تمرّ ذكرى تحرير سيناء هذا العام لا لنحتفل بحدث تاريخي فحسب، بل لنتأمل مسارًا طويلًا من التحولات التي مرت بها هذه البقعة الطاهرة من أرض مصر، فسيناء التي كانت يومًا ساحة للصراع ومطمعًا للقوى المعادية، لم تنتهِ حكايتها عند استعادة الأرض، بل بدأت فصلًا أكثر تعقيدًا، من خلال معركة تثبيت الدولة، واقتلاع جذور الإرهاب، وإعادة بناء الإنسان والمكان معًا.
عقب استعادة سيناء، ظلت المنطقة لسنوات تعاني من تحديات مركبة، في مقدمتها الإرهاب الذي حاول أن يتخذ منها نقطة ارتكاز لتهديد استقرار الدولة المصرية، ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية في 8 يونيه عام 2014، بدا واضحًا أن المواجهة لن تكون تقليدية أو مؤقتة، بل شاملة وممتدة، تستهدف القضاء على العناصر الإرهابية من جذورها، ومعالجة الأسباب التي سمحت بظهورها وانتشارها، وهو ما تعهد به الرئيس السيسى منذ اليوم الأول لتوليه الحكم، ونفذه على مدار ثلاثة عشر عاما من العمل الجاد، لنحتفل اليوم بتحرير سيناء وندعو بأن يكون هناك ايضا عيدا لتطهير سيناء يوم 8 يونيه، يوم تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم.
لم يكن التحدي أمنيًا فقط، بل تنمويًا وفكريًا في آنٍ واحد. فالدولة أدركت أن المواجهة الحقيقية مع الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تحتاج إلى إعادة صياغة البيئة التي يتحرك فيها، ومن هنا، انطلقت استراتيجية متكاملة جمعت بين الضربات الأمنية الاستباقية، وتجفيف منابع التمويل، وتفكيك البنية التنظيمية للجماعات المتطرفة، إلى جانب العمل على تجديد الخطاب الديني بما يواجه الفكر المتشدد ويعيد تقديم الدين في صورته الوسطية السمحة.
على الأرض، تُرجمت هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة. فقد نجحت الأجهزة الأمنية في تقليص العمليات الإرهابية بشكل غير مسبوق مقارنة بالسنوات التي أعقبت عام 2011، وتمكنت من توجيه ضربات موجعة للتنظيمات المتطرفة، ما أدى إلى انهيار بنيتها تدريجيًا، ولم يكن ذلك نتاج الجهد الأمني وحده، بل نتيجة تنسيق واسع بين مؤسسات الدولة، وإرادة سياسية واضحة في عدم السماح بعودة الفوضى.
بالتوازي مع ذلك، بدأت ملامح التحول التنموي في سيناء تتشكل بهدوء وثبات. فلم تعد سيناء مجرد منطقة مواجهة، بل أصبحت ساحة لإعادة الإعمار وبناء المستقبل، طرق جديدة تُشق، ومشروعات خدمية تُقام، وشبكات بنية تحتية تمتد لربط سيناء بباقي أنحاء الجمهورية، هذا التحول لم يكن مجرد تحسين في الخدمات، بل إعادة دمج حقيقية للمنطقة داخل النسيج الوطني، بما يعزز الاستقرار ويغلق الطريق أمام أي محاولات لاستغلال التهميش أو العزلة.
أما على الصعيد الخارجي، فقد تبنّت مصر مقاربة نشطة في مكافحة الإرهاب، انطلاقًا من إدراكها أن هذه الظاهرة عابرة للحدود، فكان الحضور المصري فاعلًا في المحافل الدولية والإقليمية، مع التأكيد المستمر على ضرورة تبني استراتيجية شاملة لا تقتصر على المواجهة الأمنية، بل تمتد إلى معالجة الجوانب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، كما دعت مصر إلى تعزيز التعاون الدولي، ورفض أي تمييز بين التنظيمات الإرهابية، باعتبارها جميعًا تمثل تهديدًا مشتركًا للسلم والأمن الدوليين.
إن ما تحقق في سيناء خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في أرقام أو عمليات عسكرية، بل هو تحول أعمق يمس بنية الدولة وقدرتها على الصمود والتجدد. فقد أثبتت التجربة أن الإرادة السياسية، حين تقترن برؤية استراتيجية شاملة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى مسارات للنمو.
وهكذا، لم تعد سيناء مجرد أرض تحررت، بل أصبحت نموذجًا لمعركة أخرى أكثر تعقيدًا: معركة بناء الدولة الحديثة في مواجهة قوى الهدم. ومع استمرار جهود التنمية وتعزيز الاستقرار، تبدو سيناء اليوم أقرب إلى أن تكون رمزًا لانتصار الإرادة المصرية، ليس فقط على الاحتلال، بل أيضًا على الإرهاب والتخلف، في طريق مفتوح نحو مستقبل أكثر أمنا.