يمثل الأطفال في وجدان المجتمع "عزوة" البيت وشريان الحياة الذي يربط بين الزوجين، ولكن حين يتأخر هذا الحلم أو يتبخر أمام الحقائق الطبية، تتحول المودة والرحمة في إلى معارك باردة، وأحياناً إلى جحيم من الإهانات والمعايرة الدائمة.
حكايات زوجات مع عدم الإنجاب
أمام ساحات محاكم الأسرة، نجد قصصاً تدمي القلوب لزوجات قررن أن يضعن حداً لسنوات من الصبر، ليس لأن الإنجاب مستحيل، بل لأن شريك الحياة اختار أن يحول "قدر الله" إلى سوط يجلد به كرامة زوجته صباحاً ومساءً، ليكون "الخلع" هو الباب الوحيد لاسترداد النفس قبل استرداد الحرية.
أمام ساحة احدى المحاكم وقفت "سماح" وهي شابة في الثلاثينات من عمرها، تروي بدموع محبوسة كيف تحولت حياتها إلى "تحقيق مستمر" من قِبل حماتها وزوجها، تقول سماح إنها تزوجت منذ خمس سنوات، ولم يرزقها الله بالأطفال، ورغم أن التقارير الطبية أكدت أن السبب مشترك ويحتاج للعلاج، إلا أن زوجها ألقى باللوم كاملاً عليها أمام الجميع، كان يعايرها في كل خلاف بلقب "العاقر"، ويسمح لأهله بالتدخل في أدق تفاصيل حياتهما وعلاجهما، شعرت سماح أنها مجرد "ماكينة إنجاب" معطلة في نظرهم، وليست شريكة حياة لها مشاعر، وعندما طلب منها زوجها أن يتزوج بأخرى "عشان يشوف خلفته" ويتركها في البيت كخادمة، قررت أنها لن تعيش ذليلة، ورفعت دعوى خلع لتنهي مأساة استمرت لسنوات تحت مقصلة المعايرة.
أما "نورهان"، فكانت قصتها أكثر قسوة، حيث عاشت عشر سنوات من العطاء والتضحية، وقامت بإجراء خمس عمليات حقن مجهري فاشلة، تحملت خلالها آلام الجسد ونزيف الأموال، لكنها لم تجد من زوجها سوى الجحود، تحكي نورهان أن زوجها بدأ ينسحب من حياتها تدريجياً، وأصبح ينظر إليها بنظرة "الشفقة" التي تقتلها كل يوم، بل وصل به الأمر إلى الامتناع عن الإنفاق على علاجها، مبرراً ذلك بأنها "أرض بور" لا تستحق التعب، هذه الكلمات كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، سألت نورهان نفسها، أين المودة التي تعاهدنا عليها؟ وأين الصبر على البلاء؟ وجدت أن بقاءها مع رجل يرى قيمتها في "الخلفة" فقط هو انتحار بطيء، فخلعته لتثبت لنفسها وللعالم أن قيمتها كإنسانة أكبر بكثير من مجرد رحم يحمل جنيناً.
روشتة لتفادي مشاكل عدم الإنجاب
ويرى خبراء الاجتماع، أن مشكلة الإنجاب في مجتمعنا لا تتوقف عند الزوجين، بل يتدخل فيها "الجمهور الأسري" من الأمهات والأخوات، مما يشحن الزوج ويجعله يرى في تأخر الإنجاب "نقصاً في رجولته" أو تهديداً لاسم عائلته، هذا الضغط المجتمعي يولد انفجاراً في العلاقة الزوجية، خاصة إذا كان الزوج ضعيف الشخصية أو يفتقر للثقافة الدينية التي تؤكد أن الذرية هبة من الله، وفي هذه اللحظة، يبدأ مسلسل "التنمر المنزلي"، حيث يتم استغلال نقطة الضعف هذه لكسر إرادة الزوجة وجعلها تقبل بالتجاوزات والظلم خوفاً من لقب "مطلقة وعاقر"، وهو ما ترفضه الكثير من السيدات الآن بوعي قانوني وإنساني لافت.
ولأن دورنا كصحفيين هو تقديم الحلول بجانب رصد المشاكل، نضع بين أيديكم "روشتة" وقائية وعلاجية لتفادي وصول هذه الأزمات إلى طريق الخلع المسدود، تبدأ أولى خطواتها بضرورة إجراء الفحوصات الطبية الشاملة "قبل الزواج" وبكل شفافية، حتى لا يفاجأ الطرفان بواقع لم يستعدا له، ويجب أن يكون هناك اتفاق ضمني وواضح على كيفية التعامل مع تأخر الإنجاب؛ هل سيصبران معاً؟ وهل سيسمحان بتدخل الأهل؟ إن وضع القواعد في البداية يحمي البيت من العواصف لاحقاً، كما يجب على الزوجين عزل حياتهما الخاصة عن تدخلات "الحموات" والأقارب، فكلمة واحدة من الخارج قد تهدم ما بناه الزوجان في سنوات.
وتتضمن الروشتة أيضاً ضرورة الدعم النفسي المتبادل، فالمصاب واحد والألم مشترك، وعلى الزوج أن يكون هو "الحائط" الذي تستند إليه زوجته أمام تنمر المجتمع، لا أن يكون هو المتنمر الأول، ومن الناحية الإيمانية، يجب استحضار نماذج من السلف الصالح وقصص الأنبياء الذين تأخروا في الإنجاب وكيف ساد بينهم الود والصبر، أما إذا وصل الأمر إلى الإهانة الجسدية أو المعنوية المستمرة، فإن الخبراء ينصحون بجلسات تحكيم عائلية جادة، فإذا لم يتغير سلوك الزوج المعتدي، يكون الخلع هنا هو "الحل المر" الذي يضمن للمرأة العيش بكرامة، فالحياة بلا أطفال قد تكون هادئة، لكن الحياة بلا كرامة هي موت على قيد الحياة.
إن البيوت لا تقوم فقط على الأطفال، بل تقوم على السكن والمودة والرحمة، والذرية هي زينة الحياة الدنيا وليست أصل الحياة، محكمة الأسرة مليئة بالسيدات اللاتي خلعن أزواجهن ليس كرهاً فيهم، بل كرهاً في النسخة التي تحولوا إليها بسبب ضغوط الإنجاب، إن الوعي بأن "الرزق بيد الله" هو صمام الأمان الحقيقي لأي علاقة زوجية، وأن القوة الحقيقية للرجل تظهر في مساندة زوجته في وقت المحنة، لا في التخلي عنها عند أول اختبار إلهي، ليبقى الوفاء هو العملة النادرة التي تحفظ البيوت من الخراب وتغلق أبواب الصراع لي المحاكم للأبد.