خلف أبواب النوادي ومراكز الشباب، وفي ركن منزوٍ يسكنه الحزن، يجلس "محمد" ممسكاً بلعبة صغيرة، وعيناه تراقب بوابة الدخول بلهفة تمزق الصدر.
تمر الدقائق كأنها سنوات، وحين يظهر طفله، لا يملك سوى ساعة واحدة فقط، يمنحها له القانون "رؤية" لا "حضناً"، في مشهد يتكرر أسبوعياً لآلاف الآباء الذين تحولوا بفعل الطلاق إلى "زوار" في حياة أبنائهم.
هذه ليست مجرد قصة عابرة، بل هي واقع مرير يعيشه آباء مصر الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لنصوص قانونية يصفونها بأنها "جامدة" لا تراعي فطرة الأبوة.
المعاناة الإنسانية تبدو صارخة في حكايات الآباء؛ فمنهم من لم يرَ طفله منذ سنوات بسبب تعنت الطرف الآخر، ومنهم من يقطع مئات الكيلومترات ليرى ابنه في "مكان عام" وتحت حراسة أمنية، وكأنه مجرم يقضي عقوبة، وليس أباً يسعى لغرس قيم الانتماء في ابنه.
يقول أحد الآباء بمرارة: "ابني كبر وأنا لا أعرف طوله ولا لون ملابسه المفضل، أراه في النادي كأنني غريب، والقانون لا يمنحني حق أن يبيت في حضني ليلة واحدة".
يقول المختص في قضايا الأسرة، الخبير القانوني علي الطباخ؛ ينظم القانون الحالي عملية الرؤية وفقاً للمادة 20 من القانون رقم 25 لسنة 1920 والمعدل بالقانون رقم 4 لسنة 2005، والتي تمنح الأب حق رؤية صغاره لمدة لا تقل عن ثلاث ساعات أسبوعياً في أماكن يحددها وزير العدل، غالباً ما تكون مراكز شباب أو نوادي اجتماعية. لكن هذا التنظيم، بحسب خبراء وعائلات، يفتقر لروح المودة والرحمة، ويحول العلاقة الإنسانية إلى إجراء إداري جاف يولد الجفاء بين الطفل ووالده.
ومع تصاعد هذه الأنات، بات "تعديل قانون الأحوال الشخصية" هو المطلب الشعبي الأول على طاولة الحوار المجتمعي.
أحلام المواطنين تتلخص في كلمة واحدة وهي "الاستضافة". يحلم الآباء ببيئة تسمح للطفل بقضاء عطلة نهاية الأسبوع أو جزء من الإجازات الدراسية في منزل والده وأسرته، ليتعرف على أعمامه وأجداده، ويشعر بأنه ينتمي لأسرة متكاملة رغم انفصال الوالدين. الاستضافة بالنسبة لهم ليست مجرد حق للأب، بل هي حق أصيل للطفل في التربية المشتركة والسوية.
إن معركة تعديل قانون الرؤية هي معركة من أجل "الصحة النفسية" لجيل كامل، حيث يأمل المتضررون أن يخرج القانون الجديد للنور بتشريعات توازن بين حقوق الحضانة وحقوق الرعاية، وتنتقل بملف الرؤية من "ساعة في نادٍ" إلى "حياة في كنف أب". فالحكاية ليست صراعاً بين رجل وامرأة، بل هي صرخة طفل يحتاج أن يعرف أن له أباً يستحق أن يعيش معه تفاصيل الحياة، لا أن يراه بـ "إذن نيابة".