في ظل ما تشهده الدولة المصرية من خطوات متواصلة نحو تثبيت دعائم الاستقرار، واستكمال مسارات التنمية والإصلاح، تواصل جماعة الإخوان الهاربة البحث عن مسارات بديلة تعوض بها خسائرها المتراكمة، بعد سنوات من التراجع السياسي والتنظيمي وفقدان التأثير داخل الشارع المصري. ومع تضييق المساحات أمام الجماعة، اتجهت إلى توظيف المنصات الرقمية كأداة رئيسية لإعادة الظهور ومحاولة التأثير من الخارج.
وخلال الأشهر الأخيرة، ظهرت عدة منصات إعلامية تحمل أسماء جديدة وخطابًا مختلفًا في الشكل، إلا أنها تتشابه في المضمون والأهداف، ومن بينها منصة "ميدان"، التي تقدم نفسها باعتبارها منصة إعلامية مستقلة، بينما يعكس محتواها نمطًا واضحًا من الرسائل السياسية الموجهة، التي تركز على مهاجمة الدولة المصرية، وتضخيم التحديات، وتجاهل أي خطوات إيجابية أو إنجازات على الأرض.
وتعتمد هذه المنصات على أساليب حديثة في التأثير، تقوم على إنتاج محتوى سريع الانتشار، يعتمد على المقاطع القصيرة، والعناوين المثيرة، والمنشورات المصاغة لاستثارة الغضب أو إثارة الجدل، بما يضمن تداولها على نطاق واسع. كما تستفيد من خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي التي تمنح المحتوى المثير فرصًا أكبر للوصول، وهو ما يجعلها أداة مناسبة لنشر الرسائل المضللة خلال وقت قصير.
ويرى متابعون أن الجماعة لم تعد قادرة على استخدام الأدوات التقليدية التي اعتمدت عليها سابقًا، سواء عبر الحشد الميداني أو التنظيمات المباشرة، ولذلك لجأت إلى الفضاء الإلكتروني باعتباره ساحة أقل تكلفة وأكثر سرعة، يمكن من خلالها التواصل مع الجمهور دون الحاجة إلى بنية تنظيمية واضحة.
كما تركز هذه المنصات بصورة لافتة على استهداف فئة الشباب، من خلال لغة معاصرة، وتصميمات حديثة، ومحتوى يلامس القضايا اليومية، في محاولة لكسب ثقة شرائح عمرية جديدة لا تمتلك معرفة كافية بتاريخ الجماعة أو مواقفها السابقة. ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره محاولة لإعادة تقديم التنظيم في صورة مختلفة، بعيدًا عن صورته التقليدية التي ارتبطت لدى قطاعات واسعة بالفوضى والانقسام.
ومن بين الأدوات المستخدمة كذلك، إعادة تدوير الأخبار القديمة، أو اجتزاء التصريحات الرسمية من سياقها، أو التركيز على الأزمات دون عرض الصورة الكاملة، بما يخلق انطباعات سلبية لدى المتلقي. كما تلجأ هذه المنصات إلى استضافة وجوه محسوبة على الجماعة أو متعاطفة معها، وتقديمها باعتبارها أصواتًا مستقلة أو محللين محايدين.
ويؤكد خبراء في الإعلام الرقمي، أن هذا النوع من المنصات يعتمد على ما يسمى بـ"صناعة السردية"، أي تكرار رواية معينة بشكل مستمر حتى تبدو لدى البعض وكأنها حقيقة، حتى لو افتقدت الأدلة أو خالفت الوقائع. ولهذا يصبح الوعي المجتمعي والتحقق من المصادر عنصرين أساسيين في مواجهة تلك الحملات.
في المقابل، يرى مراقبون، أن استمرار الجماعة في استخدام هذه الأدوات يعكس أزمة حقيقية داخل التنظيم، الذي فشل في استعادة حضوره، وفقد كثيرًا من شبكاته، وأصبح يعتمد على المنصات الإعلامية الخارجية كوسيلة للحفاظ على حضوره الرمزي لا أكثر.
ورغم تغير الأسماء وتبدل الأساليب، تبقى الرسالة واحدة: محاولة النيل من الدولة الوطنية وإثارة الشكوك بين المواطن ومؤسساته. إلا أن تنامي الوعي العام، وقدرة الجمهور على التمييز بين النقد الموضوعي والدعاية الموجهة، يمثلان العقبة الأكبر أمام هذه المحاولات المتكررة.