على عتبات محاكم الأسرة، حيث تتمازج رائحة الأوراق الرسمية بمرارة الانكسار، لم تعد قضايا الخلع تقتصر على أسباب كلاسيكية كالبخل أو الضرب أو عدم الإنفاق، بل برز غول جديد ينهش في جسد الأسرة، بطلته هي "الحماة" التي لم تدرك بعد أن نجلها قد أصبح رجلاً مستقلاً له مملكته الخاصة.
خلف كل قضية خلع تقف حكاية امرأة قررت أن تشتري حريتها بما تبقى لها من كرامة، بعدما تحول "عش الزوجية" إلى ساحة صراع، وأصبحت "الحماة" هي المحرك الخفي لخراب البيط، لتتحول عبارة "يا أنا يا أمك" من مجرد جملة درامية في الأفلام إلى واقع مأساوي ينتهي بكلمة "تم الخلع".
حكايات الخلع بسبب الحموات
تبدأ القصص الإنسانية التي تدمي القلوب من ردهات محكمة أسرة الدقي، حيث جلست "ن. أ"، وهي مهندسة في مقتبل العمر، تروي مأساتها بمرارة.
تقول إنها لم تكن تتخيل أن زواجها الذي بني على قصة حب سيتحطم على صخرة "مفتاح الشقة"،
حيث تروي الزوجة أن حماتها كانت تقتحم خصوصيتها في أي وقت، تفتش في أدراج ملابسها، وتنتقد أنواع الطعام التي تطهوها، بل وصل الأمر إلى تحديد موعد نومها واستيقاظها.
تصف الزوجة حياتها قائلة إن زوجها كان "شخصية مهزوزة" لا يستطيع قول كلمة "لا" أمام والدته، حتى عندما وصل الأمر إلى صفعها أمام عينيه، ووقف صامتاً.
هنا قررت المهندسة الشابة أن "الخلع" هو الباب الوحيد للنجاة من حياة أصبحت فيها "طرفاً ثالثاً" في علاقة بين زوج وأمه.
وفي زاوية أخرى من محكمة الأسرة، تقف "س. م"، وهي ممرضة، لتسرد حكاية من نوع آخر من التسلط.
تحكي أن حماتها كانت تصر على أن تتقاضى هي راتب الزوجة بحجة "تدبير ميزانية البيت"، وعندما رفضت الزوجة هذا المنطق، بدأت الحماة حملة "تسميم أفكار" منظمة لنجلها.
بدأت المشاحنات اليومية تزداد، والتحريض على الضرب والإهانة أصبح هو الخبز اليومي. تقول الزوجة بدموع محبوسة إنها حاولت مراراً إصلاح الأمر، لكنها وجدت نفسها أمام "جدار من الكراهية" شيدته الحماة، وزوج يرى أن بر الوالدين يعني إهانة الزوجة.
لجأت للخلع لتستعيد نفسها، مؤكدة أن "الحماة" لم تكن مجرد أم لزوجها، بل كانت "ضرة" تسعى لاسترداد نجلها من زوجته بكل الوسائل.
أما المأساة الأكثر غرابة، فهي قصة "ر. ح" التي رفعت دعوى خلع بعد شهرين فقط من الزفاف. السبب لم يكن خيانة أو عجزاً، بل كان "تدخل الحماة في تفاصيل غرفة النوم".
تروي الزوجة بصدمة أن الحماة كانت تجلس معهما في كل سهرة، وتتدخل في أدق تفاصيل حياتهما الخاصة، وتطالب نجلها بإخبارها بكل ما يدور بينهما.
وعندما حاول الزوج وضع حدود، هددته والدته بـ "غضب الرب والوالدين"، فاستسلم الزوج تماماً، ليصبح دمية في يدها.
تقول الزوجة إنها شعرت بأنها تتزوج الحماة لا الزوج، فقررت الانسحاب مبكراً قبل أن تنجب أطفالاً في هذه البيئة المسمومة.
هذه القصص وإن كانت حالات فردية، هي صرخة تحذير من تنامي ظاهرة "التسلط الأموي" الذي يفتك بالزيجات الحديثة. فالتدخلات تبدأ من اختيار لون الستائر وتصل إلى تربية الأطفال، ومروراً بالتحريض على الطلاق كنوع من أنواع فرض السيطرة.
أسباب المشاكل الزوجية في وجود الحموات
ويرى خبراء الاجتماع أن جذور هذه المشكلة تكمن في "التعلق المرضي" للأمهات بأبنائهن، وعدم قدرتهن على تقبل فكرة وجود امرأة أخرى تشارك الابن حياته واهتماماته، مما يحول العلاقة من مودة ورحمة إلى حرب باردة.
روشتة لتفادي مشاكل الحموات
ولتفادي هذه المشاكل التي تنتهي في أروقة المحاكم، يضع خبراء العلاقات الأسرية "روشتة" عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أولى خطوات هذه الروشتة هي "الاستقلال المادي والمعنوي"؛ فعلى الزوجين منذ اليوم الأول وضع حدود واضحة ومقدسة لخصوصيتهما، مع التأكيد على أن بر الوالدين لا يعني بالضرورة إشراكهم في تفاصيل المشكلات الزوجية.
ويجب على الزوج تحديداً أن يلعب دور "المايسترو" الذي يوازن بين رضا أمه وكرامة زوجته، فلا يسمح بالتطاول من أي طرف على الآخر، وأن يدرك أن "القوامة" تعني حماية بيته من أي تدخل خارجي حتى لو كان من أقرب الناس إليه.
كما تتضمن الروشتة ضرورة "الفصل المكاني" قدر الإمكان في بداية الزواج، لتقليل فرص الاحتكاك اليومي الذي يولد الانفجار.
وعلى الزوجة أيضاً أن تتحلى بالذكاء الاجتماعي، فتمتص غضب الحماة بالكلمة الطيبة والهدية، دون أن تسمح لها بتجاوز الخطوط الحمراء.
أما النصيحة الأهم للأمهات، فهي أن تترك نجلها يعيش حياته، وأن تدرك أن نجاحه في بيته هو نجاح لتربيتها، وأن كسر خاطر زوجته هو بداية لكسر قلب ابنها وضياع استقراره.
إن محاكم الأسرة اليوم تكتظ بضحايا "الحموات"، ولكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الزوج الذي ينسحب من دوره كقائد لمركب الزوجية ويترك الدفة في يد والدته.
الخلع قد يكون حلاً قانونياً لاستعادة الحرية، لكن الوقاية تظل خيراً من ألف حكم قضائي. فالحب الذي يبدأ بوعود وردية لا يجب أن ينتهي بصرخات في المحاكم بسبب رغبة في السيطرة أو سوء فهم لمعنى البر.
إن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة، والأسرة القوية هي التي تبنى على الخصوصية والتقدير المتبادل بعيداً عن صراعات النفوذ التي لا يخرج منها أحد منتصراً.