وسط مخاوف من تصاعد التهديدات السيبرانية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، طلبت المفوضية الأوروبية من عدد من كبار مسؤوليها إغلاق مجموعات دردشة على تطبيق "سيجنال"، كانت تستخدم لتبادل المعلومات، وذلك على خلفية مخاوف متزايدة من تعرضها للاختراق.
وبحسب ما نقلته صحيفة بولتيكو، فإن القرار جاء بعد اكتشاف وجود مجموعة تضم رؤساء أقسام ونوابهم داخل المفوضية، كانوا يتبادلون عبرها معلومات داخلية باستخدام التطبيق المشفر، وهو ما أثار قلقًا أمنيًا داخل بروكسل.
وأكد 3 مسؤولين مطلعين على القضية فى تصريحات للصحيفة، أن المفوضية طلبت من أعضاء المجموعة حذفها فورًا، مشيرين إلى أن هذه الخطوة تأتي في سياق أوسع من القلق بشأن سلامة الاتصالات الرقمية، خاصة في ظل تزايد الهجمات السيبرانية التي تستهدف مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحقيقات تجريها المفوضية في هجوم إلكتروني استهدف مواقعها الإلكترونية خلال الفترة الماضية، وسط مؤشرات أولية على تعرض بعض البيانات للسرقة، ما يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها المؤسسات الأوروبية.
من جانبه قال سفين هيربيج، الباحث في الأمن السيبراني بمركز «إنترفيس» الألماني، إن العمليات السيبرانية تشهد تصاعدًا ملحوظًا من حيث الكم والنوع، موضحًا أن هذه الهجمات لم تعد تقتصر على القراصنة التقليديين، بل تشمل أيضًا جهات حكومية تسعى للوصول إلى بيانات حساسة.
وأضاف أن السياسيين والأحزاب لطالما كانوا هدفًا رئيسيًا لعمليات التجسس، مشيرًا إلى أن اختراق الأجهزة الشخصية يظل أحد أخطر السيناريوهات، حيث يمكن للمهاجمين الوصول إلى المحادثات والصور وكافة البيانات المخزنة.
ورغم أن تطبيق «سيجنال» يصنف كأحد أكثر تطبيقات المراسلة أمانًا، إلا أن خبراء الأمن يحذرون من أن اختراق الهاتف نفسه يفتح الباب أمام الوصول إلى جميع البيانات، بغض النظر عن مستوى تشفير التطبيق.
وكشف مسؤولان أوروبيان أن المفوضية رصدت خلال الفترة الماضية محاولات تصيد احتيالي استهدفت مسؤولين كبار، حيث تلقوا رسائل تطلب منهم إدخال رموز PIN الخاصة بتطبيق «سيجنال»، في محاولة للسيطرة على حساباتهم.
ولم تقتصر محاولات الاختراق على «سيجنال»، فقط، إذ أشار مسؤولون إلى أن مستخدمي WhatsApp تعرضوا أيضًا لهجمات مماثلة، وإن كانت أقل حدة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مختلف منصات التواصل.
ورغم ذلك، لا تزال التوجيهات الرسمية داخل المفوضية توصي باستخدام «سيجنال»، بدلًا من «واتساب»، باعتباره أكثر أمانًا من الناحية التقنية، وهو ما يضع المؤسسات الأوروبية أمام معادلة معقدة بين الأمان وسهولة الاستخدام.
من جانبه، رفض متحدث باسم المفوضية الأوروبية التعليق على تفاصيل الإجراءات الأمنية الداخلية، مكتفيًا بالتأكيد على أن المؤسسة تأخذ التهديدات السيبرانية على محمل الجد، ولديها إرشادات واضحة لحماية بيانات موظفيها.
وفي إطار الإجراءات الاحترازية، أكد مسؤولان أن المفوضية بدأت بالفعل في مراجعة شاملة لمنظومة الأمن السيبراني، تشمل استبدال الأجهزة المحمولة الخاصة بكبار المسؤولين بشكل دوري، إلى جانب تحديث أنظمة الحماية.
كما كشفت تقارير سابقة أن المفوضية رصدت في يناير الماضي مؤشرات على اختراق البنية التحتية التقنية الخاصة بإدارة الأجهزة المحمولة، وهو ما قد يكون أتاح للمتسللين الوصول إلى بيانات حساسة، من بينها أسماء الموظفين وأرقام هواتفهم.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أطلقتها أجهزة استخبارات أوروبية، من بينها هولندا، بشأن حملة إلكترونية واسعة النطاق يُعتقد أن جهات مرتبطة بروسيا تقف وراءها، حيث استخدم القراصنة أساليب متطورة، منها انتحال صفة دعم فني لتطبيق «سيجنال» لخداع المستخدمين ودفعهم للكشف عن بياناتهم.
وفي السياق ذاته، أصدرت أجهزة الأمن في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والبرتغال تحذيرات مماثلة، ما يعكس وجود تهديد منظم يستهدف البنية الرقمية للحكومات الأوروبية.
من جانبه، قال ماثيو هودجسون، الرئيس التنفيذي لشركة «إليمنت» المتخصصة في تقنيات الاتصالات الآمنة، إن تطبيقات المراسلة التجارية مثل «سيجنال» «واتساب» لا توفر المستوى المطلوب من التحكم في بيئة العمل الحكومي، مشيرًا إلى غياب خصائص مثل إدارة الوصول أو أنظمة التحقق الموحدة.
وأضاف أن هذه التطبيقات قد تمثل نقطة ضعف في حال استخدامها داخل المؤسسات الرسمية، خاصة في ظل صعوبة التحكم في المستخدمين أو إلغاء صلاحياتهم بشكل فوري.
وتعيد هذه الأزمة إلى الأذهان واقعة «سيجنال جيت» التي أثارت جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة العام الماضي، بعد تسريب محادثات حساسة داخل مجموعة على التطبيق ضمت مسؤولين كبارًا، وهو ما سلط الضوء على مخاطر استخدام التطبيقات التجارية في الاتصالات الحكومية.
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو إعادة تقييم شاملة لسياسات الاتصال الداخلي، في محاولة لمواكبة التحديات الأمنية المتزايدة، وضمان حماية بياناته في ظل بيئة رقمية باتت أكثر تعقيدًا وخطورة.