لم تكن المشاهد التي عرضها مسلسل "رأس الأفعى" مجرد عمل درامي، بل عكست نمطًا متكررًا في إدارة الخطاب داخل جماعة الإخوان الإرهابية، يقوم على استثمار الأزمات وتحويل الضربات الأمنية إلى أدوات لإعادة إنتاج رواية "المظلومية"، هذا النمط لم يظل حبيس الشاشة، بل يجد صداه بوضوح في الواقع، خاصة مع تكرار نفس السيناريو مع كل واقعة جديدة.
ففي أحد مشاهد المسلسل، يظهر قيادات الجماعة وهم يناقشون القبض على أحد رموزهم، معتبرين أن الحدث يمثل "فرصة عظيمة" لتعزيز خطاب المظلومية وكسب التعاطف.
ويتكرر المشهد مع واقعة أخرى حين يتم إبلاغ محمود عزت بظهور محمد مرسي في المحكمة، ليؤكد ضرورة استغلال الحدث إعلاميًا وتوظيفه لصالح الجماعة.
هذه الرؤية التي قدمها العمل الدرامي لا تبدو بعيدة عن الواقع، بل تتجسد اليوم في طريقة التعامل مع القبض على الإرهابي علي عبد الونيس، القيادي بحركة "حسم" الإرهابية، حيث تحاول بعض الأصوات، وعلى رأسها زوجته زينب بشندي، إعادة تقديم الواقعة في إطار إنساني عاطفي، يركز على فكرة "الضحية"، متجاهلة ما تكشفه الوقائع والاعترافات الموثقة.
فبحسب ما ورد في اعترافات علي عبد الونيس، فقد أقرّ بتورطه في التخطيط والتنفيذ لعمليات إرهابية، وكشف عن أدواره داخل التنظيم، وهو ما يضع الحدث في سياقه الحقيقي بعيدًا عن أي محاولات لإعادة صياغته، والأكثر دلالة في هذه الاعترافات، هو ما حملته من نبرة ندم واضحة، حيث عبّر عن أسفه لما قام به، مؤكدًا رفضه أن يسلك نجله نفس الطريق، في رسالة تحمل دلالات إنسانية عميقة تعكس إدراكه لخطورة ما تورط فيه.
هذا التناقض بين خطاب المظلومية الذي يتم الترويج له، وبين ما تكشفه الاعترافات، يعكس فجوة واضحة بين الرواية المتداولة والواقع الفعلي، فبينما تسعى بعض الأطراف إلى تقديم صورة أحادية تركز على الجانب العاطفي، تكشف الوقائع عن صورة أكثر تعقيدًا ترتبط بأنشطة تنظيمية وعملياتية موثقة.
كما أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي في إعادة تدوير هذه الروايات يعزز من انتشارها، خاصة في ظل سرعة تداول المحتوى واعتماد بعض المستخدمين على مصادر غير موثقة، وهو ما يمنح هذا الخطاب فرصة للوصول إلى شرائح أوسع دون تدقيق كافٍ.
في المقابل، تظل الاعترافات المعلنة عنصرًا حاسمًا في تفكيك هذه السرديات، حيث تقدم رواية قائمة على الوقائع، بعيدًا عن الانتقائية أو التوظيف العاطفي، وهو ما يفرض ضرورة قراءة أي محتوى متداول في ضوء هذه المعطيات، وعدم الاكتفاء بالطرح الظاهري للأحداث.
وتكشف المقارنة بين ما قدمه "رأس الأفعى" وما يجري على أرض الواقع، أن آليات الخطاب لم تتغير كثيرًا، بل يتم إعادة إنتاجها بنفس الأدوات، مع اختلاف الوسائل.
طارق أبو السعد الباحث في شؤون الإسلام السياسي والإرهاب الدولى، قال إن ما يُعرف بمنصة "ميدان" التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، وكذلك المؤتمر الذي تعتزم الجماعة تنظيمه في الخارج تحت مسمى "المؤتمر الوطني"، يمثلان – على حد وصفه – تحركات مشبوهة لا تحمل أي قيمة حقيقية على الأرض.
وأوضح أبو السعد، أن هذه التحركات أُثير حولها الكثير من علامات الاستفهام بشأن مصادر تمويلها، مشيرًا إلى ما تم تداوله من مزاعم سابقة حول تورط شخصيات مرتبطة بها في تلقي دعم من جهات خارجية، بما في ذلك ما نُسب إلى عمرو عبد الهادى..
وأضاف أن النشاط الإعلامي والحركي المتزايد لجماعة الإخوان خلال الفترة الأخيرة يأتي في سياق محاولة لتعويض ما وصفه بـ"الضربات الأمنية المؤثرة" التي تلقتها الجماعة، والتي أدت إلى إرباك داخلي وتراجع في قدرتها على الحشد والتأثير.
وأشار طارق أبو السعد الباحث في شؤون الإسلام السياسي والإرهاب الدولى، إلى أن ظهور بعض الشهادات والاعترافات – ومنها ما يتعلق بأحد القيادات السابقين على عبد الونيس – كان له تأثير بالغ داخل الصف الإخواني، لافتًا إلى أن تلك الشهادات وجهت رسائل مباشرة للشباب بضرورة الابتعاد عن الجماعة وأنشطتها.
وفيما يتعلق بالمؤتمر المزمع عقده في الخارج، أكد أبو السعد أنه “لا يحمل أي قيمة حقيقية إلا داخل دوائر الإخوان أنفسهم”، موضحًا أنه يهدف بالأساس إلى محاولة احتواء آثار التراجع الداخلي وإيهام الأتباع بأن الجماعة ما زالت في حالة حراك مستمر، بل والترويج لفكرة قرب تحقيق إنجاز سياسي كبير.
واختتم أبو السعد تصريحاته بالإشارة إلى أن المؤتمر – بحسب وصفه – يفتقر للجدية حتى داخل أوساط التنظيم، مستشهدًا بما نُقل عن أحد منظميه رضا فهمي، الذى يعتبره طابع هزلي وعدم واقعيته.