في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع اشتداد المعركة على تشكيل الوعي العام عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب الذي تتبناه تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان، ومدى تقاطعه أو تشابهه مع روايات إسرائيل، فلم يعد الصراع مقتصرًا على ميادين السياسة التقليدية أو المواجهات العسكرية، بل امتد ليشمل ساحات التأثير غير المباشر، حيث تُستخدم الأدوات الإعلامية كوسيلة للضغط وإعادة توجيه الرأي العام، بما يخدم مصالح وتوجهات بعينها.

كيف تلاقت منصات الإخوان مع خطاب إيدي كوهين في استهداف الدولة المصرية
خلال الفترة الماضية، شهدنا تكرار السرديات المتشابهة بين منصات محسوبة على جماعة الإخوان مثل صدى الشارع وصدى مصر وميدان ورصد، وبين ما ينشره بعض المعلقين الإسرائيليين على منصة إكس وعلى رأسهم إيدي كوهين، خاصة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري والإقليمي، فمن الملاحظ أن هناك تقاطع في المفردات وزوايا الطرح في عدد من القضايا المرتبطة بالشأن المصري والفلسطيني.
هذا التشابه، الناتج عن تقاطع في المصالح يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التفاعلات داخل المشهد الإعلامي الإقليمي، الذي بات أكثر تعقيدا وتشابكا من أي وقت مضى، حيث يشير هذا التشابه أن هناك سرديات متشابهة بين الإخوان وإسرائيل، توحي بأن ما تنشره تلك المنصات الإخوانية هو موجه من قبل شخصيات إسرائيلية.

ايدى كوهين
وتتزايد أهمية هذا الطرح في ظل اعتماد العديد من الجهات على أدوات التأثير الناعمة، التي قد لا تكون مباشرة أو معلنة، لكنها قادرة على إحداث أثر ملموس في بنية المجتمعات، سواء من خلال إثارة الانقسام، أو إعادة صياغة أولويات النقاش العام. وهو ما يستدعي قراءة دقيقة ومتأنية لهذه الظواهر، تقوم على التحليل والربط بين المعطيات، دون القفز إلى استنتاجات غير مدعومة بأدلة واضحة.
ويؤكد عمرو فاروق، الخبير في شئون الحركات الإسلامية، أن جماعة الإخوان، في المرحلة الأخيرة، باتت تُستخدم كأحد الأدوات التي تتقاطع تحركاتها مع مصالح الكيان الإسرائيلي، مشيرا إلى أن هذا التوظيف يظهر بوضوح في عدد من التحركات والأنشطة التي تستهدف الضغط على الدولة المصرية في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.

عمرو فاروق
ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن بعض التحركات، مثل الدعوات لمحاصرة السفارات المصرية في الخارج على خلفية موقف مصر من معبر رفح، تصب في اتجاه يخدم الرؤية الإسرائيلية التي تسعى لإعادة تشكيل المشهد المرتبط بالقضية الفلسطينية، بما ينعكس سلبا على فكرة الحفاظ على الدولة الفلسطينية.
ويضيف أن هذا التلاقي في الأهداف يفسر حالة التطابق أو التشابه في الخطاب بين بعض المنصات المحسوبة على الإخوان وما يطرحه إيدي كوهين عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن تشابه المفردات وزوايا الطرح يعكس تقاربًا في الرؤى أو في طبيعة التوظيف السياسي والإعلامي، خاصة في ظل وجود أطراف إقليمية ودولية تسعى للضغط على الدولة المصرية.
ويشير إلى أن هذا النمط من الخطاب لا يمكن فصله عن طبيعة الصراعات في المنطقة، لافتا إلى أن هناك أدوات غير تقليدية تُستخدم للتأثير على الداخل، سواء عبر إثارة الرأي العام أو محاولة إضعاف التماسك الداخلي.
ويوضح أن هناك تشابها أيديولوجيا بين الإخوان وإسرائيل التي هي دولة أيدولوجية، مشيرا إلى أن الأيديولوجيات المغلقة بطبيعتها تميل إلى تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحق المطلق أو الاصطفاء، وهو ما ينعكس على طريقة التفكير والسلوك السياسي، وهذا الإطار الفكري قد يخلق مساحات من التشابه في الأهداف أو الأساليب، حتى وإن اختلفت السياقات.
ويؤكد أن هذه القراءة تأتي في إطار تحليل أنماط الخطاب والتفاعل في المجال العام، مشددا على أهمية التعامل مع هذه القضايا بقدر من الوعي، ومراجعة المحتوى المتداول، وفهم السياقات التي يُنتج فيها، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح بين مختلف الأطراف.
فيما يؤكد طارق أبو السعد، الخبير في شئون الحركات الإسلامية، أن العلاقة بين جماعة الإخوان والدولة المصرية على مدار تاريخها اتسمت بحالة من الصدام والتوتر المستمر، مشيرا إلى أن اللافت في هذا السياق هو وجود تقاطعات في بعض المواقف مع توجهات إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالموقف من عدد من رموز الدولة المصرية.
ويوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن العداء الذي أبدته الجماعة تجاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان أكثر حدة من أي أطراف أخرى، مضيفا أن هذا العداء، بغض النظر عن أسبابه الداخلية المرتبطة بصراع الجماعة مع الدولة، كان في بعض الأحيان يتقاطع مع مواقف معادية للدولة المصرية بشكل عام، وهو ما يثير تساؤلات حول نتائج هذا الخطاب وتأثيره.

طارق أبو السعد
ويشير إلى أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي سمح بعودة التيارات الإسلامية للحياة العامة بعد فترة من التضييق، وقاد حرب أكتوبر، واجه بدوره موجات من الهجوم والدعاية المضادة، لافتا إلى أن هذا التناقض في المواقف يعكس إشكالية في علاقة الجماعة برموز الدولة، حتى في الحالات التي شهدت تقاربًا مرحليًا.
ويضيف أن تكرار بعض السرديات خلال الأحداث الإقليمية، مثل الحرب في غزة، وظهور خطاب إعلامي يتقاطع في بعض جوانبه مع روايات إسرائيلية، يثير حالة من الجدل، موضحا أن هذا التشابه لا يمكن الجزم بأنه ناتج عن تنسيق مباشر، لكنه يطرح تساؤلات حول طبيعة الخطاب وأهدافه، خاصة عندما يكون في اتجاه معاكس للموقف الرسمي المصري.
ويتابع أبو السعد أن تحليل هذه الظواهر يجب أن يتم في إطار أوسع، يأخذ في الاعتبار طبيعة الصراعات الإقليمية، ودور القوى الدولية في التأثير على مساراتها، مشيرا إلى أن بعض الأطراف قد تستفيد من حالة الانقسام داخل المنطقة العربية، بما يؤدي إلى إضعاف المواقف الموحدة.