لم يكن أحد يتوقع أن تتحول بطاقة دعوة بسيطة إلى وثيقة وداع، ولا أن تُستبدل عبارات التهاني بزفرات الحزن، في أحد أزقة مخيم جباليا، حيث كانت الزينة تُعلق على استحياء بين البيوت المتلاصقة، وتُجهز تفاصيل الفرح رغم كل شيء، انتهت الحكاية قبل أن تبدأ.
الاستعداد للزفاف
كان عبد الجليل جنيد يستعد لليلة طال انتظارها، عريس يحلم كغيره ببيت صغير، وضحكة زوجة، وبداية جديدة تُشبه الحياة التي حُرم منها جيل كامل في غزة، لم تكن التحضيرات فاخرة، لكنها كانت كافية لتصنع فرحا صادقا في مكان اعتاد الفقد أكثر من الاحتفال، والأصدقاء كانوا يخططون للأغاني، والأقارب ينتظرون لحظة الزفاف التي تُعيد بعض البهجة إلى قلب المخيم المثقل بالجراح، لكن الرصاص سبق الزغاريد.
رسالة الشهيد ودعوته للزفاف
في لحظة خاطفة، وبينما كانت الحياة تحاول أن تجد لها مساحة وسط الركام، سقط عبد الجليل شهيدا برصاص الاحتلال، لينطفئ الحلم قبل أن يُضاء، فلم يعد هناك عريس، ولا ليلة زفاف، ولا ضحكات مؤجلة، كل ما تبقى هو صدمة ثقيلة، وصمت يخيم على المكان الذي كان من المفترض أن يضج بالحياة.
رسالة اعتذار
بعد ساعات من الفاجعة، خرج والده برسالة لم تكن في الحسبان، بدلا من دعوة الفرح، كتب كلمات موجعة اختصر فيها كل شيء:" نعتذر عن الدعوة المرسلة بسبب استشهاد العريس"، كانت هذه العبارة كفيلة بأن تهز القلوب، لم تكن مجرد اعتذار، بل إعلانا عن مأساة تختصر واقعا كاملا، حيث يمكن للحلم أن يتحول إلى عزاء في طرفة عين، وحيث تُسرق أبسط حقوق الإنسان، أن يفرح، أن يحتفل، أن يبدأ حياته.
كراسي خالية
في المخيم، تحولت الزينة إلى شاهد صامت على الغياب، الكراسي التي أعدت للمدعوين بقيت خالية، والأغاني التي كانت تنتظر اللحظة المناسبة لم تُسمع، حتى الأطفال، الذين اعتادوا اللعب بين الأزقة، بدت على وجوههم حيرة صامتة، كأنهم أدركوا مبكرا أن الفرح هنا هش، وقابل للانكسار في أي وقت.
لم يكن عبد الجليل مجرد عريس، بل كان قصة من قصص كثيرة تُكتب كل يوم في غزة، حيث تختلط الحياة بالموت، والأمل بالفقد، والانتظار بالنهايات المفاجئة، قصة شاب أراد أن يعيش حياة عادية، لكنها انتهت قبل أن تبدأ، تاركا خلفه قلبا مكسورا، وبيتا لم يبن، وحلما لم يكتمل، ففي غزة، لا تحتاج المآسي إلى مقدمات طويلة، أحيانا تكفي جملة واحدة لتروي كل شيء.
ما استطعنا نشره هي رسالة الدعوة التي أرسلها عبدالجليل إلى أقاربه وأصدقائه يدعوهم لحضور حفل زفافه، لكننا لم نستطع نشر جثة الشهيد بعد استهداف الاحتلال لمخيم جباليا.
وكشفت وزارة الصحة بغزة عن التقرير الإحصائي اليومي لعدد الشهداء والجرحى جراء العدوان الإسرائيلي على القطاع، موضحة أنه بلغ إجمالي من وصلوا إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الـ 24 ساعة الماضية، شهيد واحد جديد، بالإضافة إلى شهيد واحد متأثرا بجراحه السابقة، وعدد الإصابات أربعة، بينما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى هذه اللحظة.
وأشارت خلال بيان لها، أنه منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، وصل إجمالي عدد الشهداء 786 شهيدا، وعدد الإصابات 2,217 مصابا، وحالات الانتشال 761 حالة، ليصل عدد الشهداء منذ بداية العدوان إلى 72562 وعدد المصابين 172320.