د. بوسي عبد العال تكتب: حين يأتي الخطر من الداخل.. قراءة نفسية واجتماعية لما لا يُقال

الأربعاء، 22 أبريل 2026 04:52 م
د. بوسي عبد العال تكتب: حين يأتي الخطر من الداخل.. قراءة نفسية واجتماعية لما لا يُقال د. بوسي عبدال العال

في الوعي الجمعي، يظل البيت هو الرمز الأول للأمان. الجدران التي تحمي، والوجوه التي نثق بها دون سؤال. لكن ماذا يحدث حين يتسلل الخطر من داخل هذا الإطار نفسه؟ حين لا يكون التهديد قادمًا من الخارج، بل من أقرب الدوائر وأكثرها حميمية؟
هذه ليست مجرد حالات فردية أو أخبار عابرة، بل مؤشرات على تحولات أعمق تمس بنية الأسرة، وتكشف عن ضغوط مركبة—اقتصادية، نفسية، واجتماعية—تتفاعل في صمت، حتى تنفجر في أشكال يصعب تصديقها.
البيت لم يعد دائمًا ملاذًا
الأسرة، بوصفها المؤسسة الأولى للتنشئة، يفترض أن توفر الحماية والدعم والاستقرار. لكن تحت وطأة الضغوط المتزايدة، قد تفقد بعض الأسر قدرتها على أداء هذا الدور.
الأزمة الاقتصادية لا تؤثر فقط على مستوى المعيشة، بل تمتد لتُرهق الأعصاب، وتُضعف القدرة على التحمل، وتُصعّب إدارة الانفعالات. ومع غياب الوعي الكافي بالصحة النفسية، تتحول هذه الضغوط إلى توتر دائم، قد ينعكس في سلوكيات مضطربة أو حتى خطرة.
الصمت… أخطر من المشكلة
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في هذه القضايا هو “الصمت”.
صمت بدافع الخوف، أو العار، أو الرغبة في الحفاظ على صورة الأسرة أمام المجتمع.
هذا الصمت لا يحل المشكلة، بل يمنحها مساحة للنمو.
يجعل الضحية معزولة، ويُبقي السلوك الخاطئ دون مساءلة، ويُحوّل الأزمة من حادثة إلى نمط.
المواجهة هنا ليست فضيحة، بل ضرورة.
لأن ما لا يُقال… يتكرر.
لماذا يحدث ذلك؟
ليس هناك تفسير واحد، بل شبكة من العوامل المتداخلة:
ضغط اقتصادي مزمن يخلق بيئة مشحونة ومتوترة
ضعف الوعي النفسي وعدم القدرة على إدارة الانفعالات
تفكك القيم أو غياب الرقابة الأسرية الواعية
تجارب سابقة غير معالجة تنتقل من جيل إلى آخر
عزلة اجتماعية تقلل من فرص التدخل والدعم
هذه العوامل لا تبرر السلوكيات المنحرفة، لكنها تساعد على فهم السياق الذي قد يسمح بحدوثها.
الضحية… بين الألم والخوف
في مثل هذه الحالات، تكون الضحية في وضع شديد التعقيد.
ليست فقط أمام أذى نفسي أو جسدي، بل أمام صراع داخلي:
كيف تواجه من يُفترض أنه مصدر أمان؟
ومن ستلجأ إليه إن كان الخطر داخل الدائرة الأقرب؟
الخوف من عدم التصديق، أو من تفكك الأسرة، أو من الوصمة المجتمعية… كلها عوامل تدفع كثيرين إلى الصمت، رغم الحاجة الماسة للكلام.
إعادة تعريف الأمان
ربما حان الوقت لإعادة النظر في مفهوم “الأمان الأسري”.
الأمان لا يعني مجرد وجود سقف واحد، بل وجود بيئة قائمة على الاحترام، والحدود الواضحة، والمساءلة.
الأسرة الصحية ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تعترف وتُصلح.
التي تضع قواعد واضحة، وتراقب السلوك، وتفتح باب الحوار دون خوف.
ما الذي يمكن فعله؟
المواجهة تبدأ بالوعي، لكنها لا تنتهي عنده:
تعزيز الثقافة النفسية داخل الأسرة
فتح قنوات الحوار الآمن بين الأفراد
عدم التهاون مع أي سلوك غير سوي مهما كان مصدره
طلب الدعم من مختصين عند الحاجة
حماية الضحية أولًا، دون تردد أو تبرير
المجتمع أيضًا له دور: في التوعية، وفي توفير بيئات آمنة للإبلاغ، وفي كسر ثقافة الصمت.
في النهاية…
ليست كل البيوت آمنة… لكن يمكن أن تصبح كذلك.
وليس كل خطر مرئي… لكن يمكن كشفه.
الحديث عن هذه القضايا ليس ترفًا، بل مسؤولية.
لأن حماية الإنسان تبدأ من حماية أقرب مساحة له: بيته.
حين يأتي الخطر من الداخل، لا يكون الحل في الإنكار…
بل في الوعي، والمواجهة، وإعادة بناء ما يجب أن يكون أصلًا: الأمان.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة