عبد الفتاح القصرى بين الضحك والقهر والعز والفقر.. ابن أكابر ومترجم وخريج لغات.. بدأ مشواره بصفعة من جورج أبيض ورفض تجسيد شخصية زكى مبارك.. زوجته وابنه بالتبنى غدرا به ففقد بصره وعقله.. وعائلته لا تعرف مكان قبره

الأربعاء، 15 أبريل 2026 06:43 م
عبد الفتاح القصرى بين الضحك والقهر والعز والفقر.. ابن أكابر ومترجم وخريج لغات.. بدأ مشواره بصفعة من جورج أبيض ورفض تجسيد شخصية زكى مبارك.. زوجته وابنه بالتبنى غدرا به ففقد بصره وعقله.. وعائلته لا تعرف مكان قبره عبد الفتاح القصرى

كتبت زينب عبداللاه

عندما تراه في فيلم "الأستاذة فاطمة" مؤدياً دور الأب الذى يتعلم الهجاء ويتهته في قراءة الحروف والكلمات توقن بأنه "أمى" لا يعرف القراءة أو الكتابة، أو أنه بالكاد يفك الخط، وعندما تشاهده في أدوار الحانوتى وابن البلد والمعلم حنفى شيخ الصيادين، لا يساورك شك في أنه ابن بلد من منطقة شعبية وطبقة بسيطة.

هكذا صدقنا الفنان الكبير عبدالفتاح القصرى صاروخ الكوميديا صاحب البصمة المميزة الذى تعشقه كل الأجيال وتحفظ إيفيهاته وطريقته المتفردة في أداء أدواره، "نورماندى تو، أنا جنب منك أبقى مارلين مونور، انتى ست انتى ده انتى ست اشهر، يا صفايح الزبدة السايحة، كلمتى لا يمكن تنزل الأرض أبدًا.. خلاص هتنزل المرة دى، ومرافعته الشهيرة فى فيلم الأستاذة فاطمة"، وغيرها من عبارات لا تزال راسخة فى الأذهان.

ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن القصرى تعلم في مدارس اللغات وعمل مترجماً لبعض الروايات في مسرح جورج أبيض.

ولد الفنان الكبير في مثل هذا اليوم الموافق 15 أبريل واختلفت المصادر حول سنة ميلاده، فبينما أشارت ابنة شقيقه نجلاء القصرى في حوار أجريناه معها إلى أن عمها مولود عام 1905، يؤكد الكاتب والمؤرخ الفني ماهر زهدى طبقًا لما ذكره في تناوله لحياة القصري أنه ولد عام 1897.

كانت عائلة القصرى تعمل في الصاغة ويمتلك أفرادها ومنهم والده فؤاد القصري محلات ذهب في الجمالية، وجده كان يتمنى أن يرى حفيدًا في أسرة قليلة الإنجاب ليمتد به اسمه ويرث صنعة أجداده في تجارة الذهب، وكان ميلاد عبد الفتاح القصري يوم فرح للعائلة خاصة الجد، ليصبح الحفيد المدلل المولود وفي فمه ملعقة من ذهب.

ارتبط عبد الفتاح القصري بجدّه ومنطقته ارتباطًا شديدًا منذ طفولته، فاختلط بأولاد البلد والتجار والباعة وأصبح يتحدث ويتصرف مثلهم، ويرتدي الجلباب مثلهم ومثل جدّه.

وأراد والده أن يلحقه بإحدى المدارس التي يتعلم فيها أبناء الطبقة الراقية فألحقه بمدرسة الفرير الفرنسية.

ورغم تفوقه في الدراسة إلا أنه كان دائم التأخر عن المدرسة بسبب سهره مع أصدقائه على المقاهي، واستمر في المدرسة حتى أتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية، ثم حسم أمره بعدم الرغبة في استكمال دراسته.

تعرّف «القصري» على عدد من فناني المسرح وعشق الفن والتمثيل وبدأت محاولاته لاحتراف الفن، فالتحق بعدد من الفرق المسرحية ومنها فرقة فوزي الجزايرلي، وعبد الرحمن رشدي، ولكن هذه الفرق تعثرت وواجهت بعض المشاكل.

وعندما تقدم للعمل بفرقة جورج أبيض، تحمس له صاحبها بعد أن عرف إتقانه للغات وقدرته على ترجمة المسرحيات، وبالفعل ساعد القصرى في ترجمة بعض المسرحيات، حتى أعطاه جورج أبيض دور العراف الأعمى في مسرحية "أوديب ملكاً".

وقف القصرى على خشبة المسرح أمام جورج أبيض، وكان المفترض أن يقول أوديب للعراف الذي وصفه بالقاتل «صهٍ يا ابن الجحيم»، ويأتي الدور على العراف عبد الفتاح القصري الذي أراد التجويد فردّ بصوته وطريقته المميزة «واحسرتااااه أنا تقوللي صهٍ»، فانفجر الجمهور ضحكًا، وارتبك جورج أبيض وغضب بعدما أخرجه القصري من حالة الاندماج مع الشخصية، فأمر بإغلاق الستار، وانفعل على القصري في الكواليس ووصفه بالفاشل وأنه لن يكون ممثلًا أبدًا.

تعجب القصري لأنه ظن أن ضحك الجمهور معناه نجاحه، فازداد انفعال جورج أبيض وصفع القصري على وجهه وطرده من المسرح، -طبقا لما ذكره الكاتب ماهر زهدى- وصدرت الصحف في اليوم التالي لتتحدث عن واقعة ضرب جورج أبيض لممثل مبتدئ أفسد العرض المسرحي، واعتقد القصري أن هذه الصفعة كتبت نهاية مشواره الفني القصير ولن تقبله أي فرقة مسرحية بعدما انتشرت تفاصيل الواقعة وحكم عليه جورج أبيض بالفشل.

لم يكن القصري يعلم أن هذه الواقعة ستكون سببًا في انطلاقه الفني، وسوف ترسم خارطة طريقه ليكون أحد عمالقة الكوميديا.

فبمجرد أن سمع نجيب الريحاني بأن فنانًا مغمورًا طرده جورج أبيض لأنه أضحك الجمهور بدلًا من أن يبكيه، بحث الريحاني عن هذا المغمور ليضمّه إلى فرقته، وبعدما عثر عليه وقّع معه عقدًا للعمل في فرقته، ليبدأ مشوار نجومية القصرى في عالم الكوميديا.

وفى حوارى مع نجلاء محمد فؤاد القصري ابنة شقيق الفنان الكوميدى الراحل أثناء إعداد كتابى: "في بيوت الحبايب" كشفت عن العديد من المعلومات عن عمها، وعائلته.

وأوضحت أن عبد الفتاح القصرى كان أكبر إخوته وهم والدها محمد الذي عمل بالصاغة وعمها حسن طبيب بيطري وعمتها بهية، وأن والدها وعمّها حسن أنجبا بينما لم ينجب عمها الفنان عبدالفتاح القصري وعمتها بهية، موضحة أنها الشقيقة الصغرى بين 7 أشقاء توفي أغلبهم، قائلة: "الرجالة في عيلتنا بيموتوا بدري واخواته الرجالة ماتوا قبله، وبقيت بعده أخته بهية".

وأشارت إلى أن عمها تزوج للمرة الأولى في سن 16 عاما، ولكنه طلق زوجته بسبب عدم الإنجاب واستمر في طريقه الفني، فغضب عليه والده وطرده وهدده بالحرمان من الميراث، لكنه أصر على موقفه.

تألق القصري في فرقة الريحاني وربطتهما علاقة صداقة قوية، وبدأ طريق الشهرة والنجومية، وخلال هذه الفترة تزوّج مرتين ولكنه لم يحقق حلم الإنجاب، وفي فترات سفر الريحاني كان يعمل في فرقة علي الكسار وحقق شهرة واسعة ولم يقتصر نجاحه على المسرح فقط، وبدأ مشوار تألقه السينمائي عام 1935 عندما اختاره فوزي الجزايرلي للمشاركة في فيلم «المعلم بحبح»، ولفت الأنظار إليه وبدأت تنهال عليه العروض السينمائية خلال فترة الأربعينيات والخمسينيات حتى وصل عدد الأفلام التي كان يشارك فيها خلال العام الواحد إلى 10 أفلام بخلاف العروض التي كان يرفضها.

رفض القصرى الخروج عن جلباب وعباءة ابن البلد: «أنا لا أصلح إلا لأدوار أولاد البلد، صاحب قهوة، جزار، حانوتي، ماقدرش أمثل دور باشا.. عمري ما قعدت مع باشوات».. هكذا رد القصري ضاحكًا عندما عرض عليه المخرج أحمد بدرخان عام 1951 المشاركة في فيلم «مصطفى كامل» بتجسيد شخصية «زكي باشا مبارك»، وهي الواقعة التي ذكرها القصري في حوار أجراه مع الكاتب حسين عثمان.

وكانت وفاة الريحاني من أكبر صدمات حياة القصري، وبعدها كوّن القصري مع إسماعيل ياسين ثنائيا فنيا، ثم أصيب بمرض السكر عام 1951 بعد وفاة والدته.

وعن علاقته بعائلته، قالت نجلاء القصرى: «لم نكن نرى عمي إلا في العزاء عندما توفي إخوته، وكان شقيقي الأكبر يحكي أنه عندما دخل عزاء والدي ضحك كل الموجودين في العزاء، بسبب مشيته وهيئته المميزة التي كان يتميز بها في أفلامه وفي حياته، ولم أره إلا في عزاء عمي الذي توفي بعد والدى".

ظلّ حلم الإنجاب يراود القصري، وبعد زواجه للمرة الثالثة أيقن أن هذا الحلم لن يتحقق، ففكر في تبني طفل، وهي الفكرة التي رفضتها زوجته الثالثة، ولكنه في أحد الأيام رأى طفلًا في الثانية عشرة ينام في محل البقال المجاور له، وعندما سأل البقال عرف أنه يتيم، فأشفق القصري على الطفل من البرد والشارع وأخذه إلى بيته ليرعاه ويكون ابنه بالتبني، وهو ما رفضته زوجته وتركت المنزل وتطورت المشكلات بينهما حتى طلقها.

وفي عام 1958 وأثناء مشاركة القصري في مسرحية «عايز أحب» وصله خبر وفاة شقيقه محمد، فتحامل على نفسه حتى أكمل الفصل الثالث ثم انهار في البكاء، وبعد دفن شقيقه تدهورت حالته ودخل المستشفى.

وفي المستشفى تعرف على إحدى الممرضات التي شملته بعطفها، فتعلق بها رغم أنها تصغره بسنوات كثيرة، وبعدما تماثل للشفاء تزوّجها ليكتب بهذه الزيجة نهايته المأساوية، حيث أقنعته زوجته الشابة بأن يكتب لها كل أملاكه بحجة خوفها من أسرته إذا ما أصابه مكروه، وبعدها تغيّرت معاملتها له، وبدأ يشعر بأن هناك علاقة مريبة تربطها بابنه بالتبني وازداد شكّه حتى تأثرت صحته، وفى عام 1962 أثناء مشاركته في مسرحية «الحبيب المضروب» مع إسماعيل ياسين وتحية كاريوكا، فقد القصرى بصره، وصرخ على المسرح قائلًا: «الحقوني أنا مش شايف»، فظن إسماعيل ياسين في البداية أنه يرتجل كعادته، حتى أدرك أن صديقه فقد البصر بالفعل، واصطحبوه إلى المستشفى.

طلب القصري من زملائه إحضار شقيقته بهية أقرب إخوته إليه والتي ظلت على تواصل معه حتى خلال فترة انفصاله عن أسرته فاصطحبته إلى منزله، حيث أساءت زوجته معاملتها لإبعادها عنه، بينما ظل القصري أسيرًا في بيته الذي تنازل عنه لزوجته، وعاملته الزوجة أسوأ معاملة.

وعن هذه الفترة، قالت ابنة شقيقه: «حبسته زوجته في بدروم الفيلا وأساءت معاملته، بعدما استولت على أملاكه مما أدى إلى تدهور حالته وعجلت بنهايته.

وأجابت نجلاء القصري عن السؤال الذي طرحناه متعجّبين من عدم سؤال باقي أفراد أسرته عنه خلال تلك الفترة لإنقاذه من زوجته، قائلة: «إخواته الاثنين ماتوا قبله، والدي مات قبل أن يكمل سن 48 عامًا وكان عمري وقتها 3 سنوات، وبعده مات عمي حسن، لذلك صالت وجالت الزوجة الخائنة لأنه لم يكن هناك أحد يقف إلى جواره في محنته، وأولاد إخواته كانوا صغيرين ومحدّش يعرفه، وكانت عمتي بهية الأقرب إليه وهي التي كانت ترعاه في أواخر أيامه ولكن كانت حالتها المادية ضعيفة».

وعن هذه الفترة كتبت مجلة الكواكب في 17 مارس 1964: "أجبرته زوجته الشابة على تطليقها، وتزوّجت من صبي البقال الذي كان يرعاه لمدة 15 سنة، ليس هذا فحسب بل أجبرته على أن يوقّع شاهدًا على هذا الزواج، وأقام الزوجان في الشقة معه، فكانت النتيجة أن فقد عقله وأصيب بالهذيان".

حبسته طليقته ومنعت عنه الطعام وعاش ذليلًا في بيته يستجدي المارة من شباك غرفته، حتى فضحتها الصورة التي نشرتها جريدة الجمهورية في 24 يناير 1964، فأسرعت ماري منيب ونجوى سالم لزيارته وبصحبتهما الصحفي محمد دوارة، ولم تسمح لهم الزوجة بالدخول إليه إلا بعد معاناة، وكانت الصدمة التي أبكتهم أنه لم يتعرف عليهما بعدما أصيب بفقدان الذاكرة، فاصطحبته ماري منيب ونجوى سالم إلى مستشفى الدمرداش، وعرفا أنه أصيب بفقدان الذاكرة والهذيان، نتيجة تصلب الشرايين، وقضى القصري عدة أسابيع في المستشفى، خرج بعدها لتكتمل مأساته، حيث أغلقت مصلحة التنظيم منزله ووضعت عليه الشمع الأحمر تمهيدًا لإزالته، وباعت طليقته الأثاث وهربت مع زوجها الجديد، ليصبح القصري بلا مأوى.

قادت ماري منيب ونجوى سالم حملة تبرع لإنقاذ القصري من التشرد، وتوسطت نجوى سالم لدى محافظ القاهرة لتخصيص شقة له في مساكن المحافظة، وخصصت له نقابة الممثلين إعانة شهرية قدرها «10 جنيهات»، ونشرت جريدة الجمهورية اسم كل فنان والمبلغ الذي تبرع به على صفحاتها.

عاش عبد الفتاح القصري أيامه الأخيرة في هذه الشقة مع شقيقته بهية، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى صعدت روحه إلى بارئها في 8 مارس 1964، بعد حياة حافلة بالفن والضحك والقهر والظلم والحزن، وأُنفقت بقية التبرعات على جنازته التي لم يحضرها إلا عدد قليل من الفنانين، وشقيقته بهية التي توفيت بعده.

تشير ابنة شقيق عبد الفتاح القصري إلى أن أبناء إخوته كانوا صغارًا فلم يحضر أي منهم جنازته، بل تؤكد أنه لم يدفن في مقابر الأسرة ولا يعرفون مكان قبره أو حتى المنزل الذي عاش فيه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة