بين ليلة وضحاها، يتحول الحلم بالثراء السريع إلى كابوس ينهي حياة الكثيرين أو يلقي بهم خلف أسوار السجون. هكذا يبدو المشهد في عالم "التنقيب غير المشروع عن الآثار"، تلك التجارة المحرمة التي باتت تطل برأسها من حين لآخر في قرى ونجوع مصر، حيث يسعى البعض خلف أوهام "الكنوز المدفونة" ضاربين بعرض الحائط قيم التاريخ وهيبة القانون.
رحلة إلى حفرة الموت
لا تتوقف خطورة التنقيب عن الآثار عند حد السرقة فقط، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى "مقابر جماعية" للقائمين عليها. فعمليات الحفر العشوائي التي تتم داخل المنازل القديمة أو في الأراضي الزراعية تفتقر لأدنى معايير السلامة، مما يؤدي إلى انهيارات تربة مفاجئة تبتلع المنقبين تحت أعماق تصل أحياناً إلى 20 متراً. فضلاً عن استخدام الدجالين والمشعوذين الذين يستنزفون أموال البسطاء بدعوى "فتح الرصد"، مما يحول الأمر من مجرد جريمة قانونية إلى مأساة اجتماعية تشرّد عائلات بأكملها.
قبضة أمنية لا تنام
على الجانب الآخر، تقف وزارة الداخلية بالمرصاد لهذه العصابات، حيث تشن قطاعات الأمن العام وشرطة السياحة والآثار حملات استباقية تعتمد على أحدث التقنيات المعلوماتية والتحريات الدقيقة. ولم يعد الأمر يقتصر على ضبط المتلبسين بالحفر، بل امتدت الضربات الأمنية لتشمل ملاحقة "سماسرة التاريخ" عبر الفضاء الإلكتروني، وإحباط محاولات تهريب القطع الأثرية قبل خروجها من البلاد، وهو ما يظهر بوضوح في البيانات اليومية التي تعلن عن ضبط تماثيل وقطع أثرية نادرة في قبضة المنقبين.
كلمة الفصل.. ماذا يقول القانون؟
ولم يقف المشرع مكتوف الأيدي أمام هذا العبث بالتراث الوطني، حيث غلظت الدولة العقوبات في قانون حماية الآثار. وتصل عقوبة التنقيب عن الآثار إلى السجن المؤبد (25 عاماً) وغرامة مالية تصل إلى 10 ملايين جنيه لكل من قام بأعمال حفر بقصد الحصول على آثار دون ترخيص. أما الاتجار بالآثار أو تهريبها للخارج، فهي الجريمة التي لا تهاون فيها، حيث يعتبرها القانون خيانة للأمانة الوطنية، وتؤدي بصاحبها إلى قضاء بقية عمره خلف القضبان.
يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول، فالتاريخ ليس سلعة للبيع، والحفاظ على كنوز مصر هو الحفاظ على هويتنا التي لا تقدر بمال، بينما يظل "السجن" أو "القبر" هما النهاية الحتمية لكل من تسول له نفسه العبث بتراب هذا الوطن.