برغيف خبز ووجع صامت.. شقيقات يصنعن الكرامة على نار الفرن ويساندن أزواجهن بعرق الجبين.. هدى يؤنسها شريط دواء ليبقى بيتها عامرًا بالستر.. منى تتحدى مرض السكرى من أجل أبنائها.. ويؤكدن: تعاهدن على ألا يميل لنا ظهر

الخميس، 16 أبريل 2026 08:00 م
برغيف خبز ووجع صامت.. شقيقات يصنعن الكرامة على نار الفرن ويساندن أزواجهن بعرق الجبين.. هدى يؤنسها شريط دواء ليبقى بيتها عامرًا بالستر.. منى تتحدى مرض السكرى من أجل أبنائها.. ويؤكدن: تعاهدن على ألا يميل لنا ظهر شقيقات يصنعن الكرامة على نار الفرن ويساندن أزواجهن بعرق الجبين

كتبت - مرام محمد

في أحد الأزقة الضيقة بمنطقة الوراق، تبدأ حكاية يومية للكفاح، حيث تجلس شقيقتان بملامح مصرية أصيلة، أمام فرنٍ بسيط، تعجنان الخبز وتصنعان منه مصدر رزق يحفظ كرامتهما ويُعين أسرتهما على متطلبات الحياة.

هدى ومنى لم تعرفا طريق الراحة، فاختارتا أن تكونا سندًا لبعضهما البعض، تواجهان قسوة الأيام بإرادة لا تلين، وتبدآن يومهما قبل شروق الشمس، بحثًا عن لقمة حلال تُصنع بعرق الجبين.

كفاح هدى ومنى
كفاح هدى ومنى

هنا، لا يُباع الخبز فقط، بل تُروى حكاية صمود لامرأتين قررتا أن تحوّلا أبسط الإمكانيات إلى حياة، وأن تجعلا من العمل الشريف طريقًا للستر والاعتماد على النفس، ومن رغيف الخبز قصة حب لا تنتهي، عنوانها: "نحن سند لبعضنا، والرزق في يدِ الرحمن".

كفاح هدى حسن
كفاح هدى حسن

في تمام السادسة صباحًا، حين يخيّم الهدوء على شوارع منطقة بحر البلد بـ الوراق، تبدأ هدى حسن معركتها اليومية؛ لا تبحث عن مجد زائف، بل عن "عجنة" توفّر لأبنائها حياة كريمة، تجلس أمام فرنها البلدي، يلفّها الدخان وتحتضنها العزيمة، في مشهد يختصر حكاية المرأة المصرية التي لا تعرف المستحيل.

كفاح هدى حسن أمام الفرن
كفاح هدى حسن أمام الفرن

يومها ليس مجرد خبز وبيع، بل جدول مزدحم بالمسؤوليات، تقول: "بخلص عجين وأقعد أرتاح 5 دقايق، وبعدين أطلع أغسل المواعين وأنشر الغسيل وأظبط بيتي فوق"، هكذا تصف الفجوة الزمنية بين عجن الطحين وخَبزه؛ فهي تدير بيتًا كاملًا، وتعمل في الشارع بتناغم لا يتقنه إلا من اعتاد الكفاح.

هدى حسن ابنة الوراق
هدى حسن ابنة الوراق

لم تكن هدى وحدها في هذا الطريق، فإلى جوارها شقيقتها "أم محمد"، التي تتقاسم معها مشقة العمل وتفاصيل اليوم، في شراكة تتجاوز الأخوة إلى كفاح مشترك: "أختي تقطع العجين على الألواح، وأنا أطلع أحضّر الفطار، وننزل نفطر ونبدأ الشغل".

منى حسن
منى حسن

وفي لحظة مؤثرة، تضع يدها في جيب جلبابها لتُخرج شريط مسكن صار جزءًا من يومها، وتعترف بوجعها الذي تخفيه خلف ابتسامتها: "بكون تعبانة ولازم آخد مسكن كل يوم.. بنزل الصبح جسمي همدان ومش قادرة"، لكن هذا الإرهاق يتلاشى حين تهمس: "يا رب أنت المعين"، وكأنها تستمد منها طاقة لا تمنحها العقاقير.

هدى حسن
هدى حسن

ولا تؤلمها حرارة الصيف بقدر ما يرهقها غدر الشتاء؛ إذ تتحول منطقة عملها إلى بركة من الوحل في الأيام الممطرة، تقول: "بنتبهدل في المطرة والطينة.. بننشف الأرض بالتراب ونفرش الحصيرة وفوقها بطانية عشان نعرف نشتغل"، هكذا تواجه المطر بإصرار، وتقف في مكانها مهما كانت الظروف، فلا مكان للإجازات في قاموس لقمة العيش.

كفاح هدى حسن لتوفير حياة كريمة لأسرتها
كفاح هدى حسن لتوفير حياة كريمة لأسرتها

"ناكل بالحلال أحسن ما أمد إيدي لحد ويديني جنيه".. قاعدة ذهبية تحكم حياتها، ورغم أن زوجها يعمل حين تتاح الفرصة، فإنها تصر على أن تكون "الكتف بالكتف": "لازم أساعده وأساعد بيتي وعيالي.. الكفاح صعب بس لازم نمشي دنيتنا". فهي لا تنتظر من أحد شيئًا، وكرامتها مصونة بعرق جبينها.

كفاح هدى من أجل أسرتها
كفاح هدى من أجل أسرتها

وحين تُسأل عن أحلامها، لا تطلب المستحيل؛ تختصرها في كلمتين: "الستر والرسالة"، فتتمنى جبر خاطر أبنائها وتزويجهم، وتحلم بزيارة بيت الله الحرام، حجًا أو عمرة، تقول: "ساعات بقول تعبت يا رب وأنت اللي عالم بيا.. بس ورايا عيال وبيت لازم أقوم وأجيب أكل عيشهم".

هدى حسن تساند زوجها
هدى حسن تساند زوجها

لا تنظر إلى الغد بخوف، بل بأمل بسيط في ستر يكتمل بأبنائها، وربما رحلة إلى بيت الله الحرام إن كتب الله لها نصيبًا، وإن لم يكن، فحسبها أنها أدّت رسالتها، وزوّجت أبناءها، وخرجت من الدنيا بيد لم تمتد إلا لخالقها.

شقيقات يساندن أزواجهن بعرق الجبين
شقيقات يساندن أزواجهن بعرق الجبين

أمام لهيب الفرن الذي لا يرحم، لا تقف امرأة واحدة، بل تقف "عزوة" من الشقيقات اللواتي اخترن الرصيف ساحة لكفاحهن الشريف.. هنا، تتحول العلاقة بين "أم محمد" وشقيقتها من مجرد صلة رحم إلى شراكة صمود، يتقاسمن فيها ثقل المسؤولية.

منى حسن تكافح من أجل أسرتها
منى حسن تكافح من أجل أسرتها

وبينما تنشغل هدى بالعجين، تقف منى "أم محمد" لساعات طويلة، رغم صراعها الصامت مع مرض السكري، تقول: "صعب قوي أقف والعرق يكب عليّا وأنا هبطانة وحاسة إني هغمى عليّا.. بس لازم أكمل". يختبئ هذا الألم خلف إرادة صلبة، فـ"عرق الجبين" أهون لديها من مرارة الحاجة.

منى حسن خبازة تكافح من أجل أسرتها
منى حسن خبازة تكافح من أجل أسرتها

خلف كل رغيف، حسابات لا تنتهي، لم تخرج منى للعمل ترفًا، بل لتسديد ديون زواج ابنها، وتأمين مستقبل ابنتها في الثانوية العامة، تقول بعينين يملؤهما الأمل: "عليّ قرشين لازم أسددهم.. ولازم بنتي تكمل تعليمها.. الحياة سلم ولازم نطلعه خطوة خطوة".

2787bb9d-aafa-4d0f-b4fb-224a7a1f335f
كفاح منى حسن لتوفير حياة أفضل لأسرتها

وتتجلى روح التعاون بين الشقيقتين؛ فإحداهما تجلس أمام الفرن لساعات متواصلة، والأخرى تجهّز العجين، وتنشر الخبز، وتعبّئه للزبائن: "إحنا إيد واحدة وبنكمل بعض"، هكذا تختصر "أم محمد" حكايتهما، مؤكدة أن ظروف الحياة وظروف أزواجهن الذين يعملون (أرزقية) جعلت منهن جدارًا لا يميل.

هدى يؤنسها شريط دواء ليبقى بيتها عامرًا بالستر
هدى يؤنسها شريط دواء ليبقى بيتها عامرًا بالستر

لم تتعلما في المدارس، بل في "مدرسة الشقاء"، حيث أدركتا أن الستر لا يُمنح مجانًا، وأن السعادة الحقيقية تكمن في نظرة الفخر بعيون الأبناء وهم يأكلون لقمة حلال، ولا تطلبان من الدنيا سوى ألا تحتاجا لغير الله، وأن تبقى بيوتهما قائمة بجهدهما.

منى حسن خبازة تكافح في الوراق
منى حسن خبازة تكافح في الوراق

وتتجلى أسمى معاني الرضا في كلمات بسيطة تقولها منى: "أكتر حاجة بتبسطني إني أدخل قرش حلال لولادي وأكون مستورة".

منى تتحدى مرض السكرى من أجل أبنائها
منى تتحدى مرض السكرى من أجل أبنائها

هكذا تمضي الشقيقتان في طريقهما، تتحديان المرض والديون ولهيب الأيام، مؤكدتين أن المرأة حين تختار الكرامة، لا يقف في طريقها تعب ولا ظروف، تبقى شامخة، تمنح الحياة معنى، وتختصر حكايتها في جملة واحدة: "إحنا سند لبعض.. والرزق على الله".

شقيقات يصنعن الكرامة على نار الفرن
شقيقات يصنعن الكرامة على نار الفرن

ولا يقتصر هذا الصمود عليهما فقط، بل تمتد الحكاية إلى شقيقتين أخريين تنضمان إليهما من حين لآخر، يتقاسمن العرق والتعب وأحلام الستر البسيطة، في حضورهن تتجسد "العزوة" الحقيقية؛ واحدة تدعو، وأخرى تساند، والبقية ينسجن خيوط الصمود في صمت.

هدى ومنى (2)
هدى ومنى
 
WhatsApp Image 2026-04-15 at 9.50.03 PM

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة