كيف تحطمت "أسطورة" الذكاء الاصطناعى فى نصف شركات العالم؟.. منظمة العمل الدولية تكشف الوجه الخفى لإدارة الموارد البشرية الرقمية.. و50% من الشركات فشلت فى جنى عائد حقيقى من التكنولوجيا رغم استثمارات تريليونية

السبت، 25 أبريل 2026 07:00 ص
كيف تحطمت "أسطورة" الذكاء الاصطناعى فى نصف شركات العالم؟.. منظمة العمل الدولية تكشف الوجه الخفى لإدارة الموارد البشرية الرقمية.. و50% من الشركات فشلت فى جنى عائد حقيقى من التكنولوجيا رغم استثمارات تريليونية الذكاء الاصطناعى

كتبت: آية دعبس
  • منصات التوظيف الذكية تعزز الفجوة بين الجنسين.. وأكثر من خمس العاملين يصابون في قطاعات تحكمها أنظمة رقمية

  • توقعات بزيادة استثمارات الذكاء الاصطناعي 25 ضعفا خلال 10 سنوات

في ذروة الموجة العالمية للتحول الرقمي، بدأ الذكاء الاصطناعي وكأنه العصا السحرية القادرة على حل أعقد أزمات سوق العمل، لا سيما في مجال إدارة الموارد البشرية، وعدت الشركات بأن الخوارزميات ستنهي التحيز، وتحسن الإنتاجية، وتختصر الوقت، وتخلق عدالة غير مسبوقة في التوظيف والأجور وتقييم الأداء، لكن، ومع توسع التجربة وتراكم البيانات، بدأت تتكشف فجوة عميقة بين الوعود التكنولوجية والواقع الإنساني داخل أماكن العمل، وهي فجوة دفعت منظمة العمل الدولية إلى دق ناقوس الخطر.

 

دراسة حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية: حدود التجريبية» ترسم صورة أقل بريقا لما يجري خلف شاشات الأنظمة الذكية، مؤكدة أن نصف الشركات تقريبا التي اندفعت نحو الذكاء الاصطناعي في إدارة العاملين لم تحصد العائد المتوقع، بل واجهت مشكلات أخلاقية وقانونية وصحية، وأحيانا إنسانية، كشفت أن التكنولوجيا، حين تنفصل عن الإنسان، تتحول من أداة تطوير إلى أداة إقصاء وضغط وتمييز.

 

البداية كانت بانفجار استثماري غير مسبوق، فوفقا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» (UNCTAD)، من المتوقع أن تقفز الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي بنحو 25 ضعفا خلال عقد واحد فقط، فبعد أن بلغت قيمة هذه الاستثمارات 189 مليار دولار في عام 2023، يتوقع أن تصل إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033، هذا التدفق المالي الهائل خلق مناخا من الحماسة المفرطة، دفعت مؤسسات كبرى إلى تبني الذكاء الاصطناعي قبل استيعاب حدوده ومخاطره.

 

وتشير دراسة إلى أن مؤسسة واحدة من بين كل ثلاث مؤسسات كبرى، تضم ما بين 5 آلاف و50 ألف موظف، وضعت الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في صدارة أولويات استراتيجيات الموارد البشرية خلال عام 2023، غير أن المفارقة، أن أقل من 50% من هذه المؤسسات أكدت أنها حققت قيمة فعلية لأعمالها من تلك الاستثمارات، بمعنى أدق، نصف الشركات تقريبا اكتشفت أن "أسطورة الذكاء الاصطناعي" تصطدم بواقع أكثر تعقيدا مما روج له المستثمرون والمبتكرون.

 

هذا الفشل النسبي لا يرتبط فقط بسوء التنفيذ، بل بطبيعة البيانات نفسها وبمن يسيطر عليها، ففي الولايات المتحدة ودول أخرى، تتركز خدمات الرواتب ومعالجة الأجور في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى، فعلى سبيل المثال، تعالج شركة Automatic Data Processing Inc بيانات رواتب عامل واحد من كل 6 عمال في الولايات المتحدة، هذا التركز يمنح هذه الشركات قدرة هائلة على تحليل الأجور، والتأثير في سوق العمل، وتوجيه سياسات التعويضات، لكنه في الوقت نفسه يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج أنماط التمييز بشكل آلي، غير مرئي، وصعب التتبع.

 

وتحذر منظمة العمل الدولية من مفهوم آخذ في التوسع يعرف باسم «التمييز في الأجور الخوارزمي»، حيث تستخدم الشركات، خاصة في اقتصاد المنصات، أنظمة ذكاء اصطناعي لتحديد أجور متغيرة قائمة على الأداء، في ظل نماذج توظيف تتجاوز في كثير من الأحيان قوانين الحد الأدنى للأجور، ومع الوقت، تتعلم الخوارزميات من سلوك العمال، ومن يقبل العمل بأجر أقل وتحت شروط أكثر قسوة، فتعيد إنتاج هذا الواقع وتثبيته، بما يحد من فرص تحسين الدخل لتلك الفئات.

 

وتزداد خطورة هذا النمط عندما نربطه بالفجوة التاريخية في الأجور بين الجنسين، فالأبحاث تشير إلى أن النساء لا يكسبن أقل فحسب، بل إنهن أكثر احتمالا لقبول عروض أجور أقل مقارنة بالرجال ذوي المؤهلات نفسها، وعندما تغذى الخوارزميات بهذه البيانات، فإنها تترجم هذه الأنماط إلى قرارات آلية تكرس التفاوت بدلا من معالجته، وتقوض الجهود التشريعية التي تبنتها نحو نصف دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتعزيز شفافية الأجور وتقليص الفجوة بين الجنسين.

 

أما في مجال التوظيف، وهو المجال الأكثر خضوعا للتجريب الرقمي، فتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الانتقال إلى التوظيف عبر الإنترنت منذ منتصف التسعينيات كان يفترض أن يقلل تكاليف البحث ويحسن مواءمة العمال مع الوظائف، لكن سهولة الإعلان والتقديم أدت إلى انفجار في عدد الطلبات، ما جعل الفرز أكثر تعقيدا، وفتح الباب أمام الاعتماد المكثف على الخوارزميات.

 

تجربة شركة «ميتا» (فيسبوك سابقا) تمثل نموذجا صارخا لهذه الإشكاليات، ففي عام 2002، وافقت الشركة على تسوية مع وزارة العدل الأمريكية لإزالة خصائص في منصتها الإعلانية سمحت بالتمييز ضد فئات محمية قانونا، بعد أن كشف صحفيون استقصائيون أن المنصة مكنت معلني الإسكان من استبعاد الأمريكيين الأفارقة وغيرهم من رؤية بعض الإعلانات، ورغم هذه التسوية، أظهرت دراسات لاحقة أن التحيز لم يختف، بل تغير شكله.

 

ففي دراسة تجريبية حول الإعلان عن وظيفة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM، صمم الإعلان ليكون محايدا جندريا، إلا أن عددا أقل من النساء شاهده، وأرجع الباحثون ذلك إلى طريقة تحسين نظام الذكاء الاصطناعي لعرض الإعلان، إذ تعلمت الخوارزمية أن تكلفة استهداف الرجال أقل، فزادت من عرض الإعلان عليهم لتحقيق أقصى عائد، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة.

 

وفي مراجعة أجريت عام 2020 لمكتبة إعلانات فيسبوك، تبين أن الإعلانات للفرص الاقتصادية لا تزال توزع بشكل غير متكافئ حسب الجنس والعمر، حيث كانت النساء أكثر عرضة لرؤية إعلانات لوظائف السكرتارية والتمريض، بينما كان الرجال أكثر عرضة لإعلانات وظائف البناء وSTEM، بما يرسخ القوالب النمطية تحت غطاء تقني.

 

ولا يقتصر الأمر على التحيز، بل يمتد إلى اتساع غير مسبوق في نطاق البيانات التي تجمع عن المتقدمين للوظائف، فإلى جانب فحوصات الخلفية التقليدية، بات أصحاب العمل يصلون إلى تقارير ائتمانية ونشاط وسائل التواصل الاجتماعي، ما يثير مخاوف متزايدة من إقصاء المرشحين الذين لا يمتلكون حضورا رقميا نشطا، أو الذين يفضلون الخصوصية.

 

وفي بعض الحالات، يطلب من المرشحين التفاعل مع أنظمة تقييم رقمية في شكل ألعاب، مثل لعبة نفخ بالون رقمي مقابل مكافأة لقياس الميل للمخاطرة وسرعة رد الفعل، غير أن منظمة العمل الدولية تشكك في الافتراض القائل بأن مثل هذه التفاعلات تعكس بالضرورة سمات الموظف الناجح، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لم يحل الضعف الجوهري في فلسفة التوظيف، بل أعاد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيدا.

 

تجربة مجلس الخزانة الكندي عام 2024 تقدم مثالا عمليا على هذه الإشكاليات، فقد استخدم المجلس نظام ذكاء اصطناعي لتقييم المرشحين بناء على "عقلية النمو"، من خلال تحليل الكلمات المستخدمة في السير الذاتية والمقابلات المسجلة، كان النظام يحسب احتمالات سلوكية بناء على تكرار كلمات مثل: نمو وتطوير وتعلم، وهو ما أثار تساؤلات عميقة حول اختزال الكفاءة البشرية في مفردات لغوية، وإقصاء مرشحين أكفاء لا يتحدثون بلغة الخوارزمية.

 

أما في جدولة العمل وإدارة الأداء، فقد كشفت الدراسة عن الجانب الأكثر قسوة للتقنيات الذكية، ففي قطاعات مثل اللوجستيات وتعبئة اللحوم، تستخدم الخوارزميات لتحديد السرعة والحركة والأهداف الإنتاجية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الإصابات والأمراض المهنية إلى أكثر من 20%، وهي من أعلى المعدلات في أمريكا الشمالية، هذه الأرقام تظهر أن "السرعة الرقمية" قد تقتل معايير السلامة المهنية عندما تفرض دون اعتبار للحدود الجسدية والنفسية للعامل.

 

وفي المقابل، تسلط منظمة العمل الدولية الضوء على نماذج إيجابية تؤكد أن المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية استخدامها، تجربة شركة الاتصالات البريطانية BT تمثل نموذجا مختلفا، حيث أشركت الشركة الفنيين الميدانيين في تصميم نظام الجدولة، ما أدى إلى تحسين الإنتاجية بنسبة 10%، وتقليل الغياب المرتبط بالصحة النفسية بأكثر من الثلث، في رسالة واضحة مفادها أن الذكاء الاصطناعي لا ينجح إلا عندما يوضع في خدمة الإنسان، لا العكس.

 

وتخلص منظمة العمل الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيظل عنصرا فاعلا في مستقبل إدارة الموارد البشرية، لكنه ليس حلا سحريا، فبدون شفافية، ومشاركة حقيقية للعمال، وفهم عميق لكيفية عمل الأنظمة، ستظل هذه التقنيات عاجزة عن تحقيق وعودها، بل وقد تتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج أوجه عدم المساواة القديمة في ثوب رقمي حديث.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة