لم تكن الطفلة جود عزام تعلم أن ليلة 14 يوليو الماضي ستغير كل شيء في حياتها، ففي لحظات قليلة، تحول منزلها في غزة من مساحة دافئة تعج بالحياة إلى كومة من الركام والصمت الثقيل، هناك، تحت الأنقاض، بدأت حكاية أخرى، حكاية نجاة مؤلمة، دفعت ثمنها طفولة كاملة.

الطفلة جود عزام
فقدان العائلة
حين وصلت جود إلى المستشفى، لم تكن تبكي فقط من الألم، بل من الفقد، جسدها الصغير كان مغطى بحروق عميقة، بعضها من الدرجة الثانية والثالثة، وآثار الانفجار بدت واضحة على ملامحها التي لم تعد تشبه طفلة كانت، حتى وقت قريب، تركض بين أفراد عائلتها، لم يكن أحد من أهلها إلى جوارها هذه المرة، فالجميع رحلوا في القصف نفسه، وبقيت هي وحدها، شاهدة على ما حدث.
الأطباء الذين استقبلوا جود في أحد مستشفيات غزة لم يخفوا صعوبة حالتها، لكن ما كان أثقل من الإصابات الجسدية هو ذلك الفراغ الإنساني الذي يحيط بها، طفلة بلا عائلة، بلا صوت يناديها باسمها، وبلا يد تمسك بيدها وهي تحاول فهم ما جرى، كانت نظراتها، كما وصفها أحد الممرضين، "أكبر من عمرها بكثير"، وكأنها تختزن وجعا لا يمكن لطفلة أن تتحمله.
جود عزام
حياة تحت الركام
ظلت جود لساعات تحت الركام، محاصرة بين الغبار والنار، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالها بصعوبة، وفي أروقة المستشفى، حاولت الطفلة التمسك بالحياة، بينما عمل الأطباء بما لديهم من إمكانيات محدودة لإنقاذها، لكن في كل ضمادة توضع على جرح، هناك جرح آخر لا يُرى، جرح الفقد الذي لا يمكن علاجه بسهولة.
حصلنا على عدة صور للطفلة الفلسطينية تظهر وجهها بعد القصف مباشرة، يتضمن حروق كاملة للوجه، ولم نستطع نشرها نظرا لصعوبة المشهد، لكننا اخترنا الصور التى من الممكن نشرها بالتقرير والتى تظهر جود بعد إجراء العديد من العمليات الجراحية.

الطفلة جود عظام بعد تعرضها لحروق
مناشدة عمها
استطاعت جود عزام الحصول على تحويلة طبية وسافرت إلى مصر مع عمها أحمد عزام، وهو الناجي الوحيد من العائلة بعد القصف الإسرائيلي للمنزل، حيث يروي أحمد عزام، تفاصيل المأساة التي مزقت عائلته في لحظة واحدة، قائلا: “في 14 يوليو 2025، عند الساعة السابعة مساء، تعرض منزلنا في غزة لقصفٍ مباشر، فتحول إلى ركام خلال دقائق. في تلك اللحظة فقدت 21 فردا من عائلتي، ما بين أطفال ونساء وكبار في السن".
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :" جود حسام ناهض عزام، ذات التسعة أعوام، خرجت من تحت الأنقاض لتكون الناجية الوحيدة، لكنها خرجت مثقلة بالفقد، فقدت والديها وكل أفراد أسرتها، وأصبحت يتيمة في لحظة قاسية لا يمكن لطفلة أن تستوعبها، متابعا: "أنا وصيها الشرعي الآن، وهي أمانة في عنقي".
وبعد محاولات إسعاف أولية وسط ظروف بالغة الصعوبة، نُقلت جود إلى مصر لتلقي العلاج، حيث ترقد حاليا في مستشفى الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، وهناك، بدأت رحلة علاج طويلة وشاقة، لا تقل قسوة عن لحظة القصف.
يوضح أحمد عزام الحالة الصحية للطفلة قائلا: "أبلغتنا إدارة المستشفى، بعد إجراء الفحوصات اللازمة، أنها بحاجة إلى عمليات جراحية دقيقة في العين، وقد فقدت حاسة الشم، فضلا عن حاجتها إلى عدة عمليات تجميل في الوجه ومناطق مختلفة من الجسد نتيجة الحروق البالغة التي تعرضت لها".
الألم لا يقتصر على الجسد فحسب، بل يمتد إلى أعماق النفس، حيث يضيف بصوت يختلط فيه الأسى بالصبر: “جود لم تعد كما كانت، صامتة أغلب الوقت، تنظر حولها وكأنها تبحث عن عائلتها، لا تسأل كثيرًا، لكنها تحمل في عينيها أسئلة لا إجابة لها".