بين أزقة الإسكندرية القديمة، وتحديداً في حي كرموز العتيق، لا تزال أصداء قصة "سعد إسكندر" تتردد ككابوس يأبى النسيان، لم يكن مجرد مجرم عادي، بل كان لغزاً محيراً، شاباً يفيض وسامة وهدوءاً، لكنه يخفي خلف ملامحه الرزينة وحشاً كاسراً استحق لقب "سفاح كرموز" عن جدارة، ليصبح واحداً من أكثر الشخصيات رعباً في تاريخ الجريمة المصرية في منتصف القرن الماضي.
السر الحقيقي في حياة سعد إسكندر يكمن في "الازدواجية"؛ فبينما كان الجيران يرونه الشاب القادم من أسيوط بحثاً عن لقمة العيش في مخازن الغلال بالإسكندرية، كان هو يخطط لملاحمه الدامية.
يقول اللواء رفعت عبد الحميد الخبير الأمني، ونجل ضابط الشرطة الذي ألقى القبض على السفاح: بدأت أولى جرائمه باغتيال سيدة عجوز في الستين من عمرها، ولم يكن الدافع مجرد السرقة، بل كانت هناك شهوة خفية للقتل والتخلص من ضحاياه بدم بارد، حيث كان يختار ضحاياه بعناية من النساء اللاتي يثقن به، مستغلاً جاذبيته وقدرته الفائقة على الإقناع.
السفاح لم يكن يترك وراءه أثر
المثير في مذكرات التحقيقات أن هذا السفاح لم يكن يترك وراءه أثراً، فكان "جراحاً" في جريمته، يعرف كيف يخفي معالم جثث ضحاياه، حتى أن الشرطة في ذلك الوقت وقفت عاجزة أمام توالي بلاغات الاختفاء.
ولم تكن جرائمه تقتصر على حي كرموز وحده، بل امتدت لتشمل مناطق أخرى، حيث كان يمتلك مخزناً تحول لاحقاً إلى مقبرة لضحاياه، فكان يقتل ويبيع المسروقات وكأن شيئاً لم يكن، يذهب ليتناول إفطاره بابتسامة هادئة على وجهه، بينما الدماء لا تزال عالقة تحت أظافره.
سر آخر كشفت عنه المحاكمات، وهو برود أعصابه الأسطوري؛ فحينما سقط في قبضة الأمن بعد مطاردات بوليسية مثيرة، لم يبدِ أي ندم، بل كان يواجه القضاة بذكاء حاد ومناورات قانونية، محاولاً التملص من حبل المشنقة الذي كان ينتظره.
نُفذ فيه حكم الإعدام في عام 1953
استمرت محاكمته لسنوات، وأثارت قضية رأي عام لم تشهدها مصر من قبل، حتى نُفذ فيه حكم الإعدام في عام 1953، ليرحل بجسده وتبقى أسرار جرائمه ودوافعه الحقيقية مادة خصبة للدراما والتحقيقات الصحفية التي لا تنتهي.
إن قصة سفاح كرموز ليست مجرد تاريخ جنائي، بل هي دراسة في سيكولوجية الشر المختبئ خلف قناع الوداعة، تذكرنا دائماً بأن أخطر المجرمين هم أولئك الذين يمشون بيننا بوجوه لا تشبه جرائمهم أبداً.