في محاولة متجددة لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، تعيد جماعة الإخوان الإرهابية طرح خطابها التقليدي عبر أدوات أكثر حداثة، مستغلة منصات رقمية مثل "ميدان" لترويج ما تسميه "وثيقة فكرية" تعيد من خلالها تسويق مفاهيم مثل "تطبيق الشريعة" و"الديمقراطية" و"الوطنية" بصياغات مراوغة، تستهدف إعادة التموضع داخل المشهد العام بعد سنوات من التراجع والانكشاف.
هذه التحركات لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من استخدام الشعارات الدينية كغطاء سياسي، حيث دأب التنظيم على توظيف الدين لتحقيق أهدافه التنظيمية، في محاولة لاختراق المجتمعات وإعادة بناء قواعده عبر خطاب يبدو ظاهريًا تصالحيًا، لكنه في جوهره يحمل نفس الأجندات القديمة.
أما في ما تطرحه منصة "ميدان"، فيبرز اعتماد الجماعة على إحياء نفس الأسلوب القديم القائم على التقارب الظاهري مع مختلف التيارات تحت شعار نلتقي فيما نتفق عليه، مع تجاوز الخلافات كتكتيك مرحلي، وهو الأسلوب الذي استخدمه التنظيم تاريخيًا لفتح قنوات تواصل دون التخلي عن أهدافه الحقيقية. هذه الصيغة تكشف بوضوح أن الجماعة لا تزال تراهن على المناورة وتغيير الخطاب بحسب الموقف، في محاولة للتمدد وإعادة فرض حضورها من جديد، دون أي مراجعة حقيقية لأفكارها أو نهجها.
وفي هذا السياق، قال طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن ما تطرحه جماعة الإخوان عبر منصة "ميدان" ليس سوى محاولة جديدة لإعادة إنتاج نفسها بوجه أكثر قبولًا، مؤكدًا أن التنظيم لم يغير جلده، بل غيّر فقط أدواته وخطابه بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة.
وأضاف البشبيشي أن الجماعة تعتمد بشكل أساسي على توظيف الدين كوسيلة للتأثير، مستغلة حساسية هذا الملف داخل المجتمعات، بهدف كسب تعاطف قطاعات معينة، رغم أن التجربة أثبتت مرارًا أن هذه الشعارات تُستخدم كغطاء لتحقيق مصالح سياسية وتنظيمية ضيقة.
وأوضح أن ما يسمى بـ"الوثيقة الفكرية" ليس إلا امتدادًا لمحاولات سابقة تهدف إلى التسلل مجددًا إلى المجال العام، عبر خطاب مزدوج يجمع بين المرونة الظاهرية والتشدد التنظيمي في الداخل، مشيرًا إلى أن هذا النهج يعكس حالة من الارتباك داخل صفوف الجماعة، ومحاولة يائسة لاستعادة التأثير.
وأشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن الجناح الإعلامي للجماعة يلعب دورًا محوريًا في هذه التحركات، حيث يتم توظيف المنصات الرقمية ليس فقط لنشر الرسائل الدعائية، ولكن أيضًا كوسيلة لجذب الدعم والتمويل، وتنفيذ أجندات تتجاوز الإطار المعلن، لافتًا إلى أن هذه الأدوات أصبحت مكشوفة أمام الرأي العام.
وأكد البشبيشي أن وعي المواطنين اليوم يمثل عائقًا حقيقيًا أمام هذه المحاولات، بعدما انكشفت استراتيجيات الجماعة وأسلوبها في استغلال الدين لتحقيق أهدافها، مشددًا على أن إعادة طرح نفس الخطاب، مهما تغيرت وسائله، لن ينجح في استعادة الثقة أو التأثير كما كان في السابق.