المحامي رضا الصفتي يكتب: كهف العصر الحديث

الجمعة، 10 أبريل 2026 05:31 ص
المحامي رضا الصفتي يكتب: كهف العصر الحديث المحامي رضا الصفتي

في زمنٍ أصبحت فيه الميديا بكل أشكالها جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال، بل تحوّل إلى نافذة مفتوحة على عالم بلا حدود. عالمٌ يدخل إلى بيوتنا دون استئذان، ويصل إلى الصغار قبل الكبار، حاملاً معه كل شيء؛ الجيد والسيئ معًا.

لم تعد المشكلة في وجود وسائل الإعلام أو في التطور التكنولوجي ذاته، بل في حجم المحتوى الذي يُقدَّم بلا رقابة حقيقية، وسهولة الوصول إليه في أي وقت ومن أي مكان. فبضغطة واحدة، يستطيع الطفل كما يستطيع الكبير أن يشاهد ما يشاء، دون حواجز عمرية أو أخلاقية واضحة، لتتحول الميديا في كثير من الأحيان إلى طريق سريع لنشر السلوكيات الخاطئة وتطبيعها داخل المجتمع.

وقد زاد تنوع المنصات من حجم التأثير بشكل غير مسبوق؛ منصات الفيديو القصير، البث المباشر، تطبيقات التواصل الاجتماعي، ومحتوى لا ينتهي، صُمم خصيصًا لجذب الانتباه وإبقاء المستخدم لأطول وقت ممكن. ومع هذا السيل المتدفق، لم يعد الإنسان يملك مساحة كافية للتفكير أو التمييز، بل أصبح يتلقى أفكارًا وصورًا وسلوكيات تتكرر حتى تبدو طبيعية، حتى وإن كانت بعيدة تمامًا عن قيمه ومبادئه.

والأخطر من ذلك أن كثيرًا من هذا المحتوى يعتمد على الإثارة وجذب الغرائز كأسرع وسيلة للانتشار. فكلما كان المحتوى أكثر جرأة أو صدمة، زادت مشاهداته، ومع مرور الوقت يتحول ما كان مرفوضًا إلى أمر مألوف، ويبدأ الخط الفاصل بين الحرية والانفلات في التلاشي تدريجيًا.

الأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذا الواقع؛ فهم في مرحلة التشكّل الفكري والنفسي، ويُعيدون تشكيل وعيهم بناءً على ما يشاهدونه يوميًا. وحين تصبح القدوة شخصيات افتراضية تقدم الشهرة السريعة والمظاهر الخادعة دون جهد أو قيم حقيقية، تتغير نظرتهم للحياة والعمل والعلاقات، ويصبح التقليد أحيانًا أخطر من الفعل ذاته.
كما خلقت الميديا حالة من المقارنة المستمرة بين الأفراد، حيث تُعرض حياة مثالية مصطنعة، فيشعر البعض بالنقص أو الضغط النفسي، ويسعى لتعويض ذلك بطرق غير سليمة. ونتيجة لذلك، تتزايد الفردية وتضعف العلاقات الحقيقية داخل الأسرة والمجتمع.

وسط هذا الواقع، لم يعد الابتعاد الكامل عن الميديا خيارًا ممكنًا، لأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العصر. وهنا تظهر الحاجة إلى ما يمكن أن نُطلق عليه "كهف العصر الحديث".

هذا الكهف لا يعني الهروب من التكنولوجيا، بل يعني استخدامها بوعي. هو أن يختار الإنسان ما يتابعه، بدلًا من أن يُساق إليه، وأن يضع حدودًا زمنية وفكرية لما يسمح له بالدخول إلى عقله وقلبه. وهو أيضًا أن نُربي أبناءنا على الوعي قبل المنع، وعلى الاختيار قبل الرقابة.

وقد يتمثل هذا الكهف في لحظات بسيطة لكنها عميقة التأثير؛ كإغلاق الهاتف لبعض الوقت، أو الجلوس مع الأسرة دون شاشات، أو العودة إلى القراءة، أو الانخراط في حوار إنساني حقيقي، أو حتى منح النفس مساحة من الهدوء بعيدًا عن الضجيج الرقمي المستمر.

ففي زمن أصبحت فيه وسائل الفساد متاحة بسهولة للجميع، لم تعد النجاة في الهروب من العالم، بل في بناء حصانة داخلية تمكّننا من العيش فيه دون أن نفقد أنفسنا.

وهكذا، يصبح الكهف ليس مكانًا نلجأ إليه بعيدًا عن الواقع، بل قرارًا واعيًا نختاره كل يوم، لنحافظ على عقولنا وأخلاقنا وسط صخب هذا العصر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة