو السلاح الحقيقي؛ لأن فخ "البدلة والشعر الكيرلي" قد يكون أكثر خطورة من فخ "الدقن والجلباب"، ليس لأن الشكل أخطر، بل لأن القدرة على التمويه أصبحت أكبر، والتمييز أصبح أصعب، والمعركة لم تعد مع المظهر، بل مع الفكرة ذاتها.