شهدت الأسواق العالمية للطاقة والبتروكيماويات خلال شهر مارس 2026 تصاعداً في الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى بروز صدمة إمدادات مفاجئة أعادت ترتيب أولويات السوق على المدى القصير، فبعد أن كانت الأسواق في بداية العام محكومة أساساً بعوامل فائض المعروض، انتقلت بسرعة إلى حالة من القلق بشأن استمرارية الإمدادات، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية للطاقة ومسارات الشحن الحيوية.
انعكست هذه التطورات وفقا لتقرير لمنظمة " أوابك"،بشكل مباشر على أسواق الطاقة، حيث شهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعات حادة خلال فترة زمنية قصيرة فقد ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 50% منذ بداية التصعيد، متجاوزة مستويات 119 دولاراً للبرميل في بعض الفترات، في حين سجلت أسعار الغاز الطبيعي - لا سيما في أوروبا - زيادات تراوحت بين %50% و 60% نتيجة تعطل الإمدادات وتراجع مستويات التخزين، وفقاً لتقارير Reuters .
وأشار تقرير منظمة "أوابك"،أن هذه الزيادات اسهمت في رفع تكاليف الطاقة واللقيم المستخدم في الصناعات البتروكيماوية، خاصة في المناطق المستوردة للطاقة حيث شهدت أسعار النافثا ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأسبوع الأول من شهر مارس بنحو 18-20%، مدفوعة بمخاوف تعطل الإمدادات وإعادة تسعير المخاطر في السوق الفورية، مع بلوغ علاوة النافثا في الدول الأعضاء في أوابك من دول الخليج العربية أعلى مستوياتها منذ عامين ، وفقاً لبيانات Argus Media Polymerupdateفي موازاة ذلك برزت اختناقات لوجستية حادة نتيجة اضطراب حركة الملاحة في عدد من المسارات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يعد نقطة عبور رئيسية لنحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية.
وأدى تقييد الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية إلى تراجع حركة السفن وارتفاع ملحوظ في تكاليف الشحن والتأمين، حيث قفزت تكاليف استئجار ناقلات الغاز الطبيعي المسال - (Charter Rates) هي تكلفة استئجار السفينة نفسها، وليس تكلفة نقل كل طن من الشحنة - إلى أكثر من 250 ألف دولار يومياً في بعض الرحلات الفورية، مقارنة بنحو 42 ألف دولار يومياً قبل الأزمة، وفقاً لتقارير Reuters وانعكس ذلك في تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف النقل مما زاد من الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
كما امتدت هذه التأثيرات إلى أنماط التجارة الدولية، حيث بدأت الأسواق المستوردة لا سيما في آسيا - في تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على منطقة واحدة، في حين سعت بعض الدول المنتجة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تعزيز صادراتها من المنتجات البتروكيماوية للاستفادة من الفجوة المؤقتة في الإمدادات، وفقاً لتقديرات Argus Media
أما على مستوى المنتجات النهائية، فقد انعكست هذه الصدمة في ارتفاع ملحوظ في أسعار البوليمرات، خاصة البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، حيث سجلت الأسواق زيادات ملموسة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة مدفوعة بارتفاع تكاليف اللقيم والشحن إلى جانب اضطراب تدفقات المواد الأولية من الشرق الأوسط. كما أشارت تقارير Reuters إلى أن أسعار البلاستيك بلغت أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات في بعض الأسواق، في ظل نقص نسبي في المواد الوسيطة وتأخير في الإمدادات، مما أثر على استمرارية سلاسل التوريد الصناعية.
ويؤكد ذلك الترابط الوثيق بين أسواق الطاقة والبتروكيماويات، حيث لم تعد هذه الأخيرة مجرد صناعات تحويلية تابعة، بل أصبحت تتأثر بشكل مباشر وفوري بتقلبات أسواق النفط والغاز، سواء من حيث تكلفة اللقيم أو استقرار الإمدادات، بما يعزز من حساسيتها للدورات الجيوسياسية.
في هذا الإطار، ووفقاً لتقارير Argus Media و Reuters برزت مؤشرات على تعرض جزء من الطاقات الإنتاجية العالمية - خاصة في قطاع الميثانول - لمخاطر التعطل، حيث ارتبطت هذه المخاطر بشكل مباشر باضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. فقد أدى إعلان القوة القاهرة على صادرات الغاز في دولة قطر، إلى جانب التحديات التشغيلية في بعض الدول المنتجة للغاز في المنطقة، إلى تقليص توفر اللقيم للصناعات التحويلية، بما في ذلك إنتاج الميثانول.
تشير تقديرات السوق إلى أن نحو 17% من الطاقة الإنتاجية العالمية للميثانول كانت عرضة للتأثر المباشر أو غير المباشر خلال هذه الفترة، وهو ما دفع المشترين إلى تأمين احتياجاتهم من مصادر بديلة، وعزز من حالة التقلب في الأسواق.
ومن زاوية تحليلية، يمكن توصيف هذه التطورات بأنها تمثل صدمة مزدوجة"، حيث تتعرض الدول المنتجة لضغوط على جانب العرض نتيجة تعطل الإنتاج والتصدير، في حين تواجه الأسواق المستوردة وخاصة أوروبا - ضغوطاً متزايدة على جانب التكلفة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واللقيم ،ويسهم هذا التفاعل في تضخيم الأزمة على الأسواق العالمية، سواء من حيث الأسعار أو استقرار الإمدادات.
وعليه، يمكن القول إن صدمة مارس 2026 لم تلغي فائض المعروض القائم في السوق، لكنها أعادت ترتيب أولويات المتعاملين، حيث تحولت الأسواق مؤقتاً من التركيز على وفرة الإمدادات إلى تقييم المخاطر المرتبطة باستمراريتها.
وانعكس ذلك في زيادة حساسية الأسعار للأحداث الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف اللوجستيات، وتنامي أهمية مرونة سلاسل الإمداد كعامل حاسم في استقرار السوق خلال فترات الاضطراب .