لم يكن يوم السابع عشر من أبريل مجرد رقم تاريخى عابر، بل هو نبض قلب يدق في جسد نحيل بين جدران صماء في بلد عزت فيها الحياة، وصرخة صامتة ماتت دون أن يشعر بها أحد، وأخرى اخترقت تلك الأسلاك الشائكة ولكن دون جدوى. في هذا التاريخ من كل عام يحتفى العالم بيوم الأسير الفلسطينى في قصص حية وآلاف الحكايات.
في هذا اليوم لا نتحدث عن أرقام وإحصائيات، بل نتحدث عن آباء لا يعرفون أبناؤهم إلا من خلال صور لملامح الباهتة، وعن زوجات تقتلهن الوحدة والخوف والمسؤولية في كل يوم آلاف المرات، وعن أمهات ثكلى حزانا فطرت قلوبهن و أكل الانتظار ملامحهن، وعن شباب ذبلوا وضاعت أعمارهم في زنازين كساها الظلام ليل نهار وسادها العفن رغم طهارة ساكنها، شباب يحلم بالحرية رغم يقينه بالشهادة
في هذا التقرير، نفتح نوافذ الأمل ونستعرض حكايات وتحديات صمود الاسرى الفلسطينين في يومهم العالمى.
"أحمد سليم" عشرون عاماً خلف القضبان
في لحظات تحمل ذكرى مؤلمة، يروي الأسير المحرر المبعد، أحمد عبد القادر سليم الذى يحمل طيلة عمره ال ٤٤ عاما قضيته وفصول ملحمته التى بدأت برصاصات عشر وانتهت بحرية انتزعت من المستحيل. الحكاية ليست قصة اعتقال بل حكاية إنسان قرر أن يحول "الزنزانة" من قيد إلى مختبر للإبداع والتحصيل العلمي. وفي مثل هذا اليوم السابع عشر من شهر إبريل من كل عام، يحتفل العالم بيوم الاسير الفلسطينى، ولا يوجد أفضل من أصحاب المعاناة يتحدثون عنها.
رصاصات البداية
بدأت الحكاية حين كان أحمد شاباً في الثامنة عشرة من عمره؛ اشتعلت "انتفاضة الأقصى" عقب تدنيس أرئيل شارون لباحات المسجد الأقصى، فانخرط الشاب في صفوف المقاومة ضمن "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة "فتح"، وشارك في تنفيذ عملية فدائية أدت لمقتل 3 صهاينة وجرح 3 آخرين.
رحلة من طويلة من المطاردة والخوف لم تكن سهلة، وانتهت في 26/11/2002 حين وصلت قوات الاحتلال لمكان تواجده، فأمطرت جسده النحيل بالرصاص؛ عشر طلقات استقرت في قدميه، لتعلن بداية فصل جديد من العذاب ليكتب اسمه ضمن صفوف الاسرى داخل أروقة السجون.
جحيم الأحكام الصورية .. مسرحيات
يصف سليم المحاكم الإسرائيلية بأنها "مسرحيات" يتبادل فيها القاضي دور الحاكم والجلاد، حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد مرتين إضافة إلى 25 عاماً.
داخل السجون، واجه أحمد ورفاقه أبشع الظروف غرف لا تتسع لـ 3 أشخاص، يُكدس فيها 8 أسرى، تهوية سيئة، أغطية وفراش رديء، وحرمان ممنهج من الطعام والزيارات والتواصل مع الأهل واستخدام الغاز، ويزيد العزل والإهمال الطبي المتعمد الذي يخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.
الإضراب والتعليم
لم يستسلم الأسرى، فخاضوا معارك "الأمعاء الخاوية"، ومنها إضراب 2017 بقيادة مروان البرغوثي الذي استمر 43 يوماً لانتزاع حقوقهم الأساسية. لكن المعركة الأكبر كانت "معركة الوعي".
يقول سليم: "خلقنا لأنفسنا تفاصيل حياة مختلفة، نحن بشر نعشق الحياة وننتصر بالعزيمة من خلال كياناً تنظيمياً وثقافياً يدير حياتهم، وتحولت الغرف إلى قاعات دراسية لتحليل السياسة والاقتصاد والتاريخ."، وبعد نضال طويل، فرض الأسرى حقهم في التعليم عن بعد. واستطاع أحمد سليم أن يحقق معجزة أكاديمية.
حصل الاسير على البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية والتنمية البشرية من جامعة القدس المفتوحة، ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة فلسطين، وأنجز السنة الأولى في دراسة الدكتوراه في الإرشاد النفسي والتربوي.
الجحيم المضاعف
يروي سليم، حال السجون انقلب رأساً على عقب بعد "طوفان الأقصى" السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ تحولت الزنازين إلى جحيم يومي تجاوز التعذيب النفسي إلى التنكيل الجسدي المستمر، والحرمان المطلق من الضوء، والاستحمام، والخروج لساحة "الفورة"، ليعيش الأسرى في عتمة كاملة لا تفرق بين ليل أو نهار.
الخروج إلى النور
في 3/2/2025، وبعد 23 عاماً من الصمود داخل القيد، تنفس أحمد سليم الحرية ضمن "صفقة وفاء الأحرار" التي جاءت تتويجاً لتبعات "طوفان الأقصى"، لينتقل إلى بلده الثانى مصر، حاملاً معه شهاداته العلمية، وجروح عشر رصاصات، وحكاية لن تنتهي عن إرادة فلسطينية هزمت السجان بالصبر والعلم.
مريم أبو دقة: حكاية "قاصر" أربكت حسابات الأمن الإسرائيلي
رحلة تيه استمرت ثلاثين عاماً، حملت فيها مريم أبو دقه وطنها في "قنينة رمليه" وصورة باهتة لوجه أمها. لم تكن رحلتها مجرد انتقال جغرافي بين عواصم الشتات، بل كانت صراعاً وجودياً. بدأت الحكاية بقرار إبعاد قسري اتخذه الاحتلال الصهيونى بعد 24 ساعة فقط من تحررها من "السجن".
البداية وقتل البراءة
نعود للخلف عدة سنوات حين كانت مريم أبو دقة قد تجاوزت ربيعها السادس عشر لتجد نفسها أمام قضاة المحكمة العسكرية الإسرائيلية في عام 1968. لتحاكم بتهمة "الخطر على أمن الدولة". ورغم صغر سنها لم يشفع لها ذلك أمام غطرسة الاحتلال الصهيونى؛ فصدر بحقها حكم بالسجن لمدة سنتين وغرامة مالية باهظة بلغت 2000 ليرة في وقتها، وذلك بعد فترة تنكيل دامت 6 أشهر تحت "وقف التنفيذ" والمطاردة المستمرة.
٢٤ ساعة للمغادرة
قضت مريم حبسها بمرارة الاسير فنانات أقصى انواع التعذيب والتنكيل، حتى انتهى كابوس السجن، وظنت أن خروجها هو النهاية، لكن المفاجأة التي أعدها الاحتلال كانت أشد قسوة من الزنزانة. حيث صنفها "خطراً أمنياً"، وصدر قرار إبعادها القسري. فمنحت الفتاة ابنة الثانية عشر عاما 24 ساعة فقط لتودع شوارع وأزقة لبلدها ووجوه أحبتها وأهلها، متجهة نحو الحدود الأردنية بلا هوية، ولا جواز سفر، ولا تملك من حطام الدنيا سوى أوراق المحكمة التي تدين من لا يملكون رحمة ولاقلب" الاحتلال الصهيونى".
١١ يوماً على الحدود والاختطاف للحرية المزعومة
وقفت مريم وحيدة في المنطقة المحرمة بين فكي كماشة؛ الاحتلال يمنع عودتها إلى تراب وطنها، والأمن الأردني يرفض عبورها بلا وثائق رسمية. 11 يوماً بلياليها قضتها مريم على الحدود الأردنية الفلسطينية، في انتظار معجزة تنهي آلامها.
في ذلك الوقت قرر رفاقها في الجبهة الشعبية الفلسطينية اختطافها من فوق جسر الإردن وإدخالها إلى الأراضي الأردنية بعيداً عن أعين الرقابة، لتبدأ من هناك رحلة نضالية جديدة استمرت ثلاثين عاماً، بدأت من خيمة للتدريب في الاردن مرورا بالدراسة في بلغاريا والعيش في سوريا.
بعد ٣٠ عاما من الغربة
في أزقة دمشق، وبين ذكريات الدراسة في بلغاريا، عاشت مريم "اللجوء القسري" الذي وصفته قائلة" حمل لا تطيقه الجبال، كنت أضغط على جفونى لأهرب من كابوس الغربة، محلقة بخيالى في شوارع حارتي القديمة ومدرستي في غزة الحبيبة". مضيفة في "ليلة غراء" جائنى يقينى بالبشرة عبر مكالمة هاتفية غير متوقعة من ابن عمها؛ يؤكد لى فيها "تعالي يا ابنة عمي سأصطحبك إلى فلسطين". كلمات بمثابة موسيقى العودة التي حيت صلد المنفى، ورغم رفض الاحتلال لاسمي وضمه لقوائم المبعدين لانى معروفة لدى المخابرات الاسرائيلية كفدائية واسيرة سابقة، إلا أن "معجزة" تصريح الزيارة كانت الثغرة التي نفذت منها شمس الأمل، وتمكنت من عبور المعابر بجواز سفر أردني مؤقت وتصريح زيارة.
حين عاد النور
روت مريم لحظة العبور قائلة: "كنت كشجرة عارية وحيدة بين الأدغال، لكن الإرادة كانت أقوى، بختم صغير على جواز سفر مؤقت انهار جدار المنفى، وتعالت أصوات التهاني مبروك ادخلي بلدك ووطنك الكبير، دخلت غزة في ساعة متأخرة، والقرية تغط في ظلام دامس. لم تكن الشوارع كما تركتها، فقد غادرتها ابنة التاسعة عشر وعدت إليها دكتورة في الفلسفة ومناضلة تزداد صلابة. بمجرد وصولى، شعرت بنور السماء يضئ الظلام؛ أنوار البيوت أضيئت، وخرجت الأهالى وأحبتى ليلتقونى كطفلة هوت من أعلى طابق لثبتو قدمى بأمان على أرض وطنى، أما هنا في حوش بيتى، وجدتها تجلس قعيدة وحيدة على كرسيها، رميت نفسى في حضنها لأمسح عذابات السنين وغربتى في تلك اللحظة كانت لآلئ مقلتى أمى الحبيبة تضئ وجهها بنور غاب لثلاثة عقود.
أسامة الأشقر.. "جنرال الصبر" الذي هزم عتمة الزنزانة بضوء الوعي
في قرية "صايدا" بطولكرم، لم تكن طفولة أسامة الأشقر تشبه طفولة أقرانه في العالم. تفتحت عيناه عام 1982 على مشهد الجنود وهم يدنسون حرمة المنازل، لتبدأ حكايته مع الاحتلال ككل طفل فلسطيني يرى زيتونته تُحرق وأرضه تُغتصب. في سن السادسة عشرة، قرر أسامة أن ينتقل من مقاعد الدراسة إلى صفوف المقاومة، ليجد نفسه مطارداً لمدة عامين، قبل أن يُغلق خلفه باب السجن في 14 نوفمبر 2002، لتبدأ رحلة صمود استمرت قرابة 23 عاماً.
الحياة داخل "التابوت"
يصف أسامة السجن الإسرائيلي بأنه ليس مجرد جدران خرسانية، بل هو "تابوت" يحاول سلب الإنسان روحه. لكنه يكشف عن "عبقرية الأسير" التي حولت هذا الضيق إلى "دولة خاصة". داخل السجون، لم يستسلم أسامة ورفاقه لواقع القمع، بل أوجدوا ما يسمى بـ "الحركة الوطنية الأسيرة"؛ وهي منظومة إدارية وتعليمية تفوق تنظيم الدول الكبرى.
يقول الأشقر بزهو المناضل: "أوجدنا نظاماً لإدارة حياتنا، من التعليم والثقافة إلى ترتيب استقبال الأسرى الجدد وتدريبهم". كان السجن بالنسبة له مدرسة للوعي، حيث يواجه الأسير محاولات الاحتلال لـ "كي الوعي" وتدمير الهوية الوطنية، ليخرج من الزنزانة كادراً مثقفاً يمتلك من الخبرة ما يرهب السجان.
"أبواب الجحيم"
لم تكن المعركة داخل السجن جسدية فقط، بل كانت حرباً نفسية ضروساً يطلق عليها أسامة "أبواب الجحيم". تعرض الأشقر لأساليب تعذيب وحشية، من "الشبح" لساعات طويلة، إلى وضعية "الموزة" التي تفتت الظهر. لكن الوجع الأكبر لم يكن في الجسد، بل في "المساومة".
يروي أسامة بمرارة لحظات الضغط النفسي حين حاول المحتلون إخضاعه بالمساومة على أهله: "أصعب ما يمر به الأسير هو رؤية أمه أو والده يُهانون أمام عينيه لانتزاع اعتراف منه". صمد أسامة أمام محاولات "كي الوعي" ورفض مقايضة كرامته بالمعلومات، مؤكداً أن "الأسير يكتشف إرادته الحقيقية حين يقرر ألا ينكسر أمام جلاده".
معجزة الوفاء وحلم الحرية
بعد عقدين ونيف من "العيش في العدم"، وتنفس الأمل من خيوط ضوء بيضاء رفيعة تتسلل من شقوق الزنازين، عانق أسامة الأشقر الحرية في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة التي رعتها مصر. خرج أسامة ليجد فلسطين التي تركها "سجناً كبيراً"، لكنه يحمل معه إرادة صلبة صُقلت في أتون السجون.
اليوم، يروي أسامة قصته لا ليوثق الوجع، بل ليوجه رسالة للعالم بأن خلف كل رقم في سجون الاحتلال إنسان، وحكاية، وحلم يرفض الانطفاء. يختتم الأشقر حديثه بيقين: هناك فرق كبير بين أن تكون في حضن أسرتك حتى لو تحت الاحتلال، وبين أن تكون وحيداً مكبلاً لكن الأمل في الفجر يظل دائماً أقوى من ظُلمة السجان.