في شهادة تاريخية مثيرة بعد مرور نحو 40 عاماً على ملحمة استرداد طابا، كشف المهندس صلاح حافظ، النائب الأسبق لرئيس هيئة البترول وأحد أعضاء اللجنة القومية لاسترداد طابا، عن كواليس اللحظات الحاسمة التي كادت أن تشهد إطلاق نار من الجانب الإسرائيلي على الوفد المصري، وأوضح حافظ كيف لعبت خبرته الجيولوجية والخرائط البترولية القديمة دوراً محورياً في كشف "الخديعة الإسرائيلية" وإثبات التلاعب في موقع "العلامة 91" الحدودية، وهو الاكتشاف الذي مثّل "الحلقة المفقودة" التي حسمت التحكيم الدولي لصالح مصر.
لحظات حبس الأنفاس.. كادوا يطلقون الرصاص
واستهل المهندس صلاح حافظ خلال حواره ببرنامج كلمة اخيرة، مع الاعلامي احمد سالم، ذكرياته بالحديث عن موقف عصيب واجهه الوفد المصري أثناء إحدى الزيارات الميدانية لموقع "العلامة 91" المزعومة من قبل إسرائيل، وقال: "كنا مصرحاً لنا بالوقوف حول العمود الذي تدعي إسرائيل أنه العلامة 91، وعدم التحرك منه، ولكني شككت في الموقع، فبدأت في التحرك والمشي بعيداً بدون أخذ موافقات".
ويضيف حافظ أن هذا التحرك أثار ذعر القوات الإسرائيلية، حيث بدأ الجنود الإسرائيليون في الخروج من الثكنات والصراخ، وكادوا أن يفتحوا النار عليه، إلا أن الدكتور نبيل العربي (رئيس الوفد القانوني المصري آنذاك) شجعه من مسافة بعيدة قائلاً: "كمل.. كمل"، في إشارة منه لاستمرار حافظ في فحص الموقع جيولوجياً لإثبات صحة الرؤية المصرية.
"خريطة شل" البترولية التي قلبت الموازين
أوضح "حافظ" أن العمل الدبلوماسي والقانوني والجغرافي كان يسير على أكمل وجه بقيادة قامات كبرى مثل د. نبيل العربي ود. مفيد شهاب، إلا أن الصدفة لعبت دوراً كبيراً، فبحكم منصبه كنائب لرئيس هيئة البترول للاتفاقيات، اكتشف وجود اتفاقية امتياز قديمة لشركة "شل" للبترول، تحدد إحدى نقاطها الركنية (Corner Points) موقع "العلامة 91" الأصلية.
ويشير حافظ إلى أن الخريطة الموجودة في الدفاتر المصرية كانت قديمة وباهتة، فلجأ فوراً إلى المهندس عبد الهادي قنديل، وزير البترول آنذاك، الذي تواصل بدوره مع شركة "شل" وحصل على النسخة الأصلية الواضحة للاتفاقية، وهو ما كان يظن الجانب الإسرائيلي استحالة حدوثه نظراً لمصالح الشركة.
جولات ميدانية تكشف التزييف الإسرائيلي
بعد الحصول على الخرائط الدقيقة من هيئة المساحة الجيولوجية، توجه الوفد المصري في 13 يوليو 1987 إلى طابا، وضم الوفد شخصيات بارزة منها السفير عمرو موسى.
وبمجرد وصول الوفد للموقع الذي حددته إسرائيل، وعرض الدكتور نبيل العربي صورة قديمة لـ "العلامة 91" (عمود باركر)، أدرك المهندس حافظ فوراً بحكم خبرته التي تمتد لست سنوات في صحراء مصر، أن التضاريس المحيطة بالعلامة المزيفة لا تتطابق مع التضاريس في الصور القديمة. وقال حينها للدكتور العربي: "هذه الصورة في مكان آخر تماماً، أبعد نحو الشمال وفي ارتفاع أعلى".
واعتمد المهندس حافظ على تقييم "القمم الجبلية" المحيطة بالمنطقة لمطابقتها مع الصور التاريخية، وبدأ في التحرك بكاميرته الخاصة باحثاً عن الموقع الحقيقي، وهو ما أثار حفيظة ضابط إسرائيلي حاول مصادرة كاميرته لولا تدخل الجانب المصري.
وبعد عودة الوفد إلى القاهرة وطباعة الصور ومطابقتها في وزارة الخارجية مع الدكتور عصمت عبد المجيد، تجلت الحقيقة الصادمة؛ لقد اكتشف حافظ أن النتوء الجرانيتي الطبيعي الذي كانت مثبتة عليه العلامة 91 الأصلية، قد تم تدميره وإزالته بالكامل من قبل إسرائيل، وتم وضع علامة مزيفة في مكان آخر.
الخديعة الإسرائيلية لسرقة 900 متر من شاطئ العقبة
أكد المهندس صلاح حافظ أن هذا الاكتشاف الجيولوجي كان بمثابة "الحلقة المفقودة" التي ربطت المنظومة كلها، وأوضح أن الهدف الإسرائيلي من هذا التزييف وإزاحة العلامة الحدودية كان الاستيلاء على 900 متر إضافية على ساحل خليج العقبة، لضم مساحة فندق "سونستا" (الذي بنته إسرائيل) إلى حوزتهم، واقتطاع واجهة بحرية أكبر لميناء إيلات.
واختتم حافظ تصريحاته بالتأكيد على أن هذا الاكتشاف الفني هو ما أسقط حجة إسرائيل أمام محكمة التحكيم الدولية، مشيراً إلى أن المحكمة كانت مهمتها "كاشفة وليست منشئة"، أي أن مهمتها كانت إثبات مكان الحدود التاريخية الحقيقية كما هي، وليس رسم حدود جديدة، وهو ما نجحت فيه مصر بامتياز بفضل تضافر الجهود القانونية والدبلوماسية والجيولوجية.