توجهت سيدة الغناء العربى إلى مدينة طنطا بمحافظة الغربية يوم 16 أبريل، مثل هذا اليوم، 1970، وذلك بعد أقل من عام على حفلتها فى السرادق الذى أقيم بنادى طنطا الرياضى يوم 8 مايو 1969، وكانت ضمن حفلاتها داخليا وخارجيا لصالح المجهود الحربى استعدادا للحرب ضد إسرائيل بعد نكسة 5 يونيو 1967.
كان المحافظون الذين ترعى محافظاتهم المهجرين من مدن القناة فى مقدمة الحاضرين للحفل، ومنهم سعد زايد محافظ القاهرة، ومحمد البلتاجى محافظ الجيزة، وإبراهيم بغدادى محافظ كفر الشيخ، وكذلك حمدى عاشور وزير الحكم المحلى، حسبما يذكر الكاتب والباحث كريم جمال فى كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى»، مضيفا أنه فى الساعة العاشرة مساء وبعد أن رفع الستار عن أم كلثوم وفرقتها، صعد وجيه أباظة إلى المسرح ووقف بجوار أم كلثوم ليقدمها إلى الجمهور، وأعلن عن أن شعب الغربية العظيم سارع وتبرع فى هذا الحفل، لإخوتنا وضيوفنا من أبناء القناة، فكانت حصيلة التبرعات 274 ألف جنيه لإعادة بناء مدن القناة، وشيك آخر بألف جنيه لمنظمة «فتح» الفلسطينية، وشيك آخر بألف جنيه لمنظمة سيناء «كانت تقوم بأعمال فدائية داخل سيناء»، وشيك آخر بألف جنيه لأسر المجندين والمحاربين فى القناة، ليكون المجموع 277 ألف جنيه.
كان الاهتمام بجمع التبرعات للمهجرين ضمن نشاط أم كلثوم فى مسألة المجهود الحربى، وفى هذا السياق توجهت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية يوم 21 ديسمبر 1969، لتسليم وزيرها «حافظ بدوى» الدفعة الثانية من حملة التبرعات لصالح أبناء المهجرين وقيمتها 11 ألف جنيه، وسلمت الدفعة الأولى يوم وقفة عيد الفطر الذى وافق 10 ديسمبر 1969 وقيمتها عشرة آلاف جنيه، ووجه حافظ بدوى رسالة شكر وتقدير إليها على هذا الدور، حسبما تذكر «الأهرام» فى عددها يوم 22 ديسمبر 1969، مضيفة أن اللقاء حضره وزير الإدارة المحلية حمدى عاشور بصفته نائبا لرئيس اللجنة العليا لشؤون المهجرين، ودار البحث فيه على أن تحيى أم كلثوم فى شهرى مايو ويونيو القادمين حفلتين يخصص إيرادهما للمهجرين.
تضيف «الأهرام» أن الوزير حمدى عاشور تقدم برسالة شكر وتقدير لأم كلثوم قال فيها: «الفنانة الإنسانة السيدة أم كلثوم، تحية طيبة، وبعد: «إن لقائى بك بوزارة الشؤون الاجتماعية ليلة العيد، تحملين هديته إلى إخواننا المهاجرين، كان فضلا لزاما علىّ أن أسجله، وكان انطلاقة أمل تحيلها يداك نورا على طريق التراحم والتكافل فى مجتمعنا الإنسانى».
ويضيف: «لقد كنت أشعر أن آذان الإنسانية كلها تسمع مع آذانى ومن معى وأن تقولين حينئذ: لا بد أن نجعل إخواننا المهاجرين يحسون أنهم فى عزة دائمة، وأن التبرع من أجلهم ليس منحة تعطى، ولا فضلا يبذل، ولا عطاء يمنى به، ولكنه قبل ذلك وبعده واجب وطنى ودينى، وأن المرأة العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة، يجب أن تأخذ دورها فى هذا المجال، وتثبت كما أثبتت من قديم أنها معاونة فى كل مهمة، مقدامة فى كل ملمة، وأن مجتمعنا تسير فيه المرأة العربية على نهج دربك، وتسعى فيه بالإرادة والمبادأة والعمل بالفعل والكلمة إلى تحقيق آماله، مجتمع متفاعل مؤمن لا يقهر، يعبد طريقه إلى النصر، ويشد من عزمه على طريق الآمال، ولم تكن المرأة العربية منذ فجر الإسلام بعيدة عن وطنية مجتمعنا وإنسانيته، وها نحن نرى فى جيلنا من يذكرنا بهن، نرى من تعيش بفنها وقلبها وعقلها فى معركة وطنها، فتنفعل معها وبها ولها، وتأبى ليلة عيدها إلا أن تبعث بالفرحة والسعادة إلى المهاجرين».
واصلت أم كلثوم نشاطها لصالح المهجرين، فسافرت إلى طنطا يوم 16 أبريل 1970 لتفتتح مشروع «أم كلثوم للأسرة المنتجة من المهجَرين»، وعنه تذكر مجلة «الكواكب» فى عددها رقم 978 يوم 27 أبريل 1970: «المشروع يضم 55 ماكينة خياطة تتدرب عليها 70 فتاة من المهاجرات، وتم شراؤها من حصيلة التبرعات التى جمعتها أم كلثوم، وحضر حفل الافتتاح حافظ بدوى وزير الشؤون الاجتماعية، ووجيه أباظة محافظ الغربية»، وتضيف «الكواكب»: «أم كلثوم يطلقون عليها اسم «أم المهجرين»، وعلق وجيه أباظة على هذه التسمية، قائلا: قريبا سوف نقول لك: «يا أم المنتصرين».
ويؤكد كريم جمال، أن هذا المشروع لاقى رواجا كبيرا بين المحافظات، وسعت كل محافظة إلى المشاركة فى مشروع ماكينات الخياطة وتوفيرها للمهجرات للاستفادة منهن كأيد عاملة فى المحافظة، فعملت أم كلثوم على توفير ما يزيد على ألف ماكينة خياطة، وهو الرقم الذى زاد مع الوقت ليصل إلى 1400 ماكينة وزعتها على المهجرات فى جميع المحافظات ما بين عام 1969 وبدايات عام 1972، عدا حملتها الكبرى من أجل تقديم المساعدات المالية لأبناء المهجرين.