كأنّه كائن دراميّ انسلّ من ثغرات الخيال ليتجسد في لحم ودم، يطل حمزة العيلي في الموسم الرمضاني الحالي كـ "بوابة سحرية" تفتح على عوالم موازية، لا يقف عند حدود الشاشة، بل يخترقها بحضور "ثلاثي الأبعاد" يلمس الأرواح قبل الأعين. إنه الممثل الذي لا يسكن الدور، بل تكتمل فيه الشخصيات حتى يبدو كأنه يستعير وجوه القلق والمأساة والضحك من مخزن غيبيّ لا ينضب. في "المداح" مع المخرج أحمد سمير فرج، و"حكاية نرجس" مع المخرج سامح علاء، و"النص التاني" مع المخرج حسام علي، مدارس فنية مختلفة، لا نشاهده يقدم تمثيلاً، بل نرقب تحولاً كيميائياً مذهلاً، حيث تتحول النظرة المجهدة إلى بركان طاقة، والصمت إلى ضجيج إنساني صاخب، ليعلن حمزة العيلي أنه ليس مجرد عابر في دراما الموسم.
في هذا الموسم المزدحم بالنجوم والأعمال، يلفت حضور بعض الممثلين الانتباه ليس بكثرة ظهورهم فقط، بل بقدرتهم على ترك أثر درامي حقيقي في كل مساحة يقفون فيها أمام الكاميرا. من بين هؤلاء يبرز الفنان حمزة العيلي الذي استطاع هذا العام أن يرسخ حضوره بوصفه ممثلًا يمتلك طبقات متعددة من الأداء، ممثلًا ثلاثي الأبعاد بمعنى الكلمة، يظهر في أكثر من عمل وفي كل مرة يكشف جانبًا مختلفًا من طاقته التمثيلية. حيث يتنقل بين مناطق شعورية متباعدة، ليؤكد أن الممثل الحقيقي لا يقاس بعدد المشاهد بل بعمق الأثر الذي يتركه فيها.
يدخل حمزة العيلي عالم الكوميديا مرة، وعالم المأساة والتراجيديا مرات، وهو في هذا الموسم الرمضاني يشارك بأدوار متباينة في المداح، النص التاني، حكاية نرجس، لكن خيطا دقيقا يربط بين هذه الأدوار المتباينة والمتناقضة، يمكن أن نراه في هاتين العينين المجهدتين الباحثتين دوما عن خلاص ما، ربما خلاص من عناء ثقيل، المثقلتين بحزن غامض، لأن الأمل ما يزال بعيدا، قد تعكس عيناه أحيانآ بعض الاستكانة والعجز والضعف البشري، لكنهما تتحولان في لحظة خاطفة إلى التألق ببريق التحدي. تلك هي الروح المفعمة بالقلق التي تسكن جسد الشخصيات التي يجسدها، فهم جميعا مثله يدركون أن بداخلهم نهرا فياضا بالمشاعر والأحاسيس وبركانا خامدا من الإمكانيات والطاقة، ينتظر لحظة الانفجار والتوهج.
هذا الخيط الإنساني المشترك هو ما يمنح أداء حمزة العيلي خصوصيته، فحتى عندما تبدو الشخصيات مختلفة في البناء الدرامي، فإنه يزرع بداخلها ذلك التوتر الداخلي الذي يجعلها نابضة بالحياة. في الكوميديا لا يكتفي بإطلاق النكتة أو الموقف الطريف، بل يخلق خلف الضحك ظلالًا إنسانية دقيقة، بينما في التراجيديا يبتعد عن المبالغة ويعتمد على إدراكه للشخصية وأسلوبه الخاص في التعبير، فيترك لملامحه ولصمته مساحة واسعة للكلام. هنا تتجلى قدرته على بناء الشخصية من الداخل، إذ تبدو كل شخصية كما لو كانت تحمل تاريخًا خفيًا من الألم أو الترقب، حتى لو لم يذكره النص صراحة.
نلحظ هذا بوضوح في عدد من مشاهده اللافتة خلال الأعمال الثلاثة. ففي "حكاية نرجس"، حيث يقدم شخصية عوني، تظهر واحدة من أكثر لحظاته تمثيلًا كثافة في المشاهد التي يواجه فيها قسوة واقعه الاجتماعي. عوني.. إنه الإنسان المقهور مرتين: مرة بسبب انسحاقه وفقره، وأخرى بسبب عجزه. في أحد المشاهد يكتفي العيلي بالوقوف صامتًا بينما يدور الحوار من حوله، لكن وجهه وحده يروي القصة كاملة، نظرة طويلة إلى الأرض، ثم رفع الرأس ببطء كأنه يحاول التماسك، في لحظة تختصر شعور الإنسان الذي اعتاد الهزيمة لكنه لم يتخلَّ تمامًا عن رغبته في النجاة. هنا لا يعتمد الأداء على الكلمات، بل على ما بين الكلمات، على تلك المسافة الصامتة التي يملؤها الممثل بإحساس داخلي عميق.
أما في "المداح" فيتحرك العيلي داخل أجواء درامية مشحونة بالتوتر والغموض، أجواء تتطلب فيها الشخصية حضورًا نفسيًا متماسكًا وسط عالم يمزج الواقعي بماوراء الغيبيات. في بعض مشاهده تبدو الشخصية مثيرة، قد يراها البعض ويشعر بما يدور في داخلها، عند هذه النقطة التي ربما تقف فيها على حافة خوف داخلي لا تفصح عنه بالكامل، فيعتمد العيلي على نبرة صوت خافتة ونظرات حذرة تمنح المشهد إحساسًا بالتوجس. هذه التفاصيل الصغيرة تمنح الشخصية عمقًا يتجاوز كونها مجرد دور ثانوي في بنية الحكاية، لتصبح كأنها عين المشاهد التي تراقب هذا العالم المضطرب.
بينما في "النص التاني" يقدم حمزة العيلي مع شخصية "درويش" دورا يلفت الانتباه في كل تفصيلاته، من مشاهده المذهلة هو هذا المشهد في مستشفى المجانين، حين خاض تجربة نادرة في التنقل بين شخصيات مختلفة داخل مشهد واحد بسلاسة فائقة دون أي انقطاع في الإيقاع الدرامي. هنا يبرز عنصر حركة الجسد والإيماءات بدقة عالية: الميل الطفيف للجسد، التوتر في اليدين أو الأكتاف، تحريك الرأس في اتجاهات مختلفة لتأكيد تغير المزاج الداخلي، وكذلك التباين في سرعة الكلام ونبرة الصوت، كل ذلك يصنع انتقالًا سلسًا بين الشخصيات المختلفة دون أن يفقد المشهد انسجامه.
نفس الانسجام المدهش في مشهد السوق بعد هروبه من المستشفى وهو يعاتب "النص" في موندراما مدهشة تم التقاطها one shot، يعاتب صاحبه الغائب، يردد كلاما ليس مفهوما، يعاتب نفسه ويصرخ :"أنا مش كروديا.. أنا فنان". إن هذا التحكم الكامل في كل تفاصيل الجسد والإيماءات يجعل المتفرج يشعر بأنه يعيش التجربة النفسية لكل شخصية على حدة، ويعكس مدى وعي حمزة العيلي بدقة النفس الإنسانية وقدرته على تجسيد التعقيدات النفسية على الشاشة بطريقة طبيعية وملموسة.
هذا التنقل السلس بين التراجيديا والكوميديا وكذا بين الشخصيات في المسلسلات، وربما داخل المشهد الواحد يكشف عن ممثل يمتلك وعيًا واضحًا بأدواته. إنه لا يغير فقط نبرة صوته أو ملامحه من دور إلى آخر، بل يغير الإيقاع الداخلي للشخصية نفسها، فلكل شخصية زمنها الخاص وطريقتها في التفكير والانفعال. هذا ما يجعل المتلقي يشعر أن الشخصيات الثلاثة لا يجسدها ممثل واحد بقدر ما تبدو كأنها تنتمي إلى عوالم إنسانية مختلفة.
هذا النوع من الأداء لا يأتي من فراغ، بل من مسار طويل من التكوين الفني. فحمزة العيلي ممثل مصري تخرج من كلية الحقوق بدأ رحلة التمثيل عام ٢٠٠١ شارك في العديد من المسرحيات في قصر ثقافة المنيا إلى أن التحق بمركز الإبداع الفني عام ٢٠٠٦ حتى ٢٠١٠، بدايته في السينما كانت في فيلم إكس لارج للمخرج شريف عرفة وفي التليفزيون كانت في مسلسل أهل كايرو، توالت بعدها الأعمال الدرامية. قد انعكس هذا التكوين المسرحي على أدائه أمام الكاميرا، فالمسرح يمنح الممثل عادة قدرة أكبر على التحكم في الجسد والصوت والإيقاع الداخلي للشخصية، وهي عناصر تظهر بوضوح في حضوره الدرامي.
كما أن مسيرته لم تمر دون تقدير نقدي وفني، فقد حصل على جائزة أحسن ممثل صاعد في المهرجان القومي للمسرح عن عرض ظل الحمار ٢٠١٠، وفي الدراما قام المهرجان الكاثوليكي عام ٢٠١٥ بتكريمه عن إختياره لأعماله، وفي الدراما حصل على الدير جيست عام ٢٠١٤ و ٢٠٢٣ و أحسن ممثل في مهرجان الدراما عن دوره السري في مسلسل رسالة الإمام، كما حصل على العديد من الجوائز والتكريمات في مهرجانات عدة، منها تكريمه في مهرجانالفيوم الدولي لأفلام البيئة في العام 2024. لكن اللافت أن هذه الجوائز والتكريمات تبدو كأنها محطات في طريق ممثل لا يزال يفتش عن مناطق جديدة في أدائه، أكثر مما هي ذروة نهائية لمسيرته.
ما يميز حمزة العيلي في هذا الموسم الرمضاني تحديدًا هو أنه لا يقدم ثلاث شخصيات مختلفة فحسب، بل يقدم ثلاث حالات إنسانية متباينة، كل شخصية تعيش في عالم نفسي مستقل. هذا ما يجعل حضوره أقرب إلى فكرة "الممثل ثلاثي الأبعاد": ممثل لا يتحرك على سطح الدور فقط، بل يغوص في عمقه النفسي والوجداني، فيمنحه بعدًا إنسانيًا حقيقيًا. وهكذا يتحول ظهوره في الأعمال الثلاثة إلى تجربة مشاهدة مختلفة، ففي كل مرة يطل فيها على الشاشة نشعر أننا أمام شخصية جديدة تمامًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل ذلك الأثر الإنساني الخفي الذي يميز أداءه ويجعله واحدًا من أكثر الممثلين قدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى دراما كاملة.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026