أزمة صحية بيطرية تهدد واحدًا من أشهر المنتجات الغذائية في أوروبا، حيث يواجه قطاع تربية الماشية في قبرص خطرًا وجوديًا بسبب تفشي مرض الحمى القلاعية شديد العدوى، في وقت ينعكس فيه الانقسام السياسي المستمر منذ عقود بين الجزيرة على جهود احتواء الأزمة، بما يضع مستقبل جبن «الحلوم» الشهير على المحك.
وبحسب التقريرالذى نشرته صحيفة بوليتكو، فإن السلطات الزراعية في قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، تؤكد أنها مضطرة لتطبيق سياسات صارمة تقضي بإعدام قطعان كاملة في حال إصابة أي حيوان داخلها، التزامًا بلوائح الاتحاد الأوروبي الخاصة بمكافحة الأوبئة الحيوانية، وفي المقابل، يعتمد الجانب القبرصي التركي في شمال الجزيرة، غير الخاضع لهذه اللوائح، على سياسة مختلفة تقوم أساسًا على التطعيم، دون تنفيذ عمليات إعدام واسعة النطاق.
من جانبه قال بانيكوس تشامباس، رئيس شركة قبرص التعاونية، إن الأزمة لا يمكن التعامل معها بشكل منفصل بين الشمال والجنوب، مضيفًا: قبرص كيان واحد، كيان رعوي، البيئة والشمس والهواء لا يمكن فصلها، فهي جميعها واحدة، نحن كيان واحد وينبغي تطبيق القواعد نفسها على الجميع.
ويحذر العاملون في قطاع الألبان من أن استمرار انتشار المرض قد يؤدي إلى خسائر ضخمة في الثروة الحيوانية، وبالتالي تهديد إنتاج جبن الحلوم، الذي يعتمد عليه الاقتصاد الزراعي القبرصي بشكل كبير.
وتشير البيانات إلى أن إنتاج الحلوم يتجاوز 45 ألف طن سنويًا، يتم تصدير نحو 42 ألف طن منها، ما يجعله ثاني أهم صادرات قبرص بقيمة تصل إلى 345 مليون يورو سنويًا.
وبحسب المنتجين، فإن القطاع كان يعاني بالفعل من ضغوط قبل تفشي المرض، نتيجة نقص حليب الأغنام والماعز المستخدم في صناعة الحلوم، حيث يستخدم نحو 80% من إجمالي إنتاج الحليب في الجزيرة لهذا الغرض.
ويقول صانعو الجبن إنهم أحيانًا يلجأون إلى حليب الأبقار كبديل، رغم أن ذلك لا يتوافق بالكامل مع المواصفات التقليدية للمنتج الحاصل على علامة المنشأ الأوروبية المحمية.
من جانبه، أوضح ميخاليس كولوروس، ممثل جمعية صانعي الجبن القبرصية، أن الخطر الحقيقي لا يتعلق بجودة المنتج، بل بكمية الحليب المتاحة، قائلاً: إذا تم إعدام عدد كبير من الحيوانات، فسنفقد الحليب، وسيتأثر إنتاج جبن الحلوم حتماً.
ويعد مرض الحمى القلاعية من الأمراض الحيوانية شديدة العدوى التي تصيب الأبقار والأغنام والخنازير والماعز، وتؤدي إلى تقرحات مؤلمة في الفم والأقدام، ورغم أنه لا يشكل خطرًا على الإنسان، إلا أنه يتسبب في خسائر اقتصادية ضخمة، وقد شهدت المملكة المتحدة أزمة مشابهة عام 2001 أدت إلى نفوق أكثر من ستة ملايين حيوان.
وتشير بيانات رسمية إلى أن أولى الإصابات في الجزيرة ظهرت في شمال قبرص في 16 ديسمبر، قبل أن تسجل أول حالة في جمهورية قبرص في 20 فبراير، وسط تقديرات تفيد بأن نحو 5.5% من الثروة الحيوانية في الجنوب تأثرت بالفعل منذ بداية التفشي.
وبينما تتهم السلطات في الجنوب الجانب التركي في الشمال بأن الفيروس انتقل من تركيا إلى الجزيرة، يؤكد مسؤولون في الشمال أن عمليات تبادل المعلومات جرت بشفافية، وأنهم زودوا الجنوب بلقاحات، بحسب ما قاله طوفان إرهورمان، الزعيم القبرصي التركي، الذي شدد على أن المسؤولين في الشمال قاموا بتوزيع اللقاحات على الجنوب ، داعيًا إلى تشكيل لجان مشتركة لتنسيق الجهود بعيدًا عن الاعتبارات السياسية.
من ناحية أخرى، ترى سلطات الشمال أن خيار الإعدام الجماعي ما زال قيد الدراسة، دون اتخاذ قرار نهائي بشأنه حتى الآن.
على المستوى الأوروبي، تلتزم جمهورية قبرص بتطبيق لوائح الاتحاد الأوروبي التي تنص على ضرورة إعدام الحيوانات المشتبه بإصابتها للحد من انتشار العدوى، وهو ما دفع الحكومة القبرصية إلى طلب استثناء من بروكسل، غير أن الطلب قوبل بالرفض.
وفي هذا الإطار، قال مفوض رعاية الحيوان في الاتحاد الأوروبي أوليفر فارهيلي، خلال زيارة للجزيرة، إن التحرك السريع ضروري، لأن السماح بانتشار المرض قد يؤدي إلى إصابة الجزيرة بأكملها وفقدان كامل الثروة الحيوانية ، مؤكدًا أن الإعدام هو الخيار الوحيد الفعال لاحتواء الأزمة.
و تشير تقارير أوروبية إلى أن المفوضية قدمت دعمًا لقبرص الشمالية عبر إرسال 500 ألف جرعة لقاح في فبراير، في خطوة تعكس التباين في سياسات إدارة الأزمة بين الجانبين.
ومع تفاقم الوضع، لجأ مزارعون في الجنوب إلى الاحتجاج، حيث نظموا وقفات أمام القصر الرئاسي، ورفعوا مطالبات بوقف ذبح الحيوانات السليمة، معتبرين أن السياسات الحالية تمثل خسارة اقتصادية وأخلاقية كبيرة، بحسب رسالة وجهها المربون إلى الرئيس القبرصي.