مع اقتراب شمس شهر رمضان المبارك من الغروب، ودخول العشر الأواخر بنفحاتها العطرة، تتبدل الأجواء في رحاب المسجد الحرام بمكة المكرمة، لتكتسي بصبغة روحانية فريدة يغلب عليها الحضور المصري الطاغي.
فبين جنبات الحرم، وفي صحن الطواف المكتظ بالقلوب الراجية، يبرز المعتمرون المصريون كأحد أهم ملامح هذا المشهد الإيماني المهيب، حيث يشدون الرحال بآمالهم ودعواتهم، تاركين وراءهم هموم الدنيا، باحثين عن مغفرة وعتق من النار في أقدس بقاع الأرض.
إقبال المعتمرين المصريين في العشر الأواخر من رمضان
وتشهد مكة المكرمة هذه الأيام طوفانًا بشريًا من المصريين الذين حرصوا على شد الرحال لأداء عمرة رمضان، خاصة مع دخول العشر الأواخر التي تمثل ذروة الموسم الإيماني.
وتتحول ساحات الحرم إلى خلية نحل لا تهدأ، حيث يوزع المعتمر المصري وقته بين الطواف والسعي وبين جلسات التدبر وقراءة القرآن الكريم التي لا تنقطع. فمنذ خيوط الفجر الأولى، تجد المعتمر المصري معتكفًا في مكانه، يرتل آيات الذكر الحكيم بصوت خفيض وعيون تفيض بالدموع، متضرعًا إلى الله أن يتقبل منه صالح الأعمال وأن يرزقه الشهود في ليلة هي خير من ألف شهر.
وعند اقتراب موعد أذان المغرب، تتجلى أسمى معاني التكافل والروحانية في مشهد الإفطار الجماعي. يجتمع المصريون حول "سفر الإفطار" المنتشرة في أرجاء الحرم، يتقاسمون التمر وماء زمزم مع ضيوف الرحمن من كل فج عميق، لكن تظل "اللمة المصرية" لها مذاق خاص، حيث يتبادلون التهاني والابتسامات التي تعكس سماحة الشخصية المصرية ومعدنها الطيب.
وبعد الإفطار، يستعد الجميع لصلاة التراويح، تلك اللحظات التي تتوقف فيها الأنفاس خلف أئمة الحرم، حيث يرتجف الوجدان مع كل سجدة ودعاء، ويحرص المصريون على التواجد في الصفوف الأولى، مؤمنين وداعين الله بقلوب خاشعة.
دعوات المعتمرين فى الحرم
ولا تقتصر دعوات المصريين في هذه الليالي المباركة على أنفسهم وذويهم فحسب، بل تظل "مصر" هي الحاضر الغائب في كل سجدة ودعاء. فبين الركن والمنجم، وأمام الملتزم، ترتفع الأكف بالدعاء للوطن، بأن يحفظ الله مصر وأهلها، وأن يديم عليها الأمن والأمان والاستقرار، وأن يبارك في أرزاق شعبها.
تجد المعتمر المصري يدعو بلهفته المعهودة: "يا رب احمي بلدنا واصلح حالنا"، في مشهد يجسد عمق الارتباط الوجداني بين المصري وأرضه حتى وهو في أطهر بقاع الأرض.
هذا الحب للوطن يمتزج بالدعوات للأبناء والزوجات والآباء والأمهات، فكل معتمر يحمل في جعبته آلاف الرسائل والدعوات من الأهل والأصدقاء الذين استودعوه أماني غالية عند بيت الله الحرام.
ومع انتصاف الليل، تبدأ صلاة التهجد، وهي اللحظات الأكثر شجنًا وتأثيرًا، حيث يسكن الكون ولا يبقى إلا صوت المصلين وبكاؤهم. يقضي المعتمرون المصريون هذه الساعات في تبتل كامل، حتى يحين موعد السحور الذي يقضونه في أجواء مفعمة بالسكينة والبساطة، سواء داخل الساحات أو في الفنادق المحيطة بالحرم التي تكتظ باللهجة المصرية الأصيلة.
إنها رحلة إيمانية متكاملة، لا تنتهي بانتهاء المناسك، بل تظل محفورة في الذاكرة، حيث يعود المعتمر إلى وطنه بروح جديدة، محملًا بعبق مكة وبركة الدعاء، وكأنه ولد من جديد في تلك الليالي الرمضانية التي لا تُنسى.
يظل الوجود المصري في الحرم المكي خلال شهر رمضان، وبخاصة في العشر الأواخر، هو الصورة الأبهى للإخلاص والروحانية. فالمصريون لا يؤدون مجرد مناسك، بل يعيشون حالة من العشق الإلهي تتجسد في كل حركة وسكنة، وفي كل دعاء يخرج من القلب ليصل إلى عنان السماء، داعين الله أن يتقبل منهم، وأن يعيدهم إلى ديارهم وقد غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر، حاملين لمصر وشعبها كل الخير والسلام من جوار الكعبة المشرفة.