بدأت صناعة التعدين العالمية، من المناطق النائية في أستراليا إلى إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تشعر بتأثيرات الاضطرابات الناجمة عن الحرب في إيران، حيث بدأت الاختناقات الناتجة عن الحرب تتسرب عبر سلاسل الإمداد، ما يضغط على الوصول إلى مدخلات التعدين الرئيسية ويزيد تكاليف إنتاج بعض أكثر المعادن طلبًا في العالم.
وتتمثل أبرز التأثيرات في ارتفاع أسعار الديزل، وهو الوقود الرئيسي الذي يشغل المعدات الثقيلة في مواقع المناجم، بالإضافة إلى الكبريت، المستخدم في معالجة نحو سدس النحاس في العالم، بحسب تقرير لوكالة "بلومبرج" الأمريكية.
حرب إيران تضغط على صناعة التعدين العالمية وترفع تكاليف الإنتاج
حتى الآن، لم يحدث تأثير كبير على إنتاج المعادن عالميًا لأن شركات التعدين الكبرى تمكنت من تأمين الإمدادات وامتصاص التكاليف المرتفعة، لكن المنتجين الأصغر، من أفريقيا إلى أستراليا، بدأوا يشعرون بالضغوط مع استمرار الصراع. وكلما طالت الحرب، زادت المخاطر على قطاع يعاني بالفعل من تعطل المناجم وتأخر المشاريع، في وقت يتسارع فيه الطلب على المعادن الحيوية.
ويشكل الشرق الأوسط نحو نصف الكبريت المنقول بحرًا في العالم وما لا يقل عن 10% من شحنات الديزل، وفق بيانات جمعتها "جولدمان ساكس" و"بنك أوف أمريكا"، ويعد الكبريت، وبالتالي حمض الكبريتيك، مدخلًا أساسيًا في عمليات معالجة حيوية تنتج ما يمثل نحو 17% من إمدادات النحاس العالمية.
وفي حال تصاعد الاضطرابات المرتبطة بالحرب، قد تبدأ في تقليص الإنتاج العالمي البالغ 23 مليون طن سنويًا من النحاس بشكل ملموس، ما يدفع أسعار المعادن المرتفعة بالفعل إلى مزيد من الارتفاع، وقد ارتفعت العقود الآجلة في بورصة لندن للمعادن بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي، ولامست في يناير مستوى قياسيًا تجاوز 14500 دولار للطن.

محطة وقود أمريكية
وتُعد جمهورية الكونغو الديمقراطية، ثاني أكبر منتج للنحاس في العالم وأكبر مورد للكوبالت المستخدم في البطاريات، من أكثر الدول تعرضًا للمخاطر، إذ يأتي معظم الكبريت لديها من الشرق الأوسط، ويعتمد إنتاجها بشكل كبير على هذه العمليات الحيوية، التي تعتمد على الأحماض لاستخراج النحاس والكوبالت من الخامات دون الحاجة إلى المصاهر التي تنتج الحمض كمنتج ثانوي.
ونقلت "بلومبرج" عن مصدر مطلع، أن تأمين إمدادات جديدة من الكبريت قد يستغرق نحو شهرين، بينما لا تغطي المخزونات في بعض المنشآت سوى شهر واحد، وقد بدأ بعض المنتجين الصغار للنحاس والكوبالت في خفض الإنتاج بسبب صعوبة الحصول على الكبريت بأسعار مناسبة وارتفاع تكاليف الديزل.
وارتفعت أسعار الكبريت محليًا إلى نحو 1200 دولار للطن، أي ما يقرب من ضعف مستويات ما قبل الحرب، وفق وكالة "أرجوس"، فيما وصلت بعض الشحنات الصغيرة إلى 1400 دولار للطن مع تسابق المصانع لتأمين الإمدادات، وإذا استمرت اضطرابات الإمداد حتى يونيو، يقدّر محللو جولدمان أن جمهورية الكونغو الديمقراطية قد تخفض إنتاجها بنحو 125000 طن هذا العام.

وفي زامبيا، قال جوناثان مورلي كيرك، المدير المالي لشركة "جوبيلي" للمعادن، إن اضطراب الإمدادات من المصاهر المحلية والحرب في الشرق الأوسط جعلا "حمض الكبريتيك مصدر قلق"، مضيفًا أن الشركة تدرس شراء الإمدادات بشكل مشترك مع شركات أخرى.
ومن المتوقع أن يقدم مسؤولو شركات التعدين تقييمًا أوضح لمخاطر الاضطرابات خلال الأسابيع المقبلة مع إعلان النتائج الفصلية، ومع تفاقم اضطرابات الكبريت في الشرق الأوسط، أشارت الصين إلى خطط لوقف صادرات الحمض الناتج كمنتج ثانوي من صهر النحاس والزنك اعتبارًا من مايو، وهو ما قد يحجب نحو 1.5 مليون طن من السوق حتى ديسمبر، أي ما يقارب عُشر السوق البحرية.
ويشكل ذلك تحديًا خاصًا لتشيلي، التي استوردت نحو 30% من احتياجاتها من الحمض من الصين العام الماضي، وإذا استمرت القيود حتى نهاية العام، فقد يتعرض ما يصل إلى 200 ألف طن من الإنتاج المعتمد على الحمض للخطر، أي نحو 1% من الإمدادات العالمية.

ورغم أن شركة "كوديلكو" التشيلية تنتج معظم احتياجاتها من الحمض وقد ثبتت أسعارها قبل الحرب، فإنها تراقب قدرة الموردين على الوفاء بالتزاماتهم، بحسب برايم شيبل، المسؤول التجاري بالشركة، كما تعتمد شركة فريبورت ماكموران على التحوط، لكن رئيستها التنفيذية كاثلين كويرك قالت إن إمدادات الحمض "ضمن قائمة المخاوف".
ورغم تشدد سوق الكبريت، يؤكد المتداولون أن المشترين لا يزالون قادرين على تأمين شحنات بديلة، وقال محلل سوق المعادن جرايم ترين: "الكبريت متوفر لمن يستطيع دفع السعر".
وأشار مصدر مطلع لـ"بلومبرج" إلى أن بعض منتجي النيكل في إندونيسيا لجؤوا إلى مصادر من آسيا الوسطى وكندا، ولكن بأسعار أعلى بكثير، فيما ذكرت شركة "تشجيانج هوايو كوبالت" الصينية إنها قد تخفض الإنتاج إذا استمرت ضغوط الإمدادات، حيث أوضح رئيسها تشين شيويهوا أن الشركة "تفاجأت" بارتفاع الأسعار.
وفي استراليا، أعربت شركة "لايناس" للمعادن النادرة عن ثقتها في تأمين إمدادات كافية من حمض الكبريتيك لمصانعها المحلية ومصفاتها في ماليزيا، لكن الرئيسة التنفيذية أماندا لاكاز قالت إن التأثير الأكبر يتمثل في ارتفاع التكاليف.

كما تؤدي اضطرابات الديزل إلى زيادة تكاليف التعدين، خاصة في عمليات التعدين السطحي للنحاس والفحم وخام الحديد والليثيوم، وقدّرت شركات كبرى مثل كوديلكو وأنتوفاجاستا زيادة التكاليف بنحو 5%، وهو مستوى يمكن تحمله نسبيًا، لكن الخطر الأكبر في بعض المناطق يتمثل في توفر الوقود فعليًا، خاصة في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تعتمد مناجمها على واردات الديزل عبر طرق إمداد طويلة ومعقدة.
وأشار محللو "بنك أوف أمريكا" إلى أن "سلسلة الإمداد المجزأة والمعتمدة على النقل تجعل توفر الديزل محدودًا ومكلفًا بشكل خاص في مناطق التعدين"، مضيفين أن توفر الوقود في جمهورية الكونغو الديمقراطية ليس مجرد عامل تكلفة بل "قيد تشغيلي حاسم".

أما في أستراليا، فقد أثر نقص إمدادات الديزل بالفعل على بعض الشركات الصغيرة، بينما بقيت الشركات الكبرى أكثر تحصنًا، رغم ارتفاع التكاليف، وأشارت شركة "ريو تينتو" الأسترالية إلى أن التأثير التشغيلي محدود حتى الآن، فيما اضطرت شركة "فينيكس ريسورسز" إلى تقليص أنشطتها غير الأساسية بسبب قيود الوقود، مع تقارير عن صعوبات في حجز شحنات الفحم الإندونيسي بعد يونيو.
وبدأت بعض أكبر شركات التعدين في العالم تحذر المستثمرين من ارتفاع التكاليف المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، وحذرت شركة "تيك ريسورسز" من ارتفاع تكاليف الوقود في مناجمها التشيلية، مشيرة إلى احتمال زيادة التكاليف بسبب الاعتماد على واردات الديزل، كما رفعت شركة "فريبورت" تقديرات تكاليف 2026 نتيجة تقلب أسعار الديزل وحمض الكبريتيك.
وقال ماكسيمو باتشيكو، رئيس شركة "كوديلكو"، إن تأثيرات الحرب أصبحت عبئًا غير متوقع على القطاع، مضيفًا: "لم يكن أحد يتوقع حدوث ذلك. إنتاج النحاس أصبح أكثر صعوبة يومًا بعد يوم".
8 أسابيع من تداعيات حرب إيران تضغط على التضخم والاقتصاد الأمريكي
خلال الأسابيع الثمانية منذ بدء الحرب في إيران، أدى الصراع إلى رفع أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولار للجالون، وزيادة الضغوط على مشتري المنازل، ودفع التضخم إلى أعلى مستوى له منذ ما يقرب من عامين، وحتى إذا انتهت الحرب قريبًا من المرجح أن يشعر الأمريكيون بتأثيرها المالي لعدة أشهر، بحسب خبراء اقتصاديين.
وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة "موديز أناليتيكس"، مارك زاندي، في تصريح لشبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية: "أعتقد أن الضرر قد وقع بالفعل، جزئيًا لأنه لا يمكن التراجع عن أسعار النفط، على الأقل في المستقبل القريب".

وعطلت الحرب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، ونتيجة لذلك ارتفعت أسعار النفط، ما خلق تداعيات واسعة على الأمريكيين عند تعبئة الوقود أو حجز الرحلات، وبحلول منتصف يوم الجمعة، تم تداول خام برنت عند 105 دولار للبرميل، بزيادة 44% مقارنة بما قبل بدء الحرب.
وأشار زاندي إلى أن إنتاج النفط سيستغرق وقتًا طويلًا للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب البالغة 100 مليون برميل يوميًا، بسبب الأضرار الواسعة التي لحقت بمنشآت الطاقة في الشرق الأوسط.
ورغم توقع الاقتصاديين انخفاض أسعار النفط لاحقًا هذا العام، فمن المرجح أن تظل أعلى من مستويات ما قبل الحرب طوال عام 2026، وفقًا لعدة توقعات.
وقالت الخبيرة الاقتصادية ليديا بوسور: "نعتقد أن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق وقتًا، خاصة فيما يتعلق بسلاسل الإمداد وقدرات الطاقة"، مشيرة إلى "التأثيرات المستمرة" للحرب.

وليس الصراع وحده هو العامل الذي يضغط على الاقتصاد الأمريكي، إذ تُعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق العمل، حيث أعلنت شركات مثل ميتا ومايكروسوفت عن تخفيضات كبيرة في الوظائف هذا الأسبوع، كما لا تزال حالة عدم اليقين وارتفاع التكاليف المرتبطة بسياسات الرسوم الجمركية لإدارة دونالد ترامب مستمرة، بعد تعهدها بفرض رسوم إضافية عقب إلغاء المحكمة العليا للرسوم الجمركية.
ويتوقع اقتصاديون أن يظل التضخم مرتفعًا خلال أبريل وطوال عام 2026، حيث بلغ مؤشر أسعار المستهلك 3.3% على أساس سنوي الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2024، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة.
ويصل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس رئيسي للتضخم، إلى 4% بحلول نهاية العام، أي ضعف هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وفقًا لسكوت لينسيكوم، نائب رئيس الاقتصاد العام في معهد "كاتو"، وكان هذا المؤشر قد سجل 2.8% في فبراير على أساس سنوي، مضيفًا: "يريد المستهلكون بالطبع انخفاض الأسعار، لكننا بالتأكيد لا نشهد ذلك، وعلينا توقع بقاء الأسعار أعلى مما يرغب الناس".

وقد يؤدي الضغط المالي الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة إلى تقليص إنفاق المستهلكين، ما قد ينعكس سلبًا على نمو الناتج المحلي الإجمالي، خاصة أن نحو 70 سنتًا من كل 1 دولار من الناتج المحلي يعتمد على إنفاق المستهلكين، ويتوقع خبير الاقتصاد جريجوري داكو، أن تؤدي الحرب إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.3 نقطة مئوية هذا العام، ليبلغ 1.8%، مقارنة بـ2.1% في عام 2025.
وقالت بوسور إن خفض الإنفاق الاستهلاكي هو "القناة الرئيسية التي نتوقع من خلالها تأثير التباطؤ الاقتصادي"، مشيرة إلى أن ضعف سوق العمل ونمو الأجور قد يقللان من القدرة الشرائية.
ورغم ذلك، ظل الإنفاق الاستهلاكي متماسكًا منذ بدء الحرب، إلا أن بيانات بنك أوف أمريكا تشير إلى أن معظم النمو مدفوع من قبل أصحاب الدخول المرتفعة، الذين يمتلكون استثمارات أكبر في سوق الأسهم التي تواصل تسجيل مستويات قياسية.

وبالنسبة للعديد من الأمريكيين، يظهر التأثير الأكبر للحرب في محطات الوقود، حيث ارتفع متوسط الأسعار بأكثر من 1 دولار للجالون منذ بدء الصراع بسبب نقص الإمدادات العالمية. وبلغ متوسط السعر 4.06 دولار للجالون يوم الجمعة، وفقًا لبيانات جمعية السيارات الأمريكية.
وقال زاندي إن الأسعار قد تنخفض إلى نحو 3.50 دولار للجالون بنهاية العام في أفضل السيناريوهات، لكنها ستظل أعلى من مستوى ما قبل الحرب البالغ 2.98 دولار.
كما أصبحت تكاليف السفر الصيفي أعلى، حيث رفعت شركات الطيران أسعار التذاكر وفرضت رسومًا إضافية لتعويض ارتفاع تكلفة وقود الطائرات، الذي ارتفع بأكثر من 2 دولار للجالون منذ بداية الشهر.

ورغم أن التأثير الأكبر حتى الآن يتركز في قطاع السفر، يرى الاقتصاديون أن الضغوط قد تمتد قريبًا إلى جوانب أخرى من حياة الأمريكيين، حيث تؤدي زيادة أسعار الديزل إلى رفع تكاليف نقل السلع، ما ينعكس على أسعار المواد الغذائية وغيرها من المنتجات.
كما قد تؤدي اضطرابات إنتاج الأسمدة إلى الضغط على أسعار الغذاء، إذ يتم إنتاجها باستخدام الغاز الطبيعي الذي تأثر بسبب الحرب، وفي تقرير صدر يوم الجمعة، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يظل المعروض العالمي من الغاز الطبيعي محدودًا لمدة عامين.
وقال لينسيكوم: "يمكن لتجار الجملة والموزعين وتجار التجزئة امتصاص جزء من الصدمة، لكن لن يتم امتصاصها بالكامل، وسيصل جزء منها إلى المستهلكين".