في ظل الضربات الأمنية المتتالية التي تعرضت لها التنظيمات المتطرفة خلال السنوات الأخيرة، لم يعد ممكنًا الاعتماد على الهياكل التنظيمية التقليدية التي تقوم على التسلسل الهرمي الواضح والانتماء المباشر، إذ أصبحت هذه النماذج أكثر عرضة للاختراق والتفكيك، ومن هنا، اتجهت تلك التنظيمات إلى البحث عن بدائل أكثر مرونة، وهو ما تجسد بوضوح في ما يُعرف بـ"حركة ميدان"، التي قدمت نموذجًا مختلفًا لإعادة إنتاج الشبكات من الصفر.
هذا النموذج لا يعتمد على بناء تنظيم تقليدي له قيادة وهيكل واضح، بل يقوم على تشكيل شبكات غير مركزية، تتأسس على علاقات مرنة وغير مباشرة، يكون الرابط الأساسي بينها هو التفاعل الفكري والإعلامي، وليس الانتماء التنظيمي الصريح، وهذه الطريقة تمنح الشبكات قدرة أكبر على البقاء، وتُصعّب من مهمة تتبعها أو تفكيكها.
ووفقًا لما كشفت عنه اعترافات الإرهابي علي عبد الونيس، فإن "مؤسسة ميدان" لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث وفرت بيئة رقمية يمكن من خلالها جذب الأفراد، وفتح مساحات للنقاش، وتبادل الأفكار، دون الحاجة إلى إنشاء كيان تنظيمي معلن، وهذه البيئة سمحت بخلق حالة من التقارب بين الأفراد، الذين قد لا يعرفون بعضهم البعض بشكل مباشر، لكنهم يشتركون في نفس الاهتمامات أو القناعات التي يتم الترويج لها.
وتبدأ عملية بناء هذه الشبكات بشكل تدريجي، من خلال التعرض المستمر للمحتوى، سواء عبر البودكاست أو المنصات الرقمية الأخرى، حيث يتم في البداية جذب الانتباه من خلال قضايا عامة، ثم يتم تعميق التفاعل عبر طرح أفكار أكثر تحديدًا، ومع مرور الوقت، ينتقل بعض الأفراد إلى مراحل أكثر تقدمًا، يتم خلالها بناء علاقات أكثر مباشرة، سواء عبر التواصل الخاص أو الانخراط في مجموعات مغلقة.
هذا التدرج في بناء الشبكات يجعل من الصعب تحديد نقطة البداية أو رسم خريطة واضحة للعلاقات، حيث لا توجد لحظة انضمام رسمية، بل سلسلة من التفاعلات التي تتطور بمرور الوقت، كما أن غياب الهيكل التنظيمي التقليدي يعني عدم وجود قيادات واضحة يمكن استهدافها، ما يزيد من تعقيد عملية المواجهة.
كما أشار عبد الونيس في اعترافاته إلى أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن باقي مكونات المنظومة، بل تتكامل مع العمل الإعلامي والسياسي، حيث يتم استخدام المحتوى الرقمي كأداة أساسية في بناء هذه العلاقات، وتعزيزها، وتوسيع نطاقها.