كانت الساعة الواحدة والربع صباح الثلاثاء 10 أبريل 1973 حين أقدمت إسرائيل على ارتكاب واحدة من جرائمها المستمرة ضد الفلسطينيين، بتسلل فرقة قتل إسرائيلية من سفينة حربية رست تجاه العاصمة اللبنانية بيروت، إلى منطقة «الرمال البيضاء» جنوبى الروشة»، وتقدمت القوة إلى الشارع الرئيسى، حيث كانت فى انتظارها 6 سيارات أجرة مرسيدس لبنانية، تبين أن بعضها مؤجر منذ 3 أبريل، وبعضها منذ 6 أبريل، واستأجرها 6 إسرائيليين يحملون جوازات سفر أجنبية مزورة «إنجليزيان، وألمانيان، وبلجيكي، وهندى»، حسبما تذكر «الأهرام» فى مانشيتها الرئيسى يوم 11 أبريل 1973.
تذكر «الأهرام» أن أفراد هذه القوة انطلقوا إلى الشوارع، كل مجموعة إلى هدف حيث قاموا بست عمليات إجرامية، الأولى: فى منطقة رأس بيروت بجوار فندق «بريستول» وهو من أشهر فنادق بيروت وقرب المركز الرئيسى لشرطة العاصمة، حيث توجد عمارة من ثمانية طوابق، يسكن فيها ثلاثة من أبرز قادة المقاومة الفلسطينية، واقتحم أفراد القوة العمارة بعد أن قتلوا ثلاثة من الحراس على بابها، واتجهت كل مجموعة إلى واحدة من الشقق الثلاث التى تقع فى ثلاثة طوابق مختلفة، وكانوا يفتحون الأبواب عنوة، ويطلقون النار بدون تمييز على كل ركن فى الشقة، وقتلوا فى هذه العملية ثلاثة من أبرز قادة المقاومة هم: محمد يوسف النجار وشهرته أبويوسف، وهو الرجل الثانى فى حركة فتح الفلسطينية، كما قتلت زوجته ووالدتها، وتردد أن ابنه اختطف، ثم تبين أنه اختفى فى الشقة المجاورة، والشهيد الثانى هو كمال ناصر، المتحدث الرسمى باسم منظمة التحرير الفلسطينية وعضو القيادة العليا للمقاومة، والشهيد الثالث هو كمال عدوان أحد كبار قادة حركة فتح، وكان مسؤولا عن نشاط المقاومة فى الضفة الغربية وغزة.
كان الشهداء الثلاثة من القادة المؤثرين فى المقاومة الفلسطينية، ولهذا استهدفتهم العملية الإجرامية، وتذكر «الأهرام» أن «أبويوسف» عمره 45 سنة، وأحد مؤسسى حركة فتح، ومسؤول النشاط السياسى بمنظمة التحرير الفلسطينية، وله ولد واحد اسمه يوسف «15 سنة»، أما كمال ناصر «49 سنة» من مواليد الضفة الغربية، وهو شاعر نائب سابق فى البرلمان الأردنى، واستطاع الفرار من السلطات الأردنية واختفى عاما ونصف العام فى قرى الأردن، ثم فر إلى سوريا فى عهد الوحدة مع مصر «1958 - 1961»، وبعد الانفصال جاء إلى مصر، أما كمال عدوان «37 سنة» فكان خريج كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ومسؤول النشاط الفدائى فى الضفة الغربية وغزة، وله ولد واحد «7 سنوات» وبنت واحدة.
أما العملية الثانية التى تم تنفيذها بالتزامن مع اغتيال القادة الثلاثة، فتذكر «الأهرام» أنها تمت فى منطقة أبوشاكر، حيث نسفت القوات الإسرائيلية مركز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والثالثة فى منطقة الأوزاعى فى جنوبى بيروت حيث نسفوا خمسة منازل قتل فيها 25 شخصا، عدد غير قليل منهم من عمال البناء السوريين واللبنانيين، أما العملية الرابعة فكانت فى مخيم صبرا للاجئين، حيث نسفوا بعض المنازل، وكانت العملية الخامسة فى منطقة الدورة فى أقصى الجانب الآخر من بيروت، حيث هاجموا ورشة خراطة يعمل فيها عدد من الفلسطينيين.
وجرت العملية السادسة على طريق المطار، حيث حاولت قوة إسرائيلية الوصول إلى المطار، واعترضها رجال الأمن اللبنانيون، واشتبكوا معها فعادت أدراجها، وتذكر «الأهرام» أن بعض الأنباء قالت إن المنفذين عادوا إلى إسرائيل بعد أن أنهوا مهمتهم التى استغرقت ساعتين، بواسطة طائرات هليكوبتر، وقالت أنباء أخرى إن بعضهم لجأ إلى دار السفارة الأمريكية فى بيروت، لكن السفارة أصدرت بيانا نفت فيه ذلك.
تضيف «الأهرام» أنه فى الوقت الذى جرت فيه عملية بيروت كانت قوة إسرائيلية أخرى تقوم بمهمة مماثلة فى ميناء صيدا، حيث نسفت عددا من البيوت فى مخيم اللاجئين الفلسطينيين، وقتل فيها ثلاثون فلسطينيا ثم نسفت محطة بنزين وجراجا للسيارات، وبالرغم من شناعة هذه الجريمة التى وصفتها الصحف الفرنسية أنها مغامرة وقحة، فإن السعادة طغت فى «تل أبيب» ، وتذكر «الأهرام» أن الجنرال «دافيد إليعازر» رئيس الأركان الإسرائيلى، دعا إلى مؤتمر صحفى متحدثا عن العملية أمام خريطة لبيروت، وقال إن القوات الإسرائيلية نفذتها وفقدت جنديين، وبعد قليل عقد مجلس الوزراء الإسرائيلى اجتماعا، أصدر فى نهايته بيانا أشادت فيه رئيسة الوزراء جولدا مائير بالعملية، وأبدت إعجابها بالمنفذين، وإعجابها بإليعازر.
أدانت مصر رسميا هذه العملية الإجرامية، وقالت إن إسرائيل تسعى لفرض قوتها العسكرية دون التقيد بقانون دولى وإنسانى، وفى 11 أبريل، مثل هذا اليوم 1973 ووفقا لـ«الأهرام»، قررت الثورة الفلسطينية إقامة سرداق عزاء فى جامع عمر مكرم لتقبل العزاء فى نفس اليوم.