لم تكن سيناء عبر مراحلها المختلفة مجرد منطقة جغرافية، بل شكلت دائمًا محورًا استراتيجيًا شديد الحساسية، وهو ما جعلها هدفًا لمحاولات متكررة من قبل التنظيمات والجماعات المتطرفة، التي سعت إلى تحويلها إلى ساحة استنزاف أمني عبر سلسلة من العمليات والهجمات المنظمة. ومع تصاعد تلك الأحداث في فترات سابقة، برزت محاولات لاستهداف مؤسسات الدولة في عمقها داخل شمال سيناء، عبر نمط متكرر من الهجمات المسلحة والتفجيرات.
وفي هذا السياق، قال إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن ما شهدته سيناء خلال سنوات سابقة يعكس بوضوح طبيعة التحركات التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية في استغلال المناطق الحدودية لخلق بؤر توتر تهدد استقرار الدولة، مؤكدًا أن تلك التنظيمات حاولت فرض واقع أمني مضطرب عبر سلسلة من العمليات المتصاعدة.
وأضاف ربيع أن التنظيمات المتطرفة حولت سيناء في فترات معينة إلى ساحة استهداف مباشر، إلا أن هذا المسار اصطدم لاحقًا بقوة الدولة المصرية وقدرتها على إدارة المواجهة بشكل شامل، ما أدى إلى انهيار البنية التنظيمية لهذه الجماعات وتراجع نفوذها بشكل كبير.
وتشير الوقائع إلى أن مدن شمال سيناء، وعلى رأسها العريش والشيخ زويد ورفح، كانت في قلب تلك الأحداث، حيث شهدت سلسلة من الهجمات التي استهدفت الأكمنة الأمنية ونقاط تمركز قوات الشرطة، إلى جانب عمليات تفجير واستخدام أسلحة ثقيلة في بعض المناطق، ما عكس حجم التصعيد في تلك الفترة.
ومن بين أبرز هذه الوقائع، استهداف أحد الأكمنة الأمنية في 17 رمضان عام 2012، ما أسفر عن استشهاد 16 من الضباط والجنود، في حادثة كشفت عن خطورة المرحلة آنذاك، إلى جانب حادثة اختطاف 7 من جنود القوات المسلحة والشرطة في مدينة العريش خلال مايو 2013، والتي عكست حجم التحديات الأمنية التي واجهتها الدولة في تلك الفترة.
ومع تصاعد الأحداث عقب عام 2013، شهدت سيناء موجات متكررة من العنف، أسفرت عن سقوط عشرات الشهداء من القوات المسلحة والشرطة، في إطار عمليات استهدفت زعزعة الاستقرار، ومحاولة خلق حالة من الفوضى الأمنية داخل المنطقة.
وفي هذا الإطار، أوضح إبراهيم ربيع أن هذه المرحلة كانت نقطة تحول في استراتيجية المواجهة، حيث بدأت الدولة المصرية في تنفيذ عمليات أمنية وعسكرية موسعة استهدفت تفكيك البنية التنظيمية للجماعات المسلحة، إلى جانب تشديد السيطرة على المناطق الحيوية وملاحقة مصادر التمويل والدعم.
وأشار إلى أن هذه الجهود أسفرت عن تراجع كبير في قدرة تلك الجماعات على تنفيذ عمليات نوعية، بعد فقدانها القدرة على الحركة والتأثير داخل العديد من المناطق التي كانت تمثل نقاط ارتكاز لها.
وبالتوازي مع المواجهة الأمنية، شهدت سيناء إطلاق مشروعات تنموية واسعة، استهدفت تطوير البنية التحتية، وتحسين شبكات الطرق، وإنشاء أنفاق تربط شبه الجزيرة بباقي محافظات الجمهورية، إلى جانب تنفيذ مشروعات في مجالات الزراعة والإسكان والخدمات، بما ساهم في إعادة تشكيل الواقع داخل المنطقة.
وأكد الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة أن هذا التكامل بين المواجهة الأمنية والتنمية الشاملة كان عنصرًا حاسمًا في تغيير طبيعة المشهد داخل سيناء، وتحويلها من منطقة توتر إلى مساحة أكثر استقرارًا وجذبًا للتنمية.
وتكشف الوقائع أن سيناء مرت بمرحلة شديدة التعقيد من الاستهداف الأمني، قبل أن تنجح الدولة في فرض السيطرة وإعادة بناء الواقع على أسس جديدة تجمع بين الأمن والتنمية والاستقرار.